يُصدَم القارئ عادةً حين يلقي بنفسه في
غياهب الفلسفة الأنطولوجية كفلسفة نيتشه وأستاذه شوبنهاور، بقدر ما تطربه الفلسفة
الأخلاقية كفلسفة كانط وديكارت، وهذا يعود إلى ضعف-أوعدم- التمييز
أساسا بين مهمّة الأنطولوجي، ومهمّة الأخلاقي. إذا
كان من اختصاص الأخلاقي أن يمعن التنظير في مميزات الخير عن الشر، والجمال عن
القبح، والفضيلة عن والرذيلة، فمن اختصاص الأنطولوجي أن يكون الأب الحنون لكلّ من الخير والشر والجمال والقبح. بينما يفكّر
الأخلاقي كيف يقنعنا بمزايا المدينة الفاضلة، ينبّهنا الأنطولوجي إلى أنّه علينا
أن نعترف لأنفسنا بأنّ تلك المدينة يمكن أن تُبنى على كثبان من الجماجم كما هي
حالة واشنطن المبنية على مدينة هندية تمّ طمرها بالكامل. وبينما يحاول
الفيسلوف الأخلاقي أن يقنعنا بأن تلك المرأة جميلة، ويتعمّق في شرح المعيار الذي احتكم
إليه في ذلك، ينبّهنا الأنطولوجي إلى أنّ ذلك الجمال ما كنا لندركه ونشعر به
ونتذوّقه لولا وجود القبح.
كلّما رأيتَ شيئاً، فإنّ درجات جماله في نفسك مشروطة بدرجات
القبح الكامن في خلفيتك الفطرية والثقافية. وكلّما شاهدت
قبحاً شديداً، كنتَ الأقدر على الشعور بالجمال وتذوّقه. وقس على ذلك في
المقولات الأعمّ كالخير والشر، فإن الفيلسوف الأنطولوجي هو الأب الحنون للخير
والشر معاً، لأنه يدرك بأنه يحقّ لك أن تحمي نفسك من الشر، ولكن لا يحق لك أن
تعتقد بأن الخير بإمكانه الاستغناء عن الشر، ولهذا لا تتوقّع من نيتشه مثلاً أن
يقتل الحية، ولكن قد يطردها فقط من مكان إلى آخر، من أجل أن تقوم بواجبها في قتل
أحد التعساء ممن لا ترغب الطبيعة في استمرارهم. وهذا لا يعني
أنه يحبّ الشرّ، بل إنه فيلسوف عظيم يدرك جيداً بأن الطبيعة بحاجة إلى موقفه هذا،
بحاجة إلى من يبيّن لنا بأننا لا يمكن أن نعيش لحظة إذا انتهى الشر والقبح
والرذيلة. لذلك، يمكن اعتبار كانط أو ديكارت مجرد مشعوذ بالمقارنة مع
شوبنهاور أو نيتشه.. الفيلسوف الأنطولوجي ينبغي أن يبدو شرّيراً بسبب البيئة
الفلسفية الوحشية التي يعمل فيها.
لهذا يرى نيتشه أن الثقافة الإغريقية بدأت تتدهور منذ حلّت آلهة
الأولب محلّ الآلهة التيتانيك (الآلهة العمالقة)، وتفضيل الإغريق لأبولو على ديونيزوس، مما يعني انجرارهم وراء
المظهر على حساب الجوهر.. ففي عصور الآلهة التيتانية، كانت الهمجية شرطاً معترفاً به
للمدنية، أما بعد الانتصار لآلهة الأولمب اللطيفة المسالمة، فمن هنا يرى نيتشه أن
الثقافة الإغريقية باتت تشكل خطرا على أروبا، ولا ينبغي أخذها كما هي، لأنّه يجب
على كل شعب أن يعيش عصر الأصول (الهمجية ثم المدنية وبعض الجرعات من الهمجية) وإلا فستكون
ثقافته مزيّفة شائخة خرفة قبل الآوان. بعبارة أخرى: نيتشه لا يريد منك أن تجبر طفلك على قراءة كتابه العميق جدا،
ولكنه يريد منك أن تعطيه لعبة وتتركه يلعب، ثم اتركه يعيش طفولته ومراهقته بشكل
طبيعي حتى لا يصبح مجرد نسخة مكررة لك، لأنّ هذا يؤدي إلى تعفّن الطبيعة، فهذه
الأخيرة تريد أن تتقدم باستمرار، ولكن بسبب التقاليد المبنية أساساً على ثقافة
ارتكاسية يمكن القول بأن البشرية في حالة تعفّن هائل، ولقد خيّبت أمل الطبيعة،
وتطلعاتها، وقد ضيّعنا آلاف السنين من الوقت هباءً.
هذا ما فعله الرومان حين أخذوا فلسفة الأغريق كما هي، علما
بأنهم لم يأخذوا الثقافة الهيلينية القديمة الخصبة، وإنما أخذوا فقط مرحلة
الشيخوخة التي ترك فيها سقراط رائحة تزكم أنف نيتشه.
(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)
سعيد بودبوز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق