من الحتميات الرهيبة التي تقود إليها الفلسفة الأنطولوجية النتشوية، أنّ الخرافة حقيقة لابدّ منها لوجود المنطق.
ربما لهذا بدا نيتشه مستعدّاً لمواجهة نفسه في نهاية أفول الأصنام التي طاردها إلى أن ألقى بها فيما وراء الخير والشر.
كان نيتشه كائناً دائرياً لابدّ له من الاصطدام بنفسه. كتاباته مسكونة بأرواح الألفاظ الشريرة.
قد لا تصحو هذه الأرواح لقراءتك الأولى، ولكن إذا قرأتَ نيتشه وأنت تمشي-كما أوصى-أو تدور حول نفسك مثل حيّ بن يقظان، فقد تشعر بأنّ الموت نفسه ليس إلا "أنت الآخر".. إنه ذلك الأنتَ الذي يجب أن ينهيك مؤقّتاً في الوقت المناسب، كما توجّب عليك أن تنهيه يوم وُلدت.
الخرافة هي الحقيقة التي يجب عليك أن تنكرها مادمتَ إنساناً عادياً أو فيلسوفاً أخلاقياً.
لأنها وُجدت من أجل أن تنهي فيك المنطق، كما أن المنطق وُجد (فقط) من أجل أن ينهي الخرافة.
ألا تلاحظ أن أهمّ وظيفة للإله، تتجلى في مصارعة إبليس، والعكس صحيح؟.
هناك حرب على شاشة الكون، وهناك حبّ وراء كواليسه.
لايمكن لعاقل حرّ، أن ينفي بأنّ هناك حبّاً ما بين الإله وإبليس. فليست الحرب الظاهرة إلا حرباً ضد ذلك الحب نفسه.
لولا أن الفلسفة الأنطولوجية تسمح للخرافة بالتحقُّق من باب تبرير وجود المنطق، لربما رفض نيتشه العقيدة الفينومينولوجية المسماة "العود الأبدي".
لو أنّ الإنسان فهم هذه الأمور العميقة جداً، والتي بمقتضاها تدور عجلات الشرّ في باطن الطبيعة من أجل إنتاج الخير على سطح هذه الطبيعة، سيتفهّم دور الاختلاف في تقوية الائتلاف بشكل غير مباشر.
يظنّ رجل الدين بأن دينه لن يزول بزوال الإلحاد، وهذا خطأ أنطولوجي فادح، فلولا حقيقة الإلحاد ماكان هناك دين.
ولولا إبليس ماكان هناك داع ولا مبرّر ولا مجال لظهور العقيدة التي تقول بوجود إله. إذن، هاهو إبليس يتراءى لنا واقفا في باب الله الموصد كشاوش ميتافيزيقي يتمتّع بكفأة عالية.
نعم، إبليس مجرّد شاوش للإله في باطن الواقع، لكنه يجب أن يبدو عدوّاً للإله في ظاهر الواقع.
يجب أن يبدو عدوّاً له كي يُدخل عليه في الوقت غير المناسب من يبدو الإله غير راغب في رؤيتهم، لكن دخولهم الفوضوي عليه في طابقه العلوي (السماء) هو السبيل الوحيد لتسريب أخبار الله إلى أهل الأرض.
وهل ثمة من يستطيع أن يزعم بأنّ الأديان جاءت في وضح النهار وليست مسرّبة؟. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يصرّ الإله على الاختباء؟.
لا أتحدّث عن الاختباء الفيزيائي فحسب، بل أتحدّث عن الاختفاء الألوهي والربوبي أيضا، فكيف يتحرّك شرطي لنصرة مظلوم يتعرض للاعتداء من طرف اللصوص، ولا يبدي الإله أية ردة فعل تجاه ملايير المظلومين الذين قُتلوا واغتُصبت نساؤهم وبيعت أطفالهم ظلما وطغيانا؟.
هذا هو الاختباء المبين الذي يجسّد التواطؤ الميتافيزي مع إبليس ضد الكائنات الفيزيقية.
(من أرشيف تدويناتي على
الفيسبوك)
سعيد بودبوز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق