إذا كان الإبداع هو أول نشاط بشري
يقارع التقدم بطبعه، وعلى المستوى الفردي، فإن ارتباطه شبه الإجباري بالسلطة، في
عالم العرب حاليا، يجعله ملحقا تابعا، وبالتي فإن حركته تكون بطيئة، هذا إذا سلمنا
بأنه يتحرك أصلا. إن معنى الإبداع (الأدبي) هو أن تثور ضد سلطة اللغة كما يشير
رولان بارط. ولكن في عالم العرب نجد أن الأدب لا يواجه سلطة اللغة فحسب، بل مازال
يواجه السلطة السياسية بشكل مباشر كما كانت أروبا في العصور الوسطى وما قبلها. المشكلة
أن الأدب السياسي نقيض التقدم بطبعه، لأن الوظيفة الأساسية للسلطة السياسية هي أن
تحافظ على الواقع ولا شأن لها بإنتاجه. السلطة عقيمة لا يمكن أن تبدع، إنما هي
تحافظ على ما يسمى "الميثاق الاجتماعي" الذي لا يتغير إلا نادرا وبشكل
بطيء جدا. وهكذا، بدل أن يكون الإبداع في الواجهة، نجد رموزنا السياسية هي التي
تتصدر وتفتتح وتشرف على كل نشاط إبداعي تقريبا، وهذا يدل على أن الإبداع يجب أن
يكون تابعا لا متبوعا، يجب أن يكون موجها (بفتح الجيم) لا موجها (بكسرها). وقس على
ذلك في كل المجالات، سواء في العلوم الإنسانية أو التقنية، لأن المنطق نفسه يجب أن
يكون على مقاس الحاكم، حتى قراءة التاريخ يجب أن تكون مقاربة سلطوية، ولهذا تسهر
وزارات التربية على غسل الأدمغة وإبعاد الحقائق عن أذهان التلميذ من أجل ضمان
انتظامه مع القطيع الذي يرعاه الحاكم. لأن السلطة لا تريدك عالما، بل تريدك صالحا
أولا وقبل كل شيء، ولا تريدك صالحا بأي معيار آخر، بل وفق معيارها الخاص. فإذن
يمكن أن تكون فاشلا في نظر الأكاديمية لو قدمت إجابات صحيحة لكنها غير صالحة!.
وهنا يتم قتل العلم وحرية البحث الموضوعي. ألا ترى أن ما فعله جيشنا الإسلامي
بإسبانيا يسمى "فتحا" وأن ما تفعل إسرائيل في فلسطين يسمى
"احتلالا"؟ هذا مجرد مثال بسيط يا عزيزي المضحوك عليه. إن المؤسسة
التعليمية العربية تعاملك على أنك دائما مراهق، وأنها وصية عليك، لهذا فهي تخاف من
مصارحتك، فلو كانت تعتبرك ناضجا لقالت لك ببساطة "إن الاحتلال هو الاحتلال في
كل مكان وزمان، سواء قمنا به نحن أو غيرنا"، والمضحك أن هذه المؤسسات تقاتل
بعض المصطلحات المبنية على منطقها هي! مثلا: الإرهاب، من منا يقبل اعتبار الإسلام
دين إرهاب؟ لا أحد، ولكن هل نحن محقون بمعيار علمي أم ديني فحسب؟ ذاك هو السؤال
المحرج. إنك ببساطة منهي عن الموضوعية في العالم الناطق بالعربية وكفى. ابحث في
المكتبات حتى تشبع وستجد أن الأغلبية العظمى من الباحثين العرب غير موضوعيين، بل
ذاتيين عاطفيين، يعتقدون بأنهم في حالة تقتضي الجهاد بكل الخسيس والنفيس! وهكذا
يقتلون العلم من أجل العاطفة. يقتلون الصواب من أجل الصلاح. حين استوعبت هذه
المسألة بحيث لم يبق عندي أدنى شك في أن العرب أكثر العالمين كذبا وتدليسا
وتزييفا، وأنهم كثيرا ما يفعلون ذلك من أجل المحافظة على الدين (!) انتابني خوف
شديد من التراث العربي بصراحة..إنني أخشى أن تكون حتى يعض أهم المقدسات مجرد
أكاذيب وتخاريف. ولكم أن تتصوروا الأمة التي تبيح لنفسا التزييف باسم الحقيقة
المطلقة أو الدين، وبدعم غير محدود من الدولة، ولأكثر من ألف سنة (!!) لكم أن
تتصوروا إلى أي حد يمكن أن تنجح في غسل العقول وتزييفها وبرمجة المواطن (بل
الرعية/القطيع) على أن يكون عبدا لها ما دام حيا. مخطئ من يعتقد بأن المؤسسات
الأكاديمية تطرد الكسلاء فقط، فالحق أنها تطرد حتى من يفوقها فهما! يعني تقول لك:
نريذ الإجابة على أسئلتنا دون زيادة أو نقصان، فلا عجب أن تجدوا أغلبية مخترعي
العالم وعباقرته مطرودين من المدارس، لماذا؟ لأن مؤسسة التربية تريد منك معلومة
مشروطة ومحددة، وهي المعلومة التي يفهمها الحاكم وبالطريقة التي يفهم بها دون
زيادة أو نقصان. إذن، مخطئ من يتوهم بأن مدارسنا أو جامعاتنا تعترف رسميا
بالابداع، فهي لا تعترف إلا بالحفظ والفهم التقليدي للمعلومة، وفي الحفظ يتجلى
طابعها السلطوي.
(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق