الأحد، 5 أبريل 2026

عن الشكلانية العربية

عندما تتعرّض أمّة لحشد هائل من الكوارث والمأآسي، فإنّها تتبخّر و"تتصاعد". ثم تنضب وتتحوّل إلى "غلاف". والغلاف "شكل". من هنا نفهم الشكلانية العربية، فبكل بساطة، العروبة لم تعد مضموناً ولا جوهراً، وإنما صارت شكلاً ومظهراً، وإذا قلنا بأنها "اسم" بلا مسمّى، فلا نعني أنّها تطلق على أغلبية غير عربية فحسب، وإنما نعني كذلك أنها تتعلّق بالاسم ولا تهتم بالمسمّى. تتعلّق بالصورة ولا يهمّها الموضوع، تتعلّق بالمادة ولا تهمّها الكينونة. 

إنّ "التصاعد" الناجم عن الاحتراق الحضاري والتبخّر الثقافي قد يظهر في التعلّق المفرط بالدين، أو ما يُعتقد أنه دين، وهذا إنما يرمز إلى الفرار من الأرض المحروقة ومحاولة اللجوء الديني إلى السماء. فالتعلّق المفرط بالشكل، قد يدلّ أيضاً على موت المضمون، ولهذا نجد العرب (والمسلمين طبعا) أكثر الشعوب تعلّقاً بالموت، سواء من حيث تعظيم الموتى أو من حيث استعدادهم للموت في سبيل قضية (الشكل). فأيّة قضية يمكن كسبها إذا خسر الإنسان حياته؟. 

إن استعداده لخسارة حياته مقابل قضية لا تعنيه أو ما يسمى بالوطن أو الدين أو غيره، إنما هو مستمدّ من التعلّق المرضي بالشكل، وهذا الأخير كما أشرنا يحدث نتيجة تجريد الأمة من مضمونها عن طريق إحراقها الحضاري وتبخيرها الثقافي. أما على المستوى السيكولوجي، فإن "التصاعد" المذكور يأخذ شكل "جنون العظمة"، وطبعا ليس في هذا العالم شعب مصاب بجنون العظمة أكثر من العرب. إن المصاب بهذا المرض، لا يمكن إقناعه بشيء على الإطلاق، إلا ما توارثه أجداده قبل مرحلة "الحرق والتبخير". لأن ساعته قد قامت منذ تلك الحقبة، وبالتالي فهو ليس مجرّد منحطّ حضارياً، بل أيضاً محنّط سيكولوجياً.

أما تلك العقدة التي أسميها "مرض المؤامرة"، فمن الناحية التاريخية هي مرتبطة بجنون العظمة، حيث يتصوّر الإنسان المنحط والمحنطّ بأنه يملك ثروات هائلة من العلم والفكر والدين والأخلاق والأمجاد، وبالتالي فإن العالم كلّه يتحيّن أية فرصة للإنقضاض عليه وتجريده من تلك الثروات. 

ومن الناحية السيكولوجية، فإنّ هذا الإنسان، يدرك بعقله الباطن أنّ تلك الثروات في الواقع هي السرطان الذي فتك بالذات وخرّب الأمة من الداخل، وبالتالي؛ فعندما يتهمك بالتآمر عليه، فإن لسان حاله يتهمك بتركه وحده يواجه تلك الأمراض المستعصية عن العلاج، ولهذا أيضاً تجده يؤيد الحكم بالإعدام على المرتدّ مثلا عن الإسلام، ففي العمق السيكولوجي لا يمكن بتاتاً أن يقبل الإنسان بإعدام آخر لمجرّد أنه ترك خيراً أو (رحمة للعالمين) واختار لنفسه الفقر الروحي.. لفهم هذه المسألة جيدا؛ تصوّر أن تكتشف كنزاً مع مجموعة من أصدقائك، ثم تقول لهم "هنيئا لكم بهذا الكنز، فسأترككم وحدكم تنعمون به"..هل ثمة عاقل يصدّق بأن أولائك الأصدقاء سيعدمونك؟ بالعكس؛ قد يغمررونك بالشكر والإعجاب. ولكن تصوّر لو دخلت مع أصدقائك منزلا مهجوراً وأحاطت بكم الأفاعي، ثم وجدت أنت فرصة للهرب، وتركتهم وحدهم يواجهون مصيرهم...فمن هنا تستطيع أن تحلّل نفسية "الردة" في الإسلام، وما يترتب عليها من أمراض المؤامرة.

وأيضا عندما تصبح "المؤامرة" وهمية، فهذا يعني أن المريض بها يتمسك بـ "الاسم" ولا يهتم بالمسمى، وهنا تجتمع الخيوط الرابطة بين تعفّن الذات (التدمير من الداخل) وتعفين المحيط والتسبب في الكوارث والمآسي، وبالتالي الاحتراق الحضاري والتبخّر الثقافي، والتحوّل إلى "غلاف". وأخيرا؛ لكي تفهم جيدا معنى الغلاف هنا؛ انظر إلى أي شخص هام عبر المواقع الاجتماعية، أو أية منظمة أو أي شيء ستجد أغلب المحيطين به عرب، فهم يتحدثون عن جميع الأمم بقليل من الخير وكثير من الشر، ولا تكاد تجد احدا يتحدث عنهم.

قلتُ بأن العروبة صارت شكلاً (غلافاً...الخ)، لأنّ الشروط الفيزيائية التي تحاكيها القوانين الأنثروبولوجية قد توفّرت فيها، أي أنّ هذه الأمة تعرّضت للاحتراق الحضاري ونجم عنه التبخّر الثقافي، وأضيف الآن مثالاً حياً على ذلك، وهو أنّ عدد العرب المحتفلين بعيد ميلاد يسوع ربما يفوق عدد المسيحيين الغربيين أنفسهم. وفي نفس الوقت، لن تجد أمة تعادي المسيحيين أكثر من الأمة العربية الإسلامية. استعمل مخيّلتك البصرية وقارن بين هذه الظاهرة و"الغلاف" لأيّ شيء. 

فالمسيحية تتحوّل هنا إلى "موضوع" والعروبة (الإسلام) تظلّ "شكلا". 

حتى فوز ترامب، لن تجد أمة ناقشته واهتمت به أكثر من العرب، بما في ذلك الأمريكيون أنفسهم، وأذكر أنني قرأت دراسة منذ سنوات تقول بأن أكثر من 50 بالمئة من الشعب الأمريكي لا يعرفون من هو رئيس الكونغريس!. ولكنك ربما تجد أكثر من 50 بالمائة من العرب يعرفون من هو. وكذلك في المجتمعات الغربية لن تسمع كلمة "حرية" و"ديمقراطية" و"حقوق الانسان" بالكثافة التي تسمعها في العالم العربي الإسلامي، واعلم أن الدستور الأمريكي ليس فيه إشارة واحدة إلى الديمقراطية، في حين-كما صرّح أحد المعارضين المغاربة من أمريكا- تجد الدستور المغربي ضاجّاً بهذا المصطلح، لماذا؟ لأن حمولات هذه المصطلحات في الغرب صارت موضوعاً للممارسة، بينما ظلت في عالم العرب والمسلمين مجرد شكل.

الدستور المغربي مليء بالديمقراطيات، ولكن الشارع المغربي مليئ بالعبودية والقمع والتجويع والتجهيل والنصب والسلب والنهب السري والعلني من طرف المسؤلين. 

الشكل دائماً يرتبط بالتخلف، بينما يتعلق المضمون بالتقدم. ففي الشعر أو الرواية أو القصة تجد المضمون يجدد نفسه من نص إلى آخر، أما الشكل فلا يتغير إلا بعد قرن أو قرنين أو أكثر، ولكي تفهم ذلك جيدا قارن المدة الفاصلة بين "الملحمة" و"الرواية" شكلاً، ثم قارن المدة الفاصلة بين أي رواية وأخرى على مستوى المضمون. وستجد أنه لا مجال للمقارنة، فالشكل يظل غلافاً للمحتوى الذي تتعاقب فيه المضامين وتتطوّر، لأنّ توليده أساساً عسير، وهو ما أسميه في المجال الأنثروبولوجي بـ "الاحتراق الحضاري والتبخّر الثقافي". هذه العملية لا تتحرك إلا بحروب طاحنة، وعندما تجري أنهار من الدماء، سوف تتصاعد طبقة من هذه الدماء، وتيبس ثم تتحجّر، وبذلك تحدث عملية "الاندمال"، وتبقى الدماء الحية تجري بهدوء وسلاسة تحت تلك الطبقة، أي في الشرايين. إن الطبقة السفلى هنا تمثّل المضمون (الموضوع) أما الطبقة العليا المتحجرة فهي تمثل الشكل، ولذلك ربطتُ سابقا بين هذا "التصاعد" أثناء التبخر، والتعلّق المفرط بالسماء (الدين).

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق