هناك نوعان من العقول بإيجاز؛ واحد ينطلق
من المقدمة، ويصل إلى النتيجة. فهو ينطلق من الجهل إلى العلم. أما الثاني فهو، على
العكس، ينطلق من النتيجة، ويصل إلى المقدمة. فهو ينطلق من العلم إلى الجهل. وفي
حين يتميز الانطلاق من المقدمة إلى النتيجة بالبحث عن الحقيقة، يتميز الانطلاق من
النتيجة إلى المقدمة بالدفاع عن تلك الحقيقة. ونلاحظ أن عملية "البحث"
تؤدي إلى إنتاج ما يفترض البحث عنه (الحقيقية)، في حين أن عملية
"الدفاع" عن الحقيقة لا تؤدي إلى أي إنتاج إضافي، لأن صاحبها ببساطة
مشغول بـ "الدفاع". ولكي نوضح هذه النقطة أكثر، لنفرض أن شخصا يحرس
(يدافع عن) قطيع من الغنم، والثاني يبحث عن المزيد من الأغنام، فلا شك أن الأول لن
يضيف شيئا إلى قطيعه، بينما الثاني يمكنه أن يضيف، لأنه "يبحث".
لنلاحظ أن عملية الدفاع، لها علاقة بالسكون،
وهذا الأخير له علاقة بالحفظ، فلذلك نجد عادة أن المتخلفين عقليا تكون عندهم ذاكرة
قوية (يحفظون كثيرا)، وهذا حال العرب. أما عملية "البحث"، فنلاحظ بأن
لها علاقة بالحركة، وهذه الأخيرة لها علاقة بالفهم والتفكير، فلا يمكن للعقل
المتوقف أن يفهم أو يفكر. لأن مهمته الوحيدة هي أن "يحفظ"
و"يدافع" عن المحفوظ. فالعقل الحافظ واقف في نهاية المحفوظ، ومستعد
للنزول إلى البداية (المقدمة) كلما "شعر" بأنها في خطر فكري معين. أما
العقل الباحث، فهو واقف في بداية المعقول، ومستعد للصعود إلى النهاية (النتيجة)
كلما "لاحظ" أنها في متناول منطقي معين. وهنا نلاحظ بأن كلمتي
"شعر" و"لاحظ" لم تأتيتا اعتباطا في هذه الورقة، بل إنهما
تعبران بدقة عما يحرك العقل الباحث والعقل الحافظ (أو المحافظ). فإذا كانت حركة
العقل الباحث (من المقدمة إلى النتيجة) تتمثل في الاستجابة لـ "للملاحظة"،
وهي فعل عقلي (منطقي)، فإن حركة العقل الحافظ (من النتيجة إلى المقدمة) تتمثل في
استجابته لـ "الشعور"، وهو فعل وجداني (عاطفي).
إن العقل الباحث، حتى وإن كان يملك حقيقة
وجدانية ذاتية، لا يخلط بينها وبين الحقيقة العلمية الموضوعية، أما العقل الحافظ،
فهو لا يملك إلا حقيقة وجدانية ذاتية، نذر نفسه للدفاع عنها. إذن، فنحن أمام
اختلاف إبيستيمولوجي بين العقلين. ففي حين يؤدي العقل الباحث وظيفة البحث، فيما هو
معقول، عن الحقيقة الموضوعية، يؤدي العقل الحافظ وظيفة الدفاع، فيما هو محفوظ، عن
الحقيقة الذاتية. ولهذا، فكلما ابتعد العقل الباحث عن الذات، اقترب من الموضوع.
وكلما اقترب العقل المدافع من الذات، ابتعد عن الموضوع. وبالتالي، فإن الابتعاد عن
الذات، أثناء البحث عن الموضوع، يمنح العقل الباحث قدرة كبيرة على الاكتشاف. وعلى
العكس من ذلك، فأن الابتعاد عن الموضوع، أثناء الدفاع عن الذات، يورِّث العقل
الحافظ عجزا عن الاكتشاف. وهذا بالضبط ما يعاني منه العقل العربي التقليدي.
(من تدوينات أرشيف
الفيسبوك)
سعيد بودبوز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق