الأحد، 5 أبريل 2026

ديونيزوس والوعي الأنطولوجي

 

إذا عرف التاريخ أنبياءً لم يدركوا بأنهم جاؤوا من أعماق الشرّ وإليه عائدون، خلافاً لما توهّموه، أو حاولوا أن يوهموا به غيرهم، فما يميّز نيتشه عنهم وعن الفلاسفة التقليديين أنه أدرك بأنه ليس سوى تجلي لروح ديونيزوس..ذلك الإله الغامض الذي تسبقه بسمته إلى الظهور من أعماق الظلمات. لهذا لم تستطع الإيديولوجيات أن تؤثر على نيتشه، والمؤكد أنه لم يكن من المصلحين وقد صرح بذلك في مستهل كتابه "هذا هو الانسان"، كما لمح إلى نفس الأمر في كتابه "مولد التراجيديا" حيث عبّر عن تضايقه من ميول الإغريق إلى عبادة أبولو على حساب ديونيزوس الذي بدأ نجمه في الأفول منذ ظهور سقراط الملعون بالنسبة إلى نيتشه، حيث لاحظ أن الإغريق بدؤوا يميلون إلى "المنطق" على حساب "الغريزة" بالموازاة مع ميلهم إلى أبولو

لقد فسد سقراط كل شيء في نظر نيتشه منذ تعمق في الخلط بين الخطأ والرذيلة، وبين الصواب والحقّ. واعتبر نيتشه ذلك بداية للتعفن الحضاري لدى الإغريق وعبر عن أسفه قائلا بأن الإغريق عرفوا متى يبدؤن التفلسف لكنهم لم يعرفوا كيف يتوقفون في الوقت المناسب. وهذه المسألة تشكل ركنا صلبا في فلسفة نيتشه، فهي تنسحب مثلا حتى على حبه لمن يلقون بأيديهم إلى التهلكة، حيث يعلل حبه لهم بأنهم إنما ينتحرون من أجل أن يريحوا الطبيعة منهم ماداموا عبارة عن طحالب أو جراثيم أو فائضين عن اللزوم. فأن تكون ديونيزي ببساطة يعني أن تحبّ منتصف الليل لأنه هو الوحيد الذي يمنح معنى لمنتصف النهار. وأن تحب القبيح لأنه الوحيد الذي يعلمك كيف تستمتع بالجميل. وأن تحب الشرير لأنه الوحيد الذي يمنحك القدرة على التنعّم بالخير
وهذا ما لاتطيقه الفلسفة الأيديولوجية والبراغماتية والأديان. فلك أن تحب الأديان كما تشأ لكن لا تنسى بأنها تعاني فقرا مدقعا في الوعي الأنطولوجي، ولذلك لا تستطيع أن تقدم الإجابة على أيّ سؤال حرّ. فعندما يبشرنا رجل الدين بالجنة مثلا، فهو يبشرنا بوجود الشر فيها دون أن يشعر، وإذا تذاكى وتمادى وحاول أن يطهّرها من الشر، يتحوّل إلى مهرّج غير موفّق، وإلا فكيف تستمتع بطعام الجنة دون أن تكون جائعا؟.. لقد تعذبت أنا شخصيا لأنني كثيرا ما كنت مع أناس يأكلون وتوجب عليّ أن آكل معهم دون أن أشعر بالجوع، حتى لا أتعرّض لتأويلات أنا في غنى عنها..تعذّبت فعلا ولي أصدقاء يعرفون ذلك..فتصوّر كيف يتعذب من يأكل في الجنة بلا توقّف، ويمارس الجنس بلا توقّف، ويشرب أنهارا من الخمر واللبن والقهوة والشاي و....بلا توقّف...إنه في الواقع زميل روحي لأهل النار. هل تعلم عزيزي القارئ بأن الموت جوعا لا يختلف البتة عن الموت أكلا بالقوة؟..هل تتصور مدى العذاب الذي ينتظر شخصا محكوما عليه بأن يأكل حتى الموت؟!..قد تعلم أنت لكن هيهات أن يعلم رجال الدين
وإذا قال قائل معاند (وما أكثر دونكيشوهات الأديان) بأن أهل الجنة لا يتعذبون بسبب كثرة الأكل والجنس وغير ذلك من الأعمال البهائمية لأن لهم شهية لا تنتهي، أقول إن تلك الشهية نفسها ليست من الناحية الأنطولوجية إلا تعبيرا عن الحاجة/العوز/الجوع/الفقر. فبسبب انعدام الوعي الأنطولوجي لدى رجال الدين فلا عجب أن ينشروا تعابير من قبيل "أثلجت صدري" أو "اللهم طهرنا بالثلج" أو غير ذلك من العبارات التي تلقي بهم في النار من حيث لا يشعرون، ذلك لأن عذاب النار لا يختلف عن عذاب الثلج. فبربك لو أثلجنا صدرك هل تعرف ماذا يحدث لرئتيك؟ سيتحول الهواء فيهما إلى ماء وتموت.
عندما تعي تماما هذه الأشياء، سيتبيّن لك بأن النزعة الديونيزية لدى نيتشه هي الأقرب إلى فهم طبيعة الوجود، فكما قلت سابقا أن فريدريك نيتشه لم يكن فيلسوفا أخلاقيا، وإنما كان فيلسوفا أنطولوجيا، ومن الخطأ الفادح أن يحاكمه الأخلاقيون كما لو كان أخلاقيا مثل كانط. نيتشه وشوبنهاور من طينة مختلفة تماما. إنهما يحاولان أن يتحدثا بلغة الطبيعة كما هي...الطبيعة التي لا ترحم ولا تعطف، لهذا يصدم القارئ عندما يقرأ نصا لنيتشه أو شوبنهاور..يصدم كما يطرب عندما يقرأ لرجل الدين كتابا عن حوريات الجنان اللواتي لم يطأهن قبله (لا أدري قبل من) رجل ولا شيطان، وهن يتضاحكن على ضفاف أنهار البيرة والويسكي ويتراشقن بقوارير ذهبية فارغة.
وأخيرا: لاحظ أن خمر الجنة لا يسكر حسب رجال الدين، وهذا كفيل بإفراغه من معناه، أي لا فرق بين نهر الخمر في الجنة ونهر الفرات أو نهر أبي رقراق.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق