الأربعاء، 25 مايو 2016

الثورة لا مفرّ منها في المغرب


سعيد بودبوز


بالأمس قلت إن الكويرة تحت سيطرة موريتانيا منذ1975 وتساءلت لماذا يصر المغاربة على قول "من طنجة إلى الكويرة"، فاتهمني بعض المعلقين بالتفرقة وأنني أفرّط في التراب المغربي! انظر إلى أين وصلت التعمية في هذا البلد، إلى درجة أنك إذا قلت لهم "فلان يسرقكم" سيقيمون عليك حدّ السرقة. وإذا قلت لهم "فلان خانكم" سيقيمون عليك حدّ الخيانة. ولكن هذا المرض النفسي والثقافي لم يأت من فراغ، بل هو سيمة بارزة للعقلية الإسلامية بصفة عامّة والعقلية العبودية في المغرب خصوصا، والسبب هو أن هذه الثقافة تقوم على تقديس المسؤول الأول بدل محاسبته، فالنبي محمد مقدس بوصفه المسؤول الأول عن الإسلام، ولكن عندما نقرأ تاريخه نجده عبارة عن أنهار من الدماء والاغتصابات والسلب والنهب وتلال من الرؤوس المقطوعة بأمر من ذلك النبي نفسه، أو على الأقل هذا ما تنصّ عليه السير النبوية ذاتها، والغريب أنه محرم عليك أن تصف ذلك بالجرائم، رغم أنه في الواقع ليس مجرد جرائم بل كوارث عسكرية وسياسية وإنسانية واقتصادية ودينية لم تشهد لها المعمورة مثيلاً. وكذلك الأب مقدس في العائلة الإسلامية لا يجوز للابن أن يناقش أخطاءه، وفي نفس الوقت قد يقوم بخروقات سافرة للعرف والأخلاق تجاه أبنائه. وكذلك الفقيه مقدّس لا يناقشه أتباعه ولا يجوز لهم الاجتهاد في أرائه. وكذلك الإمام في المسجد مقدس لا يمكن لأحد المصلين أن يناقش خطبته، فهو يرتقي برجه العاجي ويخاطب الجميع بما يحلو له أو للحاكم بلا اعتراض. وكذلك الأستاذ يتمتع بقدسية أمام طلبته في هذا المجتمع المتخلف، فحتى وإن ارتكب أخطاء لا يجوز لهم أن يصححوها له. وكذلك الحاكم أو المسؤول الأول في الدولة، فهو مقدس لا تجوز مناقشته، وهذا هو الوضع الذي يعيشه المغرب حاليا، فجميع السلطات بيد الملك، ولكن الملك مقدس لا تجوز مناقشته! فما الحل؟. الشعب يتعرض للويلات يوميا باسم جلالته، ولكن لا يجوز لأحد أن يوجّه إليه الانتقاد مباشرة. وإلا ستتم محاكمته على أنه وقع في الخيانة العظمى. في المغرب ليس أمامك خيار إلا أن تبدو معتوهاً تهذي خارج السياق والمنطق؛ فرغم أنك تعرف بأن الملك هو من يترأس المجلس الأعلى للقضاء، إلا أنه لا يجوز لك في نفس الوقت أن تعتبره رئيسا لهذا المجلس! يجب أن تتصرّف وفقا لذلك دون أن تتفوّه بكلمة. يجب أن تعرف جيدا كيف تعتبره رئيسا ومرؤسا في نفس المراوغة والقفزة الأكروباتية. فحدّث عن فساد القضاء ولا حرج، لكن إياك أن تسائل الملك عن دوره كرئيس لهذا القضاء الذي قضى عليه الفساد. وقس على ذلك في باقي السلط، فالدستور الذي لا علاقة له بالشعب يرغم الشعب على الاختناق داخل هذا المنطق الغريب الذي لا نقول إنه لم يعد مقبولا فحسب، بل نحن واثقون من أنه لن يستمر، ولكن للأسف يبدو أن التكلفة ستكون باهظة، لأن الانفجار الذي سيأتي بعد هذا الضغط الهائل لا بد أن يكون قويا مدويا مزلزلا. لأن إصرار النظام على خنق الشعب بهذا الدستور يجبره على الثورة. ولكن لماذا تحملنا هذا التناقض فيما مضى؟ لأن المعلومة أيضا كانت محفوظة ومخفية، أما اليوم فقد انفجرت المعلومة ولا بد أن ينفجر المجتمع. إن الخطأ الكارثي الذي يصرّ النظام على انتهاجه، هو أنه يتعامل مع شعب لم يعد موجودا..يتعامل مع شعب ما قبل حوالي 20 سنة.

إذا لم تقم ثورة فكيف يمكن للشعب أن يتواصل بشكل منطقي مع النظام؟ كيف يقنعه بأن أيّ مسؤول لابد أن يخضع للمحاسبة؟ إن كل من تفوّه بهذا الكلام سيُعتبر ضد الملكية! ألا يحق للناس في هذه الحالة أن يتصوّروا بأن الملكية تعني أن يعيشوا مثل الغنم؟. أنا لن أقول بأنّ من مصلحة الملكية أن توسّع صدرها وتستوعب الانتقادات البنّاءة، لأنني أدرك بأنّها لم يعد بإمكانها أن تفعل ذلك، و في المقابل لم يعد بإمكان الشعب أن يتحمّل الاختناق أكثر، ولهذا أنا مقتنع بأنّ الأوضاع ستنتهي إلى الانفجار للأسف.