لا أعرف إن سبق لأحد أن طرح هذا
التساؤل. لكن واضح أن البشرية قد أرهقت نفسها في محاولة فهم الكون من خلال الخيال
(أساطير) أولا، ثم من خلال الروح (أديان) ثانياً، ثم من خلال الفن، و أخيرا عن
طريق العقل (الفلسفة)، وآخرا عن طريق العلم (التجربة). أما الأوهام فيبدو أن
برجسون قد صرح بأنها ليست وليدة البشر وحدهم، بل هي قائمة في طبيعة الوجود أيضاً،
بمعنى أن الطبيعة (الخلاقة) لم تب
دعنا على أكمل وجه منذ البداية، ولم تبدع شيئا كاملا إلا بعد محاولات عدة، ويستلهم من تشارلز داروين نظرية الأصول المشتركة للحيوانات بما فيها الإنسان، ويرى برجسون أن انتقال الطبيعة من مستوى إنتاج "القشريات" إلى مستوى إنتاج "الفقريات" ما هو إلا تقدم وتحسن في أداء الطبيعة الخلاقة، ويمكن اعتبار النحل مثلا الطبعة الأولى البدائية لمشروع خلق الإنسان، كما يمكن اعتبار هذا الأخير الطبعة الأخيرة التي تمثل أقصى ما وصل إليه وعي الطبيعة. إذن، فلسنا الواهم الوحيد-حسب هذه النظرية- بل الطبيعة أيضا واهمة، ويمكن أن تنتج أوهاما، وهنا نخرج من نظرية برجسون ونقول يجب على من يتعصب للعلم والعقل أن ينتبه حتى لا يعتقد بأن كل شيء قابل للفهم والتجربة؛ فقد يكون للطبيعة أوهام في هذا الوجود غير معقولة بتاتاً! هذا بالنسبة للوعي الخلاق، ولكن ماذا عن الوعي المحافظ على المخلوقات؟ هل هو ذو طابع عقلاني أم رومانسي؟ شخصياً أكاد أتصور بأن الكون يدير نفسه بطريقة رومانسية، والحق أن لي الكثير من النقاط في هذا الصدد، لكني قد أفصلها لاحقاً في مقال مطول، وسأكتفي هنا بالقول أن إدارة الكون عاطفية أكثر منها منطقية. فالجاذبية هي الركن الأساسي في العلاقات القائمة بين أطرافه، ونحن نعرف بأن الحب مثلا هو قوة جاذبية أيضاً. تعرفون كيف تتركب المادة كيميائياً، فالطريقة التي تتوحد بها الذرات شبيهة بالطريقة التي يتوحد (يتواصل) بها الذكر مع الأنثى. مثلاً: حين تنجذب ذرة الأوكسجين إلى ذرتي الهيدروجين يتكون عنصر الماء، وقس على ذلك في كل الحالات التي تظهر لنا عليها المادة في هذا الكون. فلا شيء إلا بواسطة التواصل والاتحاد بين الذرات بفعل الجاذبية. حتى على المستوى الماكروسكوبي؛ فلولا جاذبية الشمس (نجمنا المحلي) لتبعثرت هذه الكواكب المجاورة لنا، ولغرقت الأرض في الزمهرير. إذا كانت النجوم تحافظ على الكواكب في مداراتها بفعل الجاذبية، فإن هناك في مراكز المجرات قوة جاذبة هائلة تشد إليها النجوم، هذه القوة تسمى بـ"الثقب الأسود" الذي لا ينفلت من جاذبيته حتى الضوء نفسه، لذلك يبدو أسود لا نرى ما يحدث فيه أبداً، ومن وراء هذه الثقوب السود، ربما هناك قوة جاذبة أعظم منها تحافظ على مستوى "المجموعات المجرية"، وكذلك على مستوى "العناقيد المجرية" (العنقود المجري يتكون من المجموعات، ومنها مجموعتنا المجرية المحلية التي توجد فيها مجرتنا "درب التبانة")، وفوق ذلك تتحدث الفيزياء الفلكية عن "طاقة الفراغ"، وهي تشكل الجزء الأكبر من هذا الكون على ما يبدو، وهكذا نجد أن هذا النظام الطبيعي يقوم على الجاذبية من المستوى الميكروسكوبي (الذرات) إلى المستوى الماكروسكوبي (الكواكب والنجوم). فلو كان الكون يدير نفسه بطريقة عقلانية لما رأينا أي اصطدام بين الكويكبات والكثير من الكوارث الكونية الناجمة عن الخلل في الجاذبية، وأما حين نقول إنه يدير نفسه بطريقة عاطفية، فإنما نعني أنه يمكن أن يصبح أسيرا لهذا النظام الجاذب الذي يسير عليه، ولذلك فإن هذا الكون ليس محفوظا من الكوارث بشكل مطلق. إنني لا أتحدث عن الكوارث الصغيرة كإعصار كاترينا، بل أتحدث عن الكوارث العملاقة (النجمية) التي يمكن أن تدمر كوكبنا الصغير في أية لحظة ! أما في المجال الإنساني، فإن للعاطفة دورا كبيرا جدا، لكنها تتزاوج مع المنطق في الحالات الحاسمة على الأقل.
(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق