مازال العديد من الباحثين العرب يرددون القول بأن الأمازيغ والفراعنة
والفرس أقل منهم توحيدا لله، وهم لا يتناسون بذلك دور الفراعنة الذين سبقوهم إلى
التوحيد بقرون، خاصة "آمون حوتب الرابع" الذي غير اسمه فيما بعد
(التوحيد) إلى "أخناتون"، والذي يُرجح أن اليهود أخذوا عنه دينهم، لا
يتناسون هذه الأمور فحسب، بل ينسون، وأكثرهم ربما لا يعرفون أصلا، بأن النصرانية
الموحدة التي تطورت إلى ديننا الإسلامي على يد محمد (ص) هي من تأسيس آريوس
الأمازيغي. فكما أن مطوِّر عقيدة التثليث أمازيغي، وهو "القديس
أوغستين"، بالإضافة إلى "مرقس" صاحب الإنجيل المعروف، والذي هو
أمازيغي الأصل أيضا، فكذلك عقيدة التوحيد النصرانية التي طورها القرآن ودافع عنها
ومدحها، وقد نشير إلى مثالين في ذلك، وهو أن الجيش الإسلامي لم يهاجم الحبشة رغم
قربها من مكة، لأنها ببساطة كانت على مذهب آريوس الأمازيغي الذي قاد النصرانية
المعارضة. وكذلك مصر كان نظامها الرسمي يعقوبيا، لكن أغلبية الشعب المصري كان
أريوسياً، ولذلك ناصروا عمر بن العاص ضد المقوقس اليعقوبي، دون أن ننسى بأن رسالة
محمد (ص) إلى المقوقس تقول بصريح العبارة"أسلم تسلم، وإن أبيت فعليك إثم
الأريسيين"، أي ألآريوسيين أتباع آريوس الأمازيغي. فلا يختلف المسلمون حول أن
النصرانية "الأريوسية" المعارضة هي المذهب الحق، وأن المسيحية البولُسية
الرسمية على باطل، فلقد ظهر النبي محمد(ص) ليثبت صدق "آريوس" وهرطقة
"بولس" في نفس الوقت. فلا يخفى عن القارئ المدقق للقرآن بأن هذا الأخير
يتحدث عن صنفين من "النصارى"؛ صنف على حق، وهم الموحدون الذين قالوا بأن
"عيسى رسول الله"، وصنف على باطل، وهم الذين قالوا "إن الله ثالث
ثلاثة". وحين نراجع تاريخ الإسلام نجد أن النبي محمدا (ص) قد استفاد كثيرا من
المذهب الأريوسي، وفي نفس الوقت أفاده كثيرا. فلقد كان الآريوسيون يستميتون في
التنظير لظهور نبي جديد بعد عيسى، وأن هذا النبي الجديد سوف يبين بطلان عقيدة
"التثليث"، وسوف يبين عقيدة التوحيد التي تمسك بها أتباع آريوس
الأمازيغي. ولكن في نفس الوقت يقول أتباع المسيحية الرسمية بأن الأريوسيين قد حرفوا
الإنجيل كثيرا، وأنهم ضلوا ضلالا بعيدا، وأنه لا يوجد ذكر للنبي محمد فيما جاء به
عيسى لا تصريحا ولا تلميحا. وهكذا، فمن الناحية التاريخية يذكرنا الصراع بين نصارى
أريوس ونصارى بولس بالصراع المندلع بين الإسلام الرسمي الذي يسمى
"السنة"، والإسلام المعارض الذي يسمى "الشيعة". فالملحوظ أن
المسيحية البولسية الرسمية لم يكن في مصلحتها أن يظهر نبي جديد، لكن النصرانية
الأريوسية كانت تنتظره على أحر من الجمر لكي ينصفها ويعيد لها الاعتبار بعد
التشريد الذي تعرضت له منذ أوائل القرن الرابع حين أسفر مجمع "نيقية" عن
تأييد بولس وقتل أريوس وأتباعه.
وفي المقابل نجد في عالمنا الإسلامي روايات من كلا
الطرفين، السنة والشيعة، تتحدث عن "المهدي المنتظر"، لكن من الواضح أن
الإسلام الرسمي (السنة) ليس من مصلحته أن يظهر هذا المهدي، مادام قد حسم أمره
سياسيا بأن اتخذ الشورى سبيلا له إلى تنزيل الإمامة من الأمر الإلهي إلى قرار
بشري. أما الإسلام المعارض (الشيعة)، فهو ينتظر المهدي المنتظر على أحر من الجمر،
وذلك من أجل أن ينصفه بقرار إلهي، ويثبت بأنه المذهب الحق، وأن المذاهب الأخرى على
باطل، فويل يومئذ لأتباع الصحابة، وطوبى لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) حسب
عقيدة الشيعة.
إن الإيمان بظهور المهدي المنتظر ليس أصلا من أصول الدين
عند الإسلام الرسمي (السنة)، وقد يكون هذا المذهب على شيء من التراخي والتغاضي عن
ذلك المهدي لأسباب سياسية متراكمة أصبحت الآن مترسخة في الطبقات الجيولوجية للمسلم
السني. ونحن لا نقول ذلك من باب انتظارنا لأحد، وإنما نلاحظ أن العديد من الأمور
التي قد لا تكون لها أهمية في الواقع إلا أن شيوخ مذهبنا السني يعظمونها خدمة
للسلاطين عبر التاريخ لا أكثر ولا أقل، ولو كان ظهور المهدي في صالح السلطان لما
فشل شيوخنا السنة في إقناع العامة بوجوب الإيمان به وانتظاره وتقديس ذكره. أما
المذهب الشيعي، فإن الإيمان بالمهدي عليه السلام يعتبر أصلا من أصول الدين عندهم،
وأنا شخصيا لا أشك في أن هذا المذهب قد بالغ في انتظار المهدي، وأن ذلك أيضا تراكم
عبر تاريخ طويل من الصراع ضد أتباع الصحابة، حتى أصبح الكثير من الشيوخ يرددون
العديد من الأساطير يكاد لا يصدقها حتى الأطفال، وهم لا يعتقدون بأنها قابلة
للتصديق لدى الكبار فحسب، بل يعتقدون أنها معقولة أيضا !. وحتى لا نبتعد الآن عن الموضوع، فإن المقارنة بين تاريخ الصراع
الإسلامي السني الرسمي والشيعي المعارض، وبين تاريخ الصراع المسيحي البولسي الرسمي
والأريوسي المعارض، يقودنا إلى استنتاج صراعين متشابهين، وأن أوجه التشابه بينهما
تعود إلى تشابه الظروف والأحداث والوقائع السياسية التي كانت وراء كلا الصراعين.
إنني لا أطرح الآن مواضيع مفصلة، بل أطرح العناوين
لأفكار لابد من تفصيلها فيما بعد حسب ما يسمح به الوقت. والخلاصة أن العرب ليسوا
أول من عرف التوحيد، بل آخر من عرفه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق