الخميس، 9 أبريل 2026

علمية الدليل على نبوة محمد (ص)


لو تركنا رسولنا الكريم (ص)، وإسلامنا الحنيف، يبرهن على صحة رسالته الإلهية بهدوء، وبدون قطع الرقاب، وتشريد الملايين من الناس طوال التاريخ، وسبي ملايين النساء، والاستبداد بالحكم، وإطلاق العنان للأقلام المأجورة كي تصنع عشرات الآلاف من الأحاديث الكاذبة، وتركنا الدين يحمينا بدل أن نحميه، وتركنا الرب يبرهن على رسالته، خاصة وأنه لا يعقل أن يكون (سبحانه) بحاجة إلى كل ما بذلناه من جهود جبارة من أجل إثبات صحة رسالته، وهو الله الذي لا يعقل أن يكون بحاجة إلى تنقيبنا، إلا أن يتصور أكثرنا علما بأنه إله آثاري بحاجة لكل من يستطيع أن يحمل فأساً ليباشر الحفر والتنقيب عليه.. لو تواضعنا، وبسطنا الأمور تبسيطاً، ما صرنا نشاهد اليوم، وأمس وغدا، الناس يخرجون من الإسلام فرادى وجماعات لعدة أسباب، أهمها التطبيق الحرفي والإرهابي للنص القرآني من طرف الجماعات التي تمثل اللاوعي الإسلامي، وعلى رأسها القاعدة ومشتقاتها والمتعاطفين معها، إما بالسيف، أو بالقلم، أو بالقلب، وذلك أضعف التدمير. لو فعلنا ذلك ما كانت هناك حاجة (بل ضرورة) التنقيب عن حقيقة ديننا الحنيف، وتطبيق المنهج العلمي الموضوعي على هذا الدين، خاصة ومن الواضح أنه ليس دينا بين الله وعبده فحسب، كغيره من الأديان المسالمة (البوذية مثلا)، وإنما هو دين يقوم في عمقه على تأليه نواب الله في أرضه، والتسليم لهم في كل صغيرة وكبيرة، كل ذلك على حساب العقل والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان عامة، والمرأة خاصة، والأقليات العرقية والدينية والثقافية الخ.

والآن، مادام أمر الدين يتعلق بمصير الإنسان (النعيم أو الجحيم)، أفلا يستحق منا كل الإخلاص للبحث العلمي عن  حقيقته؟.

قد يظن البعض بأن ذلك ليس ضروريا مادام الدين على كل حال لا يتنافى مع الأخلاق الرفيعة. أقول: هذه مغالطة عملاقة، لأن الدين الذي نتحدث عنه ليس مجانيا، خاصة ديننا الإسلامي، فلنكن صريحين، لقد كلف البشرية ثمنا باهضا. هذا الدين أزهق عشرات الملايين من الأرواح، بغض النظر عما إذا كان معظمها كافرا أو مؤمنا. المهم، وما لا يستطيع إنكاره إلا جاهل أو مكابر، هو أن انتشار الإسلام كلف البشرية بحراً من الدماء، وملايين الشهداء، أفلا يكفي هذا الباحثَ عن الحق أن يتحلى بكل ما أمكن من الجدية ويواجه الحقيقة، مهما كلفه ذلك من ثمن؟

لنقرر في البداية، حتى لا يزايد أحد على كلامنا، بأن الرسول الحق الذي بعثه الإله الحق بدين حق هو كما نقول بلهجتنا اليومية (على رأسي وعيني)، لأن التطاول عليه، هو تطاول على الذات بكل بساطة.

فإذن، لابد من التفريق بين الحق والباطل في هذا المجال. ومن أجل أن يكون حديثنا علميا، دعونا نفترض بأننا في زمن بعثة نبينا الكريم (ص)، ولنفرض أننا من عرب الجاهلية نحتاج إلى دليل قاطع على نبوة محمد (ص) لكي نؤمن به وننضم إلى دعوته. لنضح قليلا من أجل الوصول إلى الحقيقة، لنفرض أننا لا تهمنا المناصب، ولا المصالح السياسية، ولا الاقتصادية، ولا يهمنا سوى الوصول إلى الله سبحانه وتعالى. لنتجرد من جميع الاعتبارات المادية. في هذه الحالة، كيف ننضم إلى دعوة محمد (ص)؟.

سننضم إليه في حالة واحدة، وهي إذا برهن على نبوته بشكل قاطع واضح وضوح الشمس، لا أقل ولا أكثر. فكيف برهن رسولنا (ص) على نبوته؟.

للجواب على هذا السؤال، نجد أنفسنا أمام خيارين؛ إما المقاربة الدينية، التي تنطلق عادة من النتائج لكي تبرر  المقدمات، وهذا أمر لا يخفى عن أحد. وإما مقاربة تاريخية علمية، تنطلق من المقدمات إلى النتائج بشكل غير مشروط، أي لا يهم كيف ستكون النتيجة، بل المهم هو مدى علمية انطلاقي من المقدمة، ومدى علمية وصولي إلى تلك النتيجة. أعني: لو افترضنا بأن أمامنا مواد كيميائية، وأمامنا وصفة نظرية لجمعها مع بعض، فبدل أن نملأ الدنيا صراخاً، ونقول بأن الناتج عن هذا التفاعل هو ثاني أوكسيد الكربون، فلنقم بالتجربة عمليا، وبعدها سنرى إن كان الناتج هو ثاني أكسيد الكربون، أم ثاني أوكسيد الكبريت، أم ثالث أوكسيد البطيخ... وبعدها، فلنقبل الواقع كما هو.

أما المقاربة الدينية، فسنتركها الآن، لأن بطون الكتب التي تم انتقاؤها بعناية فائقة، وتم تقريرها في مناهجنا الدراسية، مليئة بمعطيات هذه المقاربة، أضف إليها خطاب المساجد في أيام الجمعة وغيرها.

أما المقاربة التاريخية العلمية، فأولا أود أن أوضح ما المقصود بالعلم، لأن بعض الناس ربما يعتقدون بأن "العلم" يكون في مجال العلوم التقنية والتجريبية فقط، وأنه لا ينطبق على العلوم الإنسانية إلا مجازا. وبدل أن أقول بأن هذا التعريف خاطئ أو صائب، سأقول بوضوح: إن المقصود بالمقاربة العلمية، هو عرض الأحداث كما هي، سرد الواقع كما هو، بدون الانسياق مع مؤثرات إيديولوجية، أو دينية، أو تضليل من أجل نشر الإلحاد، أو ما شابه.  هذا هو العلمفي مجال العلوم الإنسانية ببساطة.

نحن الآن أمام رواية تقول باختصار أن محمدا بن عبد الله (ص) قد نزل عليه الوحي من قبل الله بواسطة ملك عظيم اسمه جبرائيل. واله كما يعترف ديننا الحنيف، على كل شيء قدير. قلوبنا مفتوحة تعالى الذي نأسله سبحانه أن يتقبل تشوقنا إلى معرفته بلا شك. نحن طبعا نقبل رسالة محمد (ص)، لأنها ببساطة استطاعت أن تصل إلينا، إلى مكاننا وزماننا، وهنا أجد نفسي مضطرا لتأمل التعليل الذي اسخدمته لتو "لأن". فهل كان من الممكن ألا تصل إلينا رسالة محمد، رغم أنها من عند الله عز وجل؟.

صديقي القارئ، أرجو ألا تخف، وألا تسيء الظن، وليكن هدفك هو الوصول إلى الحقيقة، مهما كانت، لأن الله سبحانه لا يمكن أن يكون مع الباطل على كل حال..والباطل لا يمكن أن يوصلك الجنة، ولا إلى النار.

حين نقرأ السيرة النبوية نفسها، حتى من داخل المقاربة الدينية، ندرك بأنه كان من الممكن ألا تصل إلينا رسالة محمد، رغم أنها جاءت من عند الله، ولكن من أجل أن تصل إلينا، قام الرسول (ص) بعدة إجراءات أهمها ما يلي:

أولا: لقد صاهر بعض الصحابة، وعلى وجه الخصوص أبا بكر وعمر بن الخطاب، وكما يعرف الجميع، بأن أبا بكر تولى الخلافة بعد وفاته (ص) مباشرة، وتولى عمر الخلافة بعد وفاة أبي بكر.

والآن لنفرض أن هذه المصاهرة لم تحدث، ما رأيك؟.

ثانيا: لقد اضطر صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة من مكة إلى المدينة، لسبب يعرفه الجميع، وهو أن قومه لم يصدقوه، ورفضوا رسالته، بل كانوا يرون أنه (ص) بحاجة إلى تأديب، وإعادة التأهيل، وعلى رأسهم عمه أبو لهب الذي آذاه كثيرا، وعمه أبو طالب الذي حماه، لكنه لم يؤمن به على كل حال. فما رأيك؟.

ثالثا: إن أبسط تحليل للتركيبة القبلية التي يتألف منها المجتمع العربي الجاهلي يقودنا إلى تفسير القوة التي حصل عليها محمد (ص) في المدينة. لقد كان ذلك بفضل الأنصار، وما أسهل أن يجتمع حولك العرب إذا كنت مستعدا لتضرب بهم قبيلتك ! وهذا بالضبط ما نلاحظه بوضوح في معركة بدر. أنا أدرك بأنني أخاطب عقلية عربية متحجرة، ولذلك أضطر لأن أكرر في كل لحظة: "إنني لست هنا لأنفي النبوة، أو التشكيك  بها، أو الدفاع عنها، أو تشويهها، أو إثباتها، فمن يبحث عن شيء من ذلك، أرجو أن يبحث عن دراسات أخرى. كل ما يهمني الآن هو النفوذ إلى منطق الوقائع والأحدث". الآن أمامنا سؤال يطرح نفسه: هل كان من الممكن أن يصل إلينا الإسلام لو لم يهاجر النبي إلى المدينة المنورة؟. وهل كان سيستولي على مكة لو لم يستعن بالأنصار على قومه؟.ألم يكن في مصلحة الأنصار (كل الأنصار) أن يدافعوا عن الرسول (ص) لكي يضربوا به قومه، تكون لهم السيطرة والنفوذ؟. هل كان من الممكن أن يخرج الجيش الإسلامي من جزيرة العرب، لو لم يتم فتح مكة بدعم الأنصار؟.

رابعا: حين هاجر محمد (ص) إلى المدينة، كان يقتبل المسجد الأقصى في صلاته، وذلك إرضاء للأغلبية اليهودية في تلك المدينة، ولكن بعد أن اشتدت قوته، وتكاثر أتباعه، تحول إلى اقتبال الكعبة كما هو واضح في القرآن وغيره. السؤال المطروح هنا: أليس في هذا بعض من تنازل مصدر الوحي أمام واقع تاريخي؟...ألم تكن هناك من وسيلة أمام النبي (ص) لإرضاء اليهود غير اقتبال قبلتهم؟. ثم ألا يدل هذا على أن الدين يستجيب لإكراهات الواقع، ويتكيف مع مؤثراته؟. فبأي منطق يأتي كاهن أو مفتي ليقول في عصر من الأعصار، أو مصر من الأمصار، بأن أحكام الدين لا تتغير، ولا تستجيب لتغيرات الواقع؟.

خامسا: هناك صراع واضح في القرآن الكريم بين مدح اليهود وقدحهم؛ فتارة نقرأ عنهم باعتبارهم "قد فضلهم الله على العالمين"، وتارة نجد أن الله قد جعل منهم "القردة والخنازير"، و كذلك في الأحاديث المتواترة، فنحن نقرأ مثلا في قصة "الإسراء والمعراج" عن تبعية ضمنية لموسى من من طرف محمد (ص)، وإننا لنشم رائحة يهودية توراتية واضحة، خاصة في الدور الذي لعبه موسى في تغيير فرائض الله ! فنحن نقرأ بأن الله تبارك وتعالى كان قد فرض على نبينا محمد (ص) 50 صلاة في اليوم، ونقرأ بأن موسى يتدخل ويجعلها 5 صلوات فقط ! (أرجو من القارئ أن يقرأ قصة الإسراء والمعراج)، وهذه عادة اليهود، فهم دائما يجعلون أنبياءهم أكثر قوة وحكمة من الرب، وهنا يكفي أن أحيلكم على قصة (يعقوب مع الرب الواردة في "سفر التكوبن"، حيث تمكن يعقوب من مصارعة الرب ! ولذلك سمي بـ "إسرائيل" !) فليلاحظ القارئ العاقل كيف كان دور موسى بارزا في دين الإسلام، وخاصة في تشريع الصلاة. ومن الهم ما يضحك أن الله (تعالى عما يصفون) فرض على نبيه 50 صلاة، ثم تدخل موسى، من أجل التخيف، واحتج أو علل ذلك بالقول "إنني جربت بني إسرائيل قبلك"! فسبحان الله الذي جعل نبيه موسى يفوقه تجربة وخبرة بخلقه (أستغفر الله) ! وسبحان الله الذي تارة يؤكد بأن محمدا أشرف خلقه، وتارة يؤكد كم كان بحاجة إلى وساطة موسى ! من أجل التخفيف عن أمته؟ ! فكيف يمكن لباحث راشد، ملتزم بمنهجية البحث العلمي، ألا يستغرب كل هذا التضارب والتناقض؟. ثك كيف لا يربطه بكل ما ورد في القرآن من مدح اليهود وقدحهم من جهة، ومدح النصارى وقدحهم من جهة أخرى؟. وكيف لا يجد الباحث في القرآن علاقة كل ذلك بالتأرجح بين إعلان الحرب ضد المشركين وإعلان السلم معهم؟. (إنني أعفي نفسي الآن من إعطاء الأمثلة، فكل من يقرأ القرآن يستطيع أن يلاحظ ما أتحدث عنه، كما أنني في هذه الورقة لست بصدد التفصيل، بل أحاول أن أطرح نقاط البحث بشكل عام ومجمل).. فإلى أي مدى يمكن أن يكون هذا كله خاليا من السياسة؟.

سادسا: بإمكان القارئ أن يقرأ القرآن والتوراه، فليقارن كما يحلو له، وسيجد في النهاية بأن معظم الآيات القرآنية جاءت من التوراه. وطبعا لا نحتاج إلى كثير من الجهد حتى نتأكد بأن التوراه قد تم تأليفه قبل القرآن بعدة قرون كما يعرف العلماء، وحتى العوام. السؤال المطروح هو: لو حذفنا (على سبيل الافتراض) من القرآن جميع الآيات التي تم اقتباسها من التوراه فقد يتبقى منه صفحة أو صفحتين، أو لنجعلها 20 صفحة، ثم نقسمها بين الآيات الناسخة والمنسوخة.. لا شك أن الآيات الناسخة ستصبح قليلة جدا. ثم نقسم النتيجة على مدة زمنية لا تقل عن 20 سنة، أو (23 سنة) وهي المدة التي تنزل فيها القرآن، فإلى أي حد يكون كلامنا دقيقا حين نقول بأن القرآن الكريم معجزة؟.

بل أين هذه المعجزة بالضبط؟. الجواب: هنا لابد من الحذر، لأن النبي (ص) من المفروض أنه أمي، وأن علماء الدين يعتبرون أميته كافية كمعجزة تثبت نبوته، لأنه حتى وإن سلمنا بأن القرآن كله تم اقتباسه من التوراه، فكيف نسلم بأن النبي محمد اطلع على التوراه وهو أمي؟. إنني أدرك كم تبدو هذه المسألة حساسة وهامة، وعليه أقول: إن الاستدلال بأمية محمد (ص) على إلهية القرآن لا يكفي، فلا بد لنا من التأكد واليقين القاطع بأنه لم يلتق بأحد من اليهود العارفين بالتوراه. والآن لنتساءل: هل فعلا يملك علماء الدين ما يثبت باليقين والحجة القاطعة بأن النبي (ص) لم يكن على علاقة بأحد من أهل التوراه؟. هل هذا محسوم بالفعل، أم يتم تجاوزه بشيء من التغاضي أو السرعة أو التسرع؟. إن الاستدلال بالأمية على النبوة مباشرة لا يستقيم، بدليل أن الأغلبية الساحقة من العرب، سواء في الجاهلية أو في الإسلام، أو حتى في يومنا هذا، أميون، لكنهم يحفظون العديد من الأشعار والقصص والأساطير وعجائب الدهور، بل إنه لا مانع من وجود حكماء وشعراء أميين. فإذن، لابد من اليقين القاطع بأن النبي (ص) لم يأخذ تعاليم التوراه من اليهود. وللأسف أن هذا أمر صعب للغاية، لأن اليهود كانوا منتشرين في الجزيرة العربية، فهل لنا أن نبحث عن معجزات أخرى تثبت صحة النبوة بشكل علمي موضوعي قاطع؟.

سابعا: هناك أحاديث نتلمس فيها رغبة النبي في أن تسلم بعض الشخصيات البارزة في قريش، ومن بينها الرواية الشهيرة "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، ففي هذا نلاحظ إصرارا كبيرا من المسلمين على الفوز بأبي سفيان لمكانته في قومه، ولو أعلن إسلامه فلا شك أن طائفة محترمة من الناس ستسير خلفه، ولكنه مع ذلك لم يسلم، وإنما أظهر إسلامه بعد أن فات الأوان من أجل مصالح لا تخفى عن الأغبياء فما بالك بالأذكياء. على غير هذه الرواية الشهيرة نجد أن النبي (في روايات أخرى) كان يتمنى أن "يعز الله دينه بعمر بن الخطاب". والسؤال الذي يواجه العاقل الهادئ في هذه المسألة هو: كيف يمكن لعمر بن الخطاب أن يعز دينا يفترض أنه جاء به ملك عملاق بوزن جبرائيل من رب العالمين، رب العزة والجبروت؟ !. كيف يمكن لعمر بن الخطاب (رض) أن يعز الإسلام  والله على كل شيء قدير يستطيع أن يظهر ما شاء من علامات النبوة على رسوله (ص)؟. إن عمر بن الخطاب مجرد شخص بشري ضعيف أمام الله بلا شك حتى وإن كان له وزن في قريش، أليس كذلك؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى: كيف يمكن للإسلام (دين الله) أن يعتز برجل مشرك؟. ألم يكن ابن الخطاب مشركا حين تمنى محمد (ص) أن يعز به الله الإسلام؟. لماذا هذا الانتقاء والتخصيص بالضبط؟ مادام الله تعالى ينظر إلى القلوب فقط، فما الفرق بين قلب عمر وقلوب آلاف من الآخرين؟. 

ثامنا: لقد كان النبي يعرف بأن العديد من الناس دخلوا في دعوته طمعا في مصالح مادية، والنص القرآني يشهد على ذلك، فهم تارة منافقون، وتارة مرتدون، وتارة مكذبون، وتارة لا يعلمون، وتارة لا يعقلون، وتارة لا يفقهون...الخ.. السؤال الذي يطرح نفسه: كيف فات هؤلاء جميعا أن يلاحظوا دلائل النبوة في شخص المصطفى الكريم (ص)؟.أليس الله هو الذي أرسله؟ ألا يدل هذا على أن هناك (على الأقل) إرادة إلهية في أن يسلم الناس؟ فكيف لم يجعل علامات النبوة واضحة لهم وهو على كل شيء قدير؟. هل يعقل أن نقول بأن هؤلاء جميعا لاحظوا علامات النبوة، لكنهم مع ذلك رفضوا الجنة وقبلوا جهنم؟. إن القرآن مليء بالشكاوي من العرب الذين لم يصدقوا محمدا (ص)، فكيف نجمع بين هذه الحقيقة وحقيقة كونه (ص) قد برهن على نبوته بمعجزات لم تترك مجالا للشك؟. هل يجوز لنا أن نقول بأن أبناء قريش والطائف وغيرهم كانوا كلهم مجانين، وبالتالي من الطبيعي أن ألا يصدقوا معجزات النبي (ص)؟. نحن لسنا واهمين، ولا مبالغين، بحيث نقول كما يقول متطرفي الملحدين؛ أن الله لو كان موجودا لبرهن بنفسه على ذاته، ولا حاجة للأنبياء الخ. كلا؛ إننا نحاول أن نكون واقعيين قدر المستطاع، ونقول: إذا كان كل من لم يصدق محمدا مجنونا، أو لا يتمتع بكامل قواه العقلية، فلا ندري لماذا لم يصرح القرآن بذلك، ولماذا أصر عليهم، وألح عليهم، بأن يقبلوا دعوة الإسلام؟. أما إذا سلمنا بأن العرب الذين كذبوا محمدا كانوا يتمتعون ببعض المبادئ الأساسية من العقل، فكيف نفسر كفرهم وتكذيبهم؟.

تاسعا: إذا سلمنا بأن جميع المعجزات التي تتحدث عنها كتب الدين قد حصلت فعلا، واتخذنا من آمن برسالة محمد شاهدا عدلا عليها، فهل هناك مانع من قبول الشهادة المضادة للفريق الذي لم يؤمن لا برسالة محمد ولا بمعجزاته التي لم يرها؟. لنفرض أننا في محكمة: هل يجوز لنا أن نستمع إلى شهادة تثبت صدق المدعي، ونترك شهادة أخرى تنفي ذلك؟.

عاشرا: كما يعرف الجميع أن الدعوة الإسلامية تبيح قتل المخالفين في الرأي، وأن هناك العديد من الشخصيات تم ذبحها بدعوى تفادي الفتنة، والسؤال هنا: لو لم يقم النبي (ص) والمسلون عموما بكتم الصوت المعارض منذ بداية الدعوة إلى يومنا هذا، هل كان من الممكن أن يصل إلينا الإسلام؟. جوابي هو: نعم، كان سيصل إلينا مادام فعلا دينا إلهيا. لكن ما لا نستطيع إنكاره، هو أن كل ما ذكرناه سالفا يعطي الباحث مشروعية منطقية كاملة لإجراء مقاربة تاريخية ومادية للدعوة الإسلامية. فسواء كان هناك وحي بالفعل، أو أنها كانت مجرد دعوة لتأسيس دولة كما نقرأ عن العديد من الشخصيات مثل جنكيسخان وغاندي ونيلسون مانديلا وماركس وتشيكي فارا وجورج واشطن وماوتسي تونغ وغيرهم، فإن اعتماد النبي محمد (ص) على هذه القرارات التاريخية والمادية في تبليغ رسالته يعطينا كامل الحق والمشروعية المنطقية لمقاربة الإسلام بشكل علمي، لأن أبسط مبادئ العقل تقول: بدل أن يهاجر النبي (المرسل من عند الله) إلى المدينة ليستعين بالأنصار في إجبار قومه على اعتناق الإسلام، كان بإمكانه أن يأتيهم بمعجزة إلهية تثبت صحة الرسالة وتنهي الأمرإن الإنسان، مهما كان، لا يمكن أن يلقي بنفسه في جهنم لمجرد الرغبة في التدفئة، خاصة إذا كان يعيش في الصحراء، مع الإشارة إلى أن الإنسان الصحراوي أكثر الناس خوفا من النار (وهذا موضوع طويل).

الأمر الأخر هو أن الشيعة يعتقدون بأن الصحابة كانوا منافقين، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون وعائشة وحفصة وغيرهم. وأن علي بن أبي طالب هو الوحيد الذي آمن برسالة محمد (ص)، ونحن نوافق إخواننا الشيعة على أن العديد من الصحابة وقعوا في فساد مبين، لكنا نطرح عليهم السؤال التالي: لنجر عقيدتكم إلى أقصاها، ولنفترض بأن محمدا لم يصدقه أحد إلا علي (رض)، ألا يطعن هذا في نبوته؟. مادام كل من يحيط به لم يصدقه، وأن الجميع كانوا يبحثون عن مصالح سياسية الخ، فأين معجزات محمد إذن؟ ! ما جدوى النبوة التي لم يصدقها إلا شخص واحد؟. ما جدوى خلافة علي إذا كان كل من صاحب النبي لم يؤمن به؟. ما قيمة إيمان علي وتقواه، وكيف يكون أميرا للمؤمنين في عالم مليء بالمنافقين؟. أضف إلى ذلك أن إخواننا الشيعة يعتقدون، كما بين ياسر الحبيب في كتابه "الفاحشة"، بأن النبي محمد (ص) استشهد، لأن أبا بكر وعمر وابنتيهما عائشة وحفصة تآمروا عليه، ودسوا له السم على يد عائشة تحديدا كي يأخذوا الخلافة من بعده..نحن ليس بوسعنا قبول هكذا الكلام جملة وتفصيلا، لأننا بحاجة إلى تثبت وتمحيص، لكنا نوافق على أن عمرا (رض) قد عامل النبي بقلة احترام حين كان (ص) يحتضر، وحين أراد أن يكتب ما قال فيه "كتاب لن تضلوا بعده". فلقد قال له عمر (رض): "إنه أهجر"، أي "لا تنفذوا أمره، لأنه يهلوس" ! وهذا حديث متواتر ومعروف في بطون الكتب، لكن الشيوخ يكتمونه عن العوام، لأن الدولة الإسلامية دائما كانت تحاول أن تحافظ على قدسية الصحابة من أجل ألا تنفلت منها زمام الأمور وتنفلت منها الكلمة. السؤال الذي لا مناص من طرحه: هل أن ما فعله عمر يدل على أنه كان يعتقد بأن محمدا فعلا نبي مرسل من عند الله؟.

ومن جهة أخرى، لنفرض أن الروايات الشيعية على حق كامل، وأن هؤلاء الصحابة لم يصاحبوا النبي من أجل ما نزل عليه من الوحي، بل من أجل المشروع السياسي الذي بدأه، فما الذي يجعلنا نطمئن إلى أن عليا (رض) لم يتقرب من النبي لأجل نفس الغاية؟. الحق أن هناك العديد من التساؤلات والنقاط التي من حق العلم أن يطرحها، لكني سأكتفي الآن بهذا القدر، وللحديث بقية.

 

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق