تتجلى عبقرية عمرو بن العاص في إتقانه
للعديد من الأدوار؛ فمن رعي الإبل، مرورا بالتجارة، و الإغارة ، ثم الاحتلال عن
طريق النصب والاحتيال. أجدني أنحني احتراما وتقديرا لقدرته العجيبة على انتزاع
الإسكندرية من المصريين بعد أن ساعدهم على تحريرها من الروم
!.
كالعادة، لن أتحدث بتفصيل، لكن ستبقى
هذه الأوراق كعناوين لبحث معمق ومطول قد يتيسر لنا إجراؤه مستقبلا. لا نشك في أن معظم من
يقدسون عمرو بن العاص لا يعرفون كيف، ومتى، ولماذا، وأين أعلن إسلامه. لكن بما أن
الثقافة العربية مبنية على البعد الشفهي والشعبي والتسليم والتفويض على حساب
التوثيق والجهود الفردية والتمحيص والتأويل، فلا تهم هذه الأمور بالنسبة للعربي
التقليدي الذي لا هدف له في هذا الوجود ولا فائدة سوى الأكل والتكاثر. فكما قلت
أكثر من مرة أن العربي يأكل كثيرا ولا ينتج إلا الأزمات.
لقد
كان إسلام ابن العاص من المتأخرين، وهو طبعا إسلام براغماتي بالدرجة الأولى، مع
العلم أنه أعلن إسلامه في الحبشة وليس في جزيرة العرب، وعلى يد النجاشي وليس على
يد محمد (ص)، أي أن هذا الصحابي الجليل كان قد فر من بلاد العرب إلى الحبشة، وقرر
أن يراقب من بعيد ما ستؤول إليه الأمور؛ إذا انتصر المشركون، بقي على دين اللات
والعزى، وإذا انتصرت الدعوة الإسلامية الهاشمية، أعلن إسلامه. لكن قبل أن ينتصر
الإسلام بشكل واضح، علم ابن العاص بأن النجاشي يبارك هذه الدعوة الجديدة، وأنه
سيدعمها، وبالتالي، فسينتصر الإسلام، ولذلك اقترح عليه النجاشي أن يبايع لكي لا
يفوته قطار الفتوحات الإسلامية. ولعلكم تعرفون التعلق الهستيري بالإمارة لدى ابن
العاص، فهذا أمر يعترف به حتى أشد الشيوخ تقديسا للصحابة.
ملاحظة:
(أعتقد أن دراسة العلاقة بين الدولة الهاشمية الإسلامية ومملكة الحبشة يمكن أن
تجيبنا على العديد من علامات الاستفهام).
أعلن
ابن العاص إسلامه، وطلب من النجاشي أن يمد يده كي يبايعه !..لا تضحك عزيزي القارئ،
فوالله لو راجعت التراث العربي لما استغربت من هذه الأفعال التي توضح لك الدافع
الحقيقي إلى ما تراه من الفتوحات الإسلامية، وأن نكتة الدعوة إلى الدين متروكة لي
ولك من البسطاء المضحوك عليهم. مد النجاشي يده الشريفة، وبايعه عمرو ابن العاص على
الإسلام، ثم عاد إلى الجزيرة ليبايع محمدا (ص)، وهو يعرف بأن ملك الحبشة على الأقل
بات يدعم المشروع الهاشمي الإسلامي، ومن يدري، قد يوافق ملوك آخرون على دعم هذا
المشروع !. بعد أن أعلن إسلامه (يعني: انخراطه في مشروع الفتوحات القادمة والغنائم
والسبي والنساء..الخ) وبعد غزوه سوريا وفلسطين، يبدو لي أنه دخل في تنسيق سري مع
المقاومة المصرية التي كانت تريد محاصرة الإسكندرية وتحريرها من الروم، علما بأن
ابن العاص كان قد سبق له أن زار مصر واحتك بالمصريين قبل أن يصبح أميرا، ولذلك طلب
من عمر بن الخطاب (رض) أن يأذن له باحتلال مصر بجيش لا يتجاوز4 آلاف جندي !.
وطبعا
نفهم من سهولة دخوله مصر أنه كان ببساطة مجرد قائد لدعم عسكري من المدينة المنورة
للمقاومة المصرية، فبهذا المنطق وحده لم يقم المصريون بمحوه من الوجود هو وأتباعه.
لكن بعد تحرير الإسكندرية من الروم، بدأت قصة الاحتيال التي أدت إلى الاحتلال. ولا
عجب، فهذا معروف لمن يتتبع سلوك جيشنا الإسلامي، فهل قمنا مثلا باحتلال الأندلس
لولا الاحتيال؟. لنكن صريحين حتى لا نموت كاذبين على أنفسنا في الحد الأدنى.
حين
أراد أن يحتل مصر، قال عمرو ابن العاص لابن الخطاب (رض): "يا أمير المؤمنين
إئذن لي أن أسير إلى مصر، إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم، وهي أكثر
الأرض أموالا وأعجزهم عن القتال والحرب"(انظر "تاريخ عمرو بن
العاص" لحسن ابراهيم حسن). لا يخفى عن العاقل (بل حتى الغبي) خلو هذا المشروع
من الدعوة الدينية السمحة التي جاءت رحمة للعالمين، فالوسيلة هي السيف والغاية هي
الغنائم باختصار. قال رفيق بك العظم في كتابه "أشهر مشاهير الإسلام" في
حق ابن العاص: "إنه رجل فذ قل أن تنجب بمثله الأمهات لولا طمع فيه ربما أوخذ
عليه أحيانا" (انظر "تاريخ عمرو بن العاص" للمؤلف المذكور) وطبعا
نحن الآن لا نقتبس من مؤلفات المخالفين، بل ممن يقدسون هؤلاء. قال عثمان بن عفان
(رض): "إن عمرا لمجرؤ وفيه اقدام وحب للإمارة"، ولا ننسى أن عثمان (رض)
بمجرد أن تولى الخلافة عزل هذا الرجل عن مصر، وولى عليها أخاه في الرضاعة عبد الله
ابن أبي سرح الذي لم يكن بالمصريين أرحم من سالفه بن العاص. وكما يعرف المهتمون
بتاريخ هؤلاء، فإن ابن أبي سرح هذا شكك في نبوة محمد (ص)، وعاد إلى الوثنية بعد
إسلامه، لكن يقال أن محمدا (ص) عفا عنه يوم فتح مكة، أي اليوم الذي أجبر فيه
الجميع على الإسلام بما فيهم أبو سفيان.إذن، قام عثمان بعزل ابن العاص عن مصر التي
أغرم بكنوزها ونسائها وأطفالها الذين كان يتاجر بهم ويبيعهم في الشرق كغيره من
الأمراء العرب تحت شعار الإسلام، وبعد ذلك عرض دعمه العسكري على معاوية ضد علي بن
أبي طالب مقابل توليته على مصر، وهذا ما حصل.
(من
أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق