هل تعرف لماذا لا يستطيع التمثال أن يبني نفسه؟.. لأنّه يستطيع ما هو أعظم من ذلك، يستطيع أن يجعلك تبنيه..أو بعبارة ثانية؛ أنت أداة يستخدمها لبناء نفسه. والأكثر من ذلك، أنّه يجعلك طائعا له دون أن يحرّك ساكنا. لقد كنت فيما مضى تعبده، واليوم تحجّ إليه من من بلد إلى آخر، وقد تنفق عليه أموالا طائلة، قد تشتريه مثلا، قد تشتريه مجسّما أو مرسوما في لوحة تشكيلية، قد يكون على صورة على صورة إنسان أو غيره، لكنه يبقى جامدا لا يتحرك. وفوق ذلك، يستطيع أن يستعملك لبناء ذاته، ثم تفنى أنت ويبقى هو بعدك خالداً، أمازلت ترى نفسك أقوى وأعظم من التمثال؟..
كل ما ينتهي، له مقدمة ووسط وخاتمة، أو رأس وبدن وأقدام، أو ما
يماثل ذلك. وكل ما لا ينتهي، فهو ساكن. وبفضل الحركة،
تموت أنت. وبفضل السكون، يستطيع التمثال أن يخلد. الأجيال تفنى
تباعا، لأنّها تتحرّك من المقدمة (الطفولة) إلى الوسط (الشباب) والخاتمة (الشيخوخة)، أما التمثال فلا يشيخ، لأنه لم يكن طفلا يوما، أي بدأ من
الوسط وباق كما بدأ. الكائن الحيّ يفقد طاقة، فأين تذهب؟. لعلّها تذهب إلى
الجماد (التمثال). الانسان لم يعبد التماثيل انطلاقا من فراغ، بل إن للسكون فيه
قوة جاذبة وحافظة للطاقة. التمثال صامت، لكنه يستطيع أن يقول كلّ شيء من خلالك. يستطيع أن يمثّل
أيّ شيء في خيالك. يستطيع أن يصل إلى أيّ مكان بترحالك. والأكثر من ذلك،
أنّ في أعماق الإنسان ربما تكمن غريزة الجمود؛ ربما يخالطه الحنين إلى أن يصير
حجراً،ربما قد يحرق نفسه لكي يصبح ترابا (جمادا)..ربما لأن غريزته
تدرك عظمة راحته في ذلك..ففي الغريزة الجنسية يمكن أن نتحسّس حنينا للعودة إلى الوراء؛
إلى الماضي..إلى ماقبل الذاكرة..إلى الرحم، علما بأنّ الذاكرة مثل الرحم، فكلاهما يحفظ (الحدث/الجنين). ولكن قبل الرحم
والذاكرة، وبعدهما، كنا وسنعود جمادا..من هنا يأتي نداء الأعماق؛ إنه الخلود، فهو نداء من الأبدية
التي هي نقيض الزمان. الأبدية هي ما كنا عليه قبل نبضتنا الأولى في الحركة (المقدمة)، وما سنكون
عليه بعد نهاية الحركة. فلهذا نحس بالراحة كلما قلّت حركتنا..وكلما فكّرنا في
الماضي، وكلما كان من حولنا صامتا.
إنّ
أعظم الخوارق والمعجزات يستطيع الإنسان أن يعيشها في لحظة السكون، أي في النوم..فبفضل هذه
الحالة العميقة من الوعي يستطيع الإنسان أن يتجاوز ذاته، ويتجاوز حدود قدراته
الفيزيائية، بل يمكن القول بأن الانسان تعلّم أهمّ الأشياء في منامه وليس في
يقظته، ولعل ما يسمى بالاحتلام شاهد على ذلك، زد عليه الأحلام التي تمكّن الانسان
من رؤية أشياء قبل وقوعها في الواقع، فهذا يعني أن النائم يصل إلى درجة من السكون
تعيده إلى الأبدية حيث لا فرق بين الماضي والمستقبل. كلّما كان النوم
عميقا كانت الأحلام أوضح وأصفى وأشهى، والسر في ذلك هو أنك تصبح جاذبا للطاقة بدل
أن تفقدها..إنك ببساطة تجعل الطبيعة تدور حولك، وتكاد تبدو في خدمتك تماما
كما تكون أنت في خدمة التماثيل حتى وإن كنت تعتقد اليوم بأنك لم تعد تعبدها، وإنما
صرت تحبها فقط، وهل ثمة شيء أعظم من الحب؟..كما يطوف السياح
حول أبي الهول وغيره من التماثيل، كذلك تطوف حولك أرواح الكائنات وأنت نائم، لأنك
تقترب من تمثُّل حالة التمثال.
كلنا نحبّ اللوحات التشكيلية والصور الفوتوغرافية لنفس السبب؛
الحنين إلى السكون والأبدية..النوم الأعظم، حيث تصبح أرواح الكائنات وطاقات الأشياء في
خدمتنا. كما يعلّمنا الحلم تجارب تنفعنا في اليقظة، كذلك يعطينا فكرة
أساسية عن قدراتنا الخارقة عندما نصبح جمادا. بسبب جرأته على
التماثيل، تم حرق إبراهيم حيا حسب الأساطير الدينية، ولكنه لم يمت، هل تعلم لماذا؟
لأنه كان على اتصال بعالم الأحلام، أقصد الأحلام العميقة جدا والتي تجعل الانسان
على تخوم الأبدية..هناك رأى إبراهيم نفسه يذبح ابنه، وفي الغد مباشرة بدأ يذبحه
فعلا..أكيد هذه أساطير بالنسبة إلي، ولكنها أساطير ذات أسباب
سيكولوجية مثل عقدة أوديب..فعندما يكون الحلم عميقا إلى حد الأبدية، يكون صافيا واضحا
بخلاف الحلم الذي يراه الانسان دون أن تتحرر روحه تماما من جسده، فهذا النوع من
الأحلام يأتي رمزيا مشوشا يحتاج إلى تفسير خاص.
فكما كان حلم إبراهيم واضحا، كذلك لم يستطع مقاومة تحققه ولا
تأجيل هذا التحقق، ففي الصباح وجد نفسه يمسك خنجرا ويحاول أن يذبح ابنه..أكيد يعتقد صاحب
التفسير الديني بأن إبراهيم أراد أن يمتثل لما رآه في حلمه، لكني من وجهة نظر
نفسانية أقول: هذا النوع الواضح والعميق من الأحلام يتحقق بسرعة، وعادة في
الغد مباشرة ولا قبل لك بمقاومته. أما الحلم الرمزي والسطحي، فقد يستغرق وقتا طويلا قبل أن يصل
إلى الواقع. لأنّ صاحبه كان بعيدا عن الأبدية والسكون (النوم العميق) شبه المطلق. ربما خير مثال
على ذلك هو أن تقارن بين أحلام إبراهيم (الواضحة = القريبة المدى)، وأحلام يوسف (الرمزية = البعيدة المدى).
لاحظ: ابراهيم يصارع
التماثيل. يقطّع الطير إربا. يختن نفسه. يحاول ذبح ابنه. كل هذه الأشياء يمكن تفسيرها نفسيا بما يلي: القضاء على
الحياة (اليقظة) لصالح الموت (الجمود)..عندما يختن نفسه وهو كهل فهذا يعني أنه يحاول أن يبدأ الحياة من
"الوسط". وعندما يهمّ
بذبح ابنه، فهذا يعني أنه لا يريد أن يستمر في السير التناسلي نحو الـ (نهاية النوع
البشري)، وعندما يحاول تكسير التمثال، فلأنه ببساطة يريد أن يأخذ مكانه
ويلعب دوره.
تعلّم
كيف تبقى في مكانك، وستُعلّم بذلك الشرُّ كيف يبتعد عنك، وتعلّم الخيرَ كيف يقترب
منك". هل تعرف ماذا عليك أن تفعل إذا مررتَ بغابة وهاجمك وحش كالأسد
أو النمر أو سرب من النحل، أو كنت تسير بدراجة هوائية وهاجمك قطيع من الكلاب؟. إن
الطريقة الوحيدة أمامك للنجاة هي أن "تتوقّف" حالاً. لا تتحرّك ولا
تحاول أن تقاوم، إذا توقّفتَ بشجاعة وثقة في النفس كالتمثال، فستتوقّف تلك
الكائنات أيضاً، ثم تنصرف عنك. و إذا أردتَ أن
يقترب منك سرب من الحمام أو العصافير أو الفراشات أو غيرها من الكائنات المسالمة
الجميلة، فعليك أن تتوقّف ولا تحرّك يداً أو رجلاً. إذا
استطعت أن تبدو ساكنا كالتمثال، فقد تلامسك هذه الكائنات وتحط على رأسك وكتفيك. ذلك
لأنّ السكون يُبعد عنا الشرّ ويقرّب منا الخير. فكما
يبعد عنا الكائنات الضارّة، كذلك يبعد عن أعصابنا الغضب والتوتّر. وكما
يقرّب منا الكائنات الخيّرة المسالمة، كذلك يقرّب إلينا الأفكار الصائبة البنّاءة
والدقيقة. إنّ سرعة الغضب لا تختلف عن الركض في الغابة. إذا
تسرّعتَ في الغضب، فيمكن أن تتورّط في مشكلة قد تكون خطيرة. وإذا
ركضتَ في الغابة، فقد يلاحقك أيّ وحش ضارّ حتى وإن كان جباناً لا يستطيع افتراسك. إذن،
لاحظ أن الخطوات (السريعة) تُماثِل نبضات
القلب (السريعة) أثناء الغضب. وأنّ
ما يجري على الأوّلى إنما يجري على الثانية تماماً. إذا
واجهت لغزاً أو مشكلة فلسفية أو رياضية أو غيرها، فإن أفضل طريقة لحلّها، هي أن "تهدأ" وتركّز. وبعد ذلك يمكن
أن تجد حلا، لماذا؟. لأنّ تركيزك يقلّل حركة الذات شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ بك
منطقة "المطلق"-بالمعنى الفلسفي-أو "الروح"-بالمعنى الصوفي- أو "اللاشعور" بالمعنى السيكولوجي، وهو قريب من الأبدية، وقليل التأثُّر
بالزمان، فكما أنه لا فرق فيه بين طفولة الإنسان وبلوغه، (حيث
أنّ كل واحد منا يحتفظ في لاشعوره بنسخة من طفولته) كذلك
لا فرق حوله بين الماضي والحاضر والمستقبل. هذه
المنطقة (المطلق/الروح/اللاشعور) تختزن
جميع المعارف الموجودة في الكون وعبر تاريخه. فكلما
اقتربتَ-بواسطة الهدوء والتركيز-إلى
هذه المنطقة، استطعتَ أن تقترب من الحلّ والصواب والفهم الصحيح لما يدور حولك. وفي
نفس الوقت، يبتعد عنك التوتّر.
و إذا أردتَ أن يقترب منك سرب من
الحمام أو العصافير أو الفراشات أو غيرها من الكائنات المسالمة الجميلة، فعليك أن
تتوقّف ولا تحرّك يداً أو رجلاً. إذا استطعت أن
تبدو ساكنا كالتمثال، فقد تلامسك هذه الكائنات وتحط على رأسك وكتفيك. ذلك
لأنّ السكون يُبعد عنا الشرّ ويقرّب منا الخير. فكما
يبعد عنا الكائنات الضارّة، كذلك يبعد عن أعصابنا الغضب والتوتّر. وكما
يقرّب منا الكائنات الخيّرة المسالمة، كذلك يقرّب إلينا الأفكار الصائبة البنّاءة
والدقيقة.
إنّ سرعة الغضب لا تختلف عن الركض في
الغابة. إذا تسرّعتَ في الغضب، فيمكن أن تتورّط في مشكلة قد تكون خطيرة. وإذا
ركضتَ في الغابة، فقد يلاحقك أيّ وحش ضارّ حتى وإن كان جباناً لا يستطيع افتراسك. إذن،
لاحظ أن الخطوات (السريعة) تُماثِل نبضات
القلب (السريعة) أثناء الغضب. وأنّ
ما يجري على الأوّلى إنما يجري على الثانية تماماً.
إذا واجهت لغزاً أو مشكلة فلسفية أو
رياضية أو غيرها، فإن أفضل طريقة لحلّها، هي أن "تهدأ" وتركّز. وبعد ذلك يمكن
أن تجد حلا، لماذا؟. لأنّ تركيزك يقلّل حركة الذات شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ بك
منطقة "المطلق"-بالمعنى الفلسفي-أو "الروح"-بالمعنى الصوفي- أو "اللاشعور" بالمعنى السيكولوجي، وهو قريب من الأبدية، وقليل التأثُّر
بالزمان، فكما أنه لا فرق فيه بين طفولة الإنسان وبلوغه، (حيث
أنّ كل واحد منا يحتفظ في لاشعوره بنسخة من طفولته) كذلك
لا فرق حوله بين الماضي والحاضر والمستقبل.
هذه المنطقة (المطلق/الروح/اللاشعور) تختزن
جميع المعارف الموجودة في الكون وعبر تاريخه. فكلما
اقتربتَ-بواسطة الهدوء والتركيز-إلى هذه
المنطقة، استطعتَ أن تقترب من الحلّ والصواب والفهم الصحيح لما يدور حولك. وفي
نفس الوقت، يبتعد عنك التوتّر.
(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق