الأحد، 5 أبريل 2026

عن التكبّر

 

ولأننا تعلّمنا كيف نحب أن نكبر فقط، فلذلك لا أحد من الراشدين مقتنع بأنه قد استمتع بطفولته كما ينبغي. والمشكلة أن حبّنا لـ "الكبر" قد علّمنا أيضا كيف نعتقد بأننا نحب الوصول إلى أهدافنا دون أن نحبّ الطريق، وهكذا يترسّب حبنا للطريق في قاع اللاشعور، فلا ندركه إلا بصورة منحرفة تتجلّى في أننا لا نستمتع بالصول كما كنا نتصوّر ونحن في طريقنا إلى هدفنا. حين نركّز على أهدافنا بهذه الرؤية النصفية، فقد نصادف أشياء هامّة جدا في طريقنا، وقد نلتقي أشخاصا هامين، وربما سنحبّهم إلى آخر الحب، ولكن دون أن نشعر بذلك في حينه. وعندما نصل، نتهاوى أمام أحاسيسنا الغدّارة، وبدل أن نستمتع بالوصول، نجترّ ذكريات الطريق

وإذا انتقلنا من "الكبر" الفزيولوجي إلى "الكبر" الأخلاقي، سنجد أنفسنا أمام نفس القاعدة؛ أي أن التكبّر يحرم الإنسان من تعلّم الأشياء والأمور الدقيقة والمعقدة، وذلك لأنه ما إن يسمعك تذكر عنوانا أو شعارا أو مفهوما حتى يخيّل إليه بأنه فهم كلّ شيء، ثم يغلق أذنيه وربما يحاضرك فيما يظن أنك كنت تريد قوله، وهكذا تظل أنت صامتا تتأمّل ضلاله البعيد وهو يظنّك معجبا جدا بتوفّقه وتفوّقه.
إذا حدث أن أدرك المتكبّر ما فاته فيما كنت تريد قوله، فلن يعرف حتى كيف يلوم نفسه، إذ بدل أن يعيد النظر في تكبّره، سيلوم نفسه بشدة في لحظة قصيرة ويقول باخعا نفسه أسفا: "كيف يعقل أن يكون ذلك الشخص أدرى مني بتلك المسألة؟ هذا لا يجب أن يتكرر، فأنا أفضل منه، بل ولا مجال للمقارنة لا بيني وبينه ولا بيني وبين العالمين أجمعين، فأنا فوق الجميع ولا يمكن مناقشتي". 
وباختصار، فإنّ المتكبّر لا يختلف عن طفل زحفت عليه الشيخوخة منذ طفولته فأحرقت جميع المراحل في جوفه ولم يعد يخرج منه سوى الدخان.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق