قد يكون معظم شبابنا المسلم (السني)
مازال محتفظا بإرث الأباء والأجداد الذين إذا رؤك تشاهد برنامجا أوتقرأ كتابا شيعيا،
صرخوا في وجهك، ونصحوك نصيحة من يخاف عليك النار بألا تكرر هذه الفعلة أبدا ! ولا
عجب، فنحن ورثنا نهيا واسع النطاق عن قراءة الكتب الفلسفية وغيرها، بل ما زال
بيننا من يرفض أن يقرأ كتابا إلا بوجود شيخ أو بإذنه !! نعم، الكتاب ناطق باللغة
العربية، لكن هذا النوع من العرب لا يقرؤه، ولا يفهمه، إلا
بواسطة شيخ، بل إننا نجد كما هائلا من الكتب في شتى العلوم كان يتم تشفيرها عن قصد
من أجل ألا يفهمها إلا ذوو الاختصاص، وهذا ليس حكرا على العرب وحدهم، بل كان
موجودا عند الإغريق واليهود وغيرهم مثل كتاب "سر الأسرار" لأريسطوطاليس،
وكتاب "القبالة أو الكبالة" التي ورثها اليهود عن الكنعانيين (الكبالة
أعظم كتاب في مجال الحكمة الروحانية والسحر)، ويعتبر أصعب وأعمق كتاب على وجه
الأرض. هناك باحثون يعتقدون بأن ما يسمى "الحروف المقطعة" في القرآن
جاءت من هذا الكتاب، ومنهم الصادق النيهوم في كتابه "إسلام ضد الإسلام"،
لكن حتى لا نبتعد كثيرا عن الموضوع، نقول: ليس غريبا على الإنسان العربي أن يجعل
بينه وبين الكتاب شيخا، لأن الشخصية العربية الثقافية مبنية بواسطة الثقافة
الشفهية (والشعبية) بالدرجة الأولى، وهذا يعني التبعية بالمعنى الأعمى للكلمة، وإلا
فهل يستطيع كل سني أن يدعي بأنه يرفض المذهب الشيعي عن علم ودراية وقناعة؟.
بل
هناك سؤال أبسط من ذلك، وهو: هل يستطيع كل سني أن يدعي بأنه يعرف مذهبه، وأن تسننه
مبني على تلك المعرفة؟
الأمر
ينطبق طبعا على الشيعة أيضا، فمن المضحك أن يقول قائل بأن جميع الشيعة عرفوا حدود
مذهبهم قبل أن يتشيعوا، ومن المضحك أيضا القول بأنهم رفضوا المنهج السني بعد أن
اطلعوا وعرفوا الفساد الذي وقع فيه بعض الصحابة، وأنهم جميعا عرفوا واقتنعوا
بالتخريجات التي جعلت عليا (رض) خليفة للدولة الإسلامية الروحية والزمنية معا، وأن
ذلك ركن من أركان الدين
!.
ألا
يعني هذا أن هؤلاء جميعا يخافون من العلم والحقيقة؟ إذا كنت سنيا لماذا تخاف من
الاطلاع على المذهب الشيعي، أو العكس؟. دعني أخبرك باختصار: أنت تخاف من الحقيقة
المجهولة، لأنك لست واثقا من حقيقتك المعلومة، وليتك تفهم بأن عدم وثوقك هذا أدعى
لانفتاحك على الرأي الآخر. إنك تخاف من الاقتناع بهذا الرأي المخالف، لذلك تفضل أن
تعامل نفسك دائما وكأنها قاصرة بحاجة إلى أكثر أساليبك ردعا واختصارا، وهذا إنما
يحاكي فيك علاقة الابن بالأب، وهي علاقة القامع بالمقموع.
إذا
سلمت معنا بأن امتناعك عن مجرد قراءة أو مشاهدة الرأي المخالف، إنما هو خوفك من
الاقتناع به، فإنك تقر من حيث لا تشعر بأن الرأي المخالف يمكن ألا يكون أقل صحة
وقوة وتأثيرا من رأيك. وإذا سلمنا بهذا، فمعناه أن الحد الفاصل بين صوابك وخطأ
مخالفك ليست له قيمة موضوعية، بل هو حد ذاتي بالدرجة الأولى. لنترك هذه النقطة
الآن جانبا.
كما
قلنا عن السني أو الشيعي الذي ليس من الضروري أن يقتنع قبل أن يعتنق، ولا يملك
وقتا لذلك أصلا، نقول: الأمر نفسه ينطبق على المسلم بصفة عامة، فكما أسلفنا، لا
يستطيع أحد، مهما تفلسف وتحذلق، أن يدعي بأن اقتناعه بالدعوة الإسلامية سبق
اعتناقه، والدليل على ذلك، أننا جميعا مجبرون على الإسلام ونحن أطفال، بل إننا
نعلن إسلامنا قبل أن نعرف من أين جئنا وكيف ولدنا، لأن العديد من الوالدين لا
يخبرون أطفالهم بأنهم يولدون من فروج أمهاتهم كنتيجة لتواصل جنسي، وإنما يفضلون أن
يخبروهم بأننا أفضل أمة أنجبها التاريخ كنيتجة لجهاد إسلامي (لا أدري إن كان
بإمكانك أن تلاحظ علاقة بين الجهاد والجنس هنا: فكلاهما غامض في ثقافة العرب، تارة
يفتخر العربي بالجهاد وتارة ينكر أن يكون الإسلام قد انتشر بالسيف !). هكذا،
فالعربي لا يهمه كيف يولد الفرد ، بل يهمه فقط كيف ولدت الأمة. لا يهتم بالولادة
الحقيقية بقدر ما يهتم بالولادة المجازية. فكأن الحقيقة امرأة عارية في ثقافة
العرب، وكأن المجاز رجل محتشم. فالعرب مجازيون في جانب كبير من حياتهم، ترفض
شخصيتهم الجماعية أن تواجه الحقيقة كما ترفض المرأة العارية في الشارع. وكما أن
الإسلام يجب ما قبله، فكذلك لا داعي لإخبار الطفل كيف ولد (بل كيف وجد) ما دام
موجودا. لكأن معرفة الطفل بنا لا تهمنا، بقدر ما تهمنا معرفتنا به ! وكأن معرفته
تحاكي جاهلية الأمة، بينما معرفتنا تحاكي الإسلام. وهكذا يتعلم الطفل كيف يتقبل
النتائج دون السؤال عن المقدمات، وقد يعيش أكثر من مائة سنة محاضرا ومناظرا في
شؤون النتائج دون أن يسأل نفسه، ولو مرة واحدة، عن المقدمات ! لأنها لم تصبح مجرد
مسلمات أو بدهيات بنظره، بل أصبحت فطرة ! فهل بيننا من سأل والده أو أمه: لماذا
أصلي؟
وإذا
كان موجودا والحمد لله، فهل أخبره والداه لماذا يتعين عليه أن يصلي؟
لنفرض
جدلا أن هناك من تجرأ وسأل والديه عن معجزة محمد (ص) التي من المفروض أن تثبت
نبوته، ولنفرض أنهم أجابوه بالقول أن معجزة محمد (ص) هي القرآن. فهل يعرف جميعنا
كيف يكون القرآن معجزة؟
دعونا
من الإسراء والمعراج، فلقد سبق أن قلنا بأنها ليست معجزة، لكن هذا لا يعني أننا
ننكرها، فنرجو عدم تقويلنا ما لم نقل.
لنفرض
أن المعجزة الثانية تتمثل في عدد الناس الذين اتبعوه (ص)، لكن ماذا عن الناس الذين
لم يتبعوه؟
وماذا
عمن ارتد بعد أن اتبعه؟
كارل
ماركس مثلا، تبعه الملايين من الناس رغم أنه لم يحمل سيفا قط، فهل سنضع أولائك
الأتباع في رصيده الإعجازي، ونقول: كاد ماركس أن يكون نبيا لولا أنه لعن الأنبياء
والأرباب جميعا؟
ماذا
عن ظهور العديد من دعاة النبوة مثل مسيلمة والأسود العنسي وسجاح التغلبية وغيرهم؟
وماذا
عن قتل هؤلاء المتنبئين؟
لنفرض
أن النبي (ص) لم يأمر بقتل هؤلاء المتنبئين، فهل كان من الممكن أن يأتوا بالمعجزات
التي يفترض أن نبينا (ص) جاء بها؟
إذا
جاؤوا بها، فإذن هم أنبياء الله مثله، وإذا لم يأتوا بشيء مما جاء به (صلى الله
عليه وسلم) فلماذا كان لا بد من قتلهم؟
لماذا
لم يُتركوا أحياء كي يقتنع الجميع بأن نبوته تفوق نبوتهم؟
مادام
مسيلمة الكذاب مثلا كان أضحوكة تمشي على قدمين، وأنه كان فعلا صاحب تلك الأشعار
السخيفة المنسوبة إليه، فإذن هو يدعم نبوة نبينا محمد (ص) من حيث لا يدري، فلماذا
كان لا بد من قتله؟
لكي
نستوعب جيدا هذه النقطة، لنفرض أن أحدكم طلب منه جمهوره أن يجري مناظرة مع أحد
المخالفين على إحدى القنوات الفضائية، ولنفرض بأن مرشحكم قام بقتل مناظره قبل أن
تبدأ المناظرة، فهل سيعني ذلك أن مرشحكم كانت له الغلبة في المناظرة؟ وأن وجهة
نظرة صائبة، بينما كان خصمه مخطئا؟
ثم
لنفرض أن الدعوة الإسلامية دينية ربانية تماما كما نعتقد، إذن لماذا قبل النبي (ص)
أفواجا من المتأسلمين بالقوة أو بدافع المصلحة، كما هو الشأن مع ما يسمى في القرآن
"المؤلفة قلوبهم"؟. لعلكم لا تجهلون بأن هؤلاء كانت الدولة الإسلامية
تدفع لهم مقابل بقائهم على الإسلام، وعلى رأسهم أبو سفيان، فهل هذا كله لا يستحق حتى
أن يخطر على بالنا؟
وهل
سيعاقبنا الله لمجرد أننا نبحث عنه وعن حقيقة رسالته (سبحانه) بين أطنان من
التزييف والأكاذيب والتشويش والمبالغات وعجائب المناقب وغرائب المثالب؟
هل
سيعاقبنا الرب لمجرد أننا نفضل ألا نبحث عنه في ركام الباطل؟
ألا
يفترض أن يكون سبحانه أكثرنا رفضا لهذا الباطل؟
ثم
لنفرض أن حقيقة الرب موجودة تحت هذه الركام من الأباطيل بالضبط، فهل سيعاقبنا نحن
ضحايا البحث الشاق، أم سيعاقب من أسقط سقف السماء على رأس حقيقته وخسف بها الأرض
وأغرقها تحت أنقاض تلك الأباطيل؟
لماذا
لا نناقش كل شيء؟
هل
تعتقد فعلا أن الله (بهذا الجلال والعظمة والإكرام والعزة والجبروت) سيعاقبك لمجرد
أنك تشك في مصداقية أبي هريرة الذي أعطاك كل ما تحتاج إليك من أسباب التشكيك في
أهليته لرواية الحديث الشريف؟
لماذا
لا يعاقب أبا هريرة إن كان كاذبا؟
وإن
لم يكن كذلك، لماذا لا يعاقب أصحاب المصادر التي تحدثت عن سيرته من كلا الفريقين؛
السنة والشيعة؟
لمصلحة
من يبدو الرب غير قادر على أن يفهمني أو يتفهم مشاعري حين أشكك فيمن مدني بجميع
أدوات الشك؟
لمصلحة
من يجب أن يبدو الرب (سبحانه) لغزا، أو (على سبة) كما نقول باللهجة المغربية، لا
يسمح نهائيا بأي نقاش يستهدف التأكد من اتصاله بسكان هذا الكوكب؟
وللحديث
بقية.
(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق