الجمعة، 10 أبريل 2026

عن عقيدة الشينتو

 

إن الإيمان بالآخرة يقلل من تركيزك على الحاضر شئتَ أم أبيتَ. لننظر مثلا إلى أهل اليابان، فإن عقيدتهم، أي عقيدة "الشنتو"، لا تقوم على الإيمان بما بعد الموت، وهذا جعلهم أذكياء ونشطاء في العمل أكثر بكثير من الهندوس والبوذيين مثلا. ففي حين نجد الهندوس في الهند غارقين في أسراب من الذباب، نجد اليابانيين يتحدون الهزيمة التي تلقوها إبان الحرب العالمية الثانية بتركيز كبير على بناء الحاضر والحضارة.

ولكن هذا لا يعني مطلقاً أن عقيدة "الشنتو" خالية من السلبيات، ولا خالية من التزييف السياسي، فربما يكفي أن نعرف بأنه لا يمكن لعيني الياباني أن تقعا على عيني الإمبراطور، وإذا حدث ذلك، فإن كفارته الانتحار !. هذا فيما يخص النظرة فقط، فما بالك بمحاولة التآمر أو التطلع إلى خلع الإمبراطور !. للأسف لا نكاد نجد عقيدة خالية من التزييف السياسي مهما توهم الطوباويون الأعزاء.
نحن كمسلمين سنة، لا يمكننا إنكار التزييف الذي حدث في عهد الدولة الأموية على الأقل. فبكل بساطة أقول: وصل إلينا إسلام القصر أكثر مما وصل إلينا غيره. نحن في المغرب مثلا على مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، ولقد كان هذا الإمام معروفا بالولاء اللامشروط للقصر الأموي، فلنكن صريحين مع القارئ. لقد اختلف الإمام مالك مع أبي حنيفة حول فساد السلطان، حيث كان أبو حنيفة شجاعاً، لأنه وقف في وجه الفساد الأموي، بينما صرح إمامنا مالك بأنه لا يجوز الخروج على ولي الأمر حتى وإن كان فاسدا !. 
لذلك كانوا يعتقلون أبا حنيفة، ولم يعتقلوا مالكا. ختاما أقول: لست هنا لأسيء إلى إمامنا مالك، ولا لأفضل أبا حنيفة عليه، ولكني أنقل الحقيقة كما هي، وللقارئ واسع النظر دائما.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

جنة آدم..أرضية أم غيبية؟

 

 


هناك أربع أدلة على أن الجنة، التي خلق فيها آدم، ليست ميتافيزيقية، وإنما هي جنة أرضية عادية، فلنتابع ما يلي باختصار.
أولا:
يقول الله تعالى في سورة البقرة "إني جاعل في الأرض خليفة". مع العلم أن الاستخلاف لم يحدث بعد الخطيئة، بل قبلها، مما يدل على أن الاستخلاف في الأرض كان مبدئيا، وليس عقابا لآدم على ما فعل كما قد يتصور البعض. فمن خلال هذه الآية نفهم بأن آدم خلق من الأرض، وف

ي الأرض، ومن أجل الأرض.
ثانيا:
الجميع يعلم بأن إبليس هو الذي دفع آدم لارتكاب الخطيئة، لقوله تعالى"فوسوس لهما الشيطان"، وهذا يعني أن الشيطان (إبليس) كان قادرا على دخول تلك الجنة، رغم اللعنة التي مُني بها، قبل ذلك، جزاء رفضه السجود لآدم. هذا مع العلم أن إبليس ملعون، ولا يمكن أن يدخل الجنة أصلا بعد فعلته الشهيرة .
ثالثا:
الجنة الغيبية دار الجزاء، وليست دار العمل، والحال أن الخطأ الذي ارتكبه آدم مع الشجرة، يدل على أنه كان في دار العمل "الاختبار"، وإن كان في رغد العيش.
رابعا:
الجنة الغيبية هي دار البقاء، وليست دار الفناء، فالكثير من الآيات تشير إلى ذلك مثل قوله تعالى "خالدين فيها" الخ. إذن فهي دار الخلود، أما الجنة التي خلق (واستُخلف فيها) آدم، فهي دار فناء، بدليل أن إبليس قد استعمل ورقة الخلود من أجل أن يدمر آدم وزوجته إذ قال: "هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى"؟ الخ. وفي آية أخرى يقول: "ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين"، ومن هنا يتبين لنا بأن آدم لم يأكل من تلك الشجرة لأنه كان جائعا، بل أكل منها بحثا عن الخلود ! وهو ما يدل على أنه كان مائتا لا محالة، وإلا فما الداعي للبحث عن الخلود، إذا كان في جنة الخلد أصلا؟ 
ختاما أقول: إنني أذكر النقاط الأساسية بإيجاز شديد، ولست أفصل هنا في شيء، وقد يأتي وقت التفصيل فيما بعد. 

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ما دور علي (بن أبي طالب) في الفتنة الكبرى؟

 

 

أرجو ممن تتغلب عليهم العاطفة حد العماء ألا يقرؤوا هذه الورقة، أما بعد:

لقد رأيتم، كما سبق أن أشرنا، بأن عثمان (رضي الله عنه) قد بدأ حكمه بأول خطأ، إذ لم يقيم الحد على قاتل الهرمزان وجفينة وبنت أبي لؤلؤة. لماذا؟ لأن قاتلهم كان ابنَ الخليفة السابق عمر بن الخطاب (أعظم قائد إسلامي بعد النبي دون منازع). كما علمتم بأن علياً بن أبي طالب نصحه بأن يقيم الحد على هذا القاتل حتى وإن كان ابن الخليفة. فلقد قال عمر نفسه بأنه لو قتل ابنه أحدا لأقام عليه الحد. لكن من عجائب القدر أن علياً أيضا وقع في نفس المأزق الذي وقع فيه عثمان، فلقد بدأ حكمه بملف أعوص من الملف الذي أخطأ فيه عثمان. لأن الأمة طالبته بأن يقيم الحد على قاتل عثمان، ولكن ينبغي ألا نحمل عليا ما لا طاقة له به، فربما كان سيقيم الحد على قتلة عثمان، لكنه لم يستطع، لأن الثوار كانوا مازالوا موجودين بالمدينة المنورة. وبعد ذلك كان عليه أن يخضع معاوية الذي تقاعس هو الأخر عن نصرة عثمان من أجل الوصول إلى ما وصل إليه بالضبط. وفي النهاية ظهر للناس متكلفاً الحزن على عثمان والرغبة في الثأر له، وطبعا ليس لنا من الغباء ما يكفي لنصدق ذلك، ولا أن نصدق بان معاوية قد تحرر من جاهلية أبيه الذي أسلم كرهاً.

ولكن من أين جاء هؤلاء الثوار إلى المدينة المنورة؟ لقد جاؤا من البصرة، والكوفة، ومصر. لا بل إن قائدهم كان مصريا يدعى الغافقي. إذن، واضح أن المصريين، على الأقل، جاء بهم محمد بن أبي بكر الصديق، لأنه كان قد خرج إلى مصر يشكو من سياسة عثمان، ويحرض المصريين عليه. لكن إذا كان قد دعاهم إلى مبايعة علي (بن أبي طالب) فهذا غير واضح، وربما حظي بتستر شديد..قد نكتشفه فيما بعد، وقد لا نكتشفه أبداً. وعلى كل حال، بعد أن قتل عثمان بدا واضحا أن المصريين يريدون مبايعة علي ( !)، أما البصرة فقد كانت تريد طلحة ( !)، والكوفة تريد الزبير( !). قارنوا بين هذا وما تحدثنا عنه سابقا من اتحاد هؤلاء الصحابة مع أمنا عائشة (رضي الله عنها) من أجل الإطاحة بعلي (رضي الله عنه).

لقد علمنا إذن بأن محمداً بن أبي بكر (الصديق) هو الذي حرض المصريين على عثمان، لكن يصعب علينا أن نجزم بأنه فعل ذلك بأمر من علي (رضي الله عنه)، ومع ذلك فنحن لا نستبعد أن يكون هذا الاحتمال صحيحاً، خاصة وأن عثمان (رضي الله عنه) قد بدا غارقا في الفساد (الاقتصادي) من أخمصيه إلى قمة رأسه. ولقد نصحه علي مرارا وتكرارا، كما نصحه عبد الرحمان بن عوف (المليونير) مرارا، وكذلك طلحة (المليونير) وسعد بن أبي وقاص (المخلص للدين) والزبير بن العوام (المليونير). لكن عثمان ربما لم يستطع أن يكون في مستوى نصائحهم، وربما كان قد تعود حياة البذخ قبل أن يتولى الخلافة ( بل قبل الإسلام) كما يشير طه حسين، مع العلم أنه كان من أغنياء قريش. ولقد زاد الطين بلة إذ لم يوظف أمثال محمد بن أبي بكر، لأن عثمان كان مشغولا بتنصيب بني أمية صراحة (يعني أبناء قبيلته). لقد علم علي بأن محمدا هذا قد شارك في قتل عثمان، لكنه مع ذلك لم يقم عليه الحد حتى بعد ان تمت له البيعة وأمسك (نسبيا) بزمام الامور. لاحظ أن القاتل الأول الذي ابتلى به عثمان، كان ابنا للخليفة، والقاتل الثاني الذي ابتلى به علي (كرم الله وجهه) كان أيضا ابنا للخليفة (أبي بكر الصديق). فمهما قيل في الكتابات الدينية، فإن علياً بن أبي طالب لم يعاقب محمدا، ودون أننسى بأن هذا الأخير لم يقتل عثمان بيده، لكنه شارك في حصار داره، على الأقل، حين دخل من يقتله. لا بل هو الذي حرض المصريين على عثمان. ترى، لماذا لم يعاقبه علي الذي كان يتمنى أن يظفر بعبيد الله كي يعاقبه على قتل الهرمزان؟. تجدر الإشارة إلى أن محمدا بن أبي بكر كان ربيباً لعلي بن أبي طالب. فلقد تزوج أمه مباشرة بعد وفاة الخليفة أبي بكر الصديق. ولكم واسع النظر.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

رسالة غفران

 

هذه رسالتي إلى شخص، ظن بأنني أحاول النيل من الصحابة، من خلال بعض منشوراتي هنا على الفيسبوك، وأنني أتعمد تحريف بعض الحقائق من أجل ذلك. وكانت هناك مراسلات ودية بيننا على رأسها الرسالة التالية:

ألم تر ذلك الذي قال لي "تأدب مع صحابة رسول الله"؟ يا أخي لماذا لا تدلون بدلوكم حين نتحدث عن أخطاء معاوية مثلا؟ لماذا تختفي عدالتكم فجأة؟ أما الشيعة فهم أيضا لا يظهرون إلا حين تزل قدمنا في شيء يخص علي (

رضي الله عنه) أو الحسين أو الخميني (يا حسرة) هذا الخميني الذي لا نعرف من أي سرداب سري في بيت رسول الله (ص) خرج فجأة. فكأن أهل البيت كانوا يدخرونه لشاه إيران دون ان نعلم، واقتصدوا في إظهاره واستلاله من غمده في كل ما شهده الإسلام من الفسادات المبينة، فابوا إلا أن يشهروه في وجه شاه إيران في القرن الواحد والعشرين..طيب، كيف تحول بقدرة قادر إلا أشد الصحابة محمديةً، بل أكثر محمديةً من محمد نفسه (صلى الله عليه وسلم)، وأشد علويةً من علي ذاته؟ انا أرى ان هناك خللاً ما، فإذا كان إسلامنا حقيقياً فلماذا ترون انه بحاجة إلى كل هذه المراوغات وعدم المساهمة في إظهار ما يبدو ضده، مع أن هؤلاء الناس كلهم ليسوا سوى بشر مثلنا، فيا أخي هل ينكر عاقل ما وقع فيه سيدنا عثمان (رضي الله عنه من فساد)؟ وهل ينكر عاقل أيضا بأن هذا الرجل كانت له مواقف صالحة أيضا حتى وإن كان من الفارين يوم حنين؟ لماذا لا نعترف بأنه فعلا بدأ يوظف أبناء قبيلته على حساب الناس جميعا، وكذلك لم يقتص للهرمزان لأنه غير عربي، وكذلك ادخر أموالا طائلة خلاف ما كان عليه بن الخطاب (رضي الله عنه)؟ ألا تدرك أننا لا نبتغي بهذا التخاذل إلا أن نجعل أبناءنا صحابويين بشكل ميكانيكي جائر؟ لماذا لا نقول لهم الحقيقة: لقد كان الخلفاء الراشدون ديمقراطيين لكن المدعو معاوية اغتصب الخلافة والإسلام والأمة حيث جعلها مملكة (بل مزرعة) لا تغيب عنها الشمس، وكذلك فعل السفافحة من بعده؟ أنا واثق بأن هذه الأمة المعاصرة ستحب الإسلام أكثر وأكثر لو تسنى لها أن تتخلص من الأكاذيب والمبالغات، وتصل مباشرة إلى حقيقة الإسلام الذي جسده الخليفتين العادلين بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأنا شخصيا معجب جدا بهؤلاء الخلفاء بما فيهم علي رضي الله عنهم، لأن هؤلاء كانوا يسمحون بالنقد اللاذع ولم يقطعوا رأس أحد، ولم يدفنوا أحدا حيا كما فعل معاوية الذي لم يكن يهمه إلا أن ينتقم من بني هاشم الذين أجبروا أباه وأمه على الاسلام كرها لا طوعا، وأنت تعرف ذلك جيدا سواء أعجبك أم لم يعجبك. فما كان مخطط آل سفيان يا أخي إلا الإطاحة ببني هاشم وبالإسلام تماما كما تجسد ذلك بوضوح في شخصية العربيد المدعو يزيد بن معاوية، الذي لم يبد ولو الحد الأسفل من الإنسانية في قتل حفيد رسول الله وأطفاله فضلا عن أن يبدي عدالة الإسلام. أليس سنتنا مضحكين حين يحاولون أن يجعلوا هؤلاء الأمويين خلفاء مسلمين مؤمنين ورعين؟ نحن نعرف بأن هذه الثقافة المهترئة جاءنا بها فقهاء القصور وما أكثرهم في زمننا هذا . أنا واثق من أن هذه السنة (الجماعة) وصلت إلينا بفضل الرشوة والإغراء والغش والتزير، وإن كانت في كثير منها لا بأس بها. وواثق بأن صدق علي (رضي الله عنه) وعدالته، وغيرته على الدين وديمقراطيته، وشهامته، هي التي استعجلت فناءه، لأن زمانه "خلاص" كان قد باغتته حضارة التافهين الذين لا يكرهون شيئا كما يكرهون الجدية والعدالة، فيا ربي كيف لمجتمع أكثره من اللصوص وقطاع الطرق أن يقبلوا نظاما عادلا؟ كيف لمجتمع بات بعيدا جدا عن الدين غارقا في أوحال الدنيا أن يفضل علياً على معاوية الذي ليس سوى رمزا لحضارة التافهين، فكيف له أن يولي أحدا من دون شورى النبي فضلا عن توليته ابن السكير العربيد الذي لا يصلح مواطنا في دولة جادة فكيف يصلح لها إماماً؟. إنني أكاد أرى أن الكثير من المصائب التي توالت على العراق ربما كانت لعنة بسبب موقف اهل الكوفة والبصرة الذين خذلوه فتسلط عليهم أمثال "زياد بن الحارثة"، و"الحجاج بن يوسف" وأخيرا "هولاكو" وأخيرا الحلف الأطلسي. لقد انتهى عصر التلقين الميكانيكي، فليس امام الباحث عن الحق والحقيقة إلا أن يكون موضوعيا بأقصى ما يستطيع، بغض النظر عن الانشغال بالتمييز بين المقدس والمدنس، ولا تظن يا أخي بأننا لا نصلي ولا نصوم ولسنا مسلمين..تحيتي

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

 

 

ماذا عن دور عبد الله بن عباس؟

 


كل من له علاقة بالحديث النبوي الشريف يعرف هذا الاسم، لكن ماذا عن سلوكه؟ ببساطة: اقترف فسادا مبينا في حق بيت المال حين ولاه علي البصرة. وبعد أن وشى به أبو الأسود الدؤلي، طلب منه علي أن يرفع إليه الحساب، لكن ابن عباس راوغ وماطل، وحين ألح علي عليّ اعتزل وخرب بيت المال، فأخذ منه لدرجة أنه استعان بجيش من المرتزقة كي يحموه من أبناء البصرة، وهرب إلى مكة. لأنه يعلم بان عليا 

لن يقتحم عليه مكة المكرمة (أرض الحرام)، مع العلم أن مكة صارت مفراً لكل فاسد ومارق ومتخاذل وخائن فلا ننسى أن طلحة والزببير قد انطلقا إلى مكة بعد أن بايعوا علي، وأخذوا معهم عائشة أم المؤمنين إلى البصرة كي تحرض الناس على ابن أبي طالب (الخليفة الشرعي). لقد عبر علي بن أبي طالب عن أسفه للفساد المبين الذي ارتكبه ابن عمه عبد الله بن عباس، وفراره إلى مكة. ولم يكتف بذلك بل اشترى جماعة من النساء بهذا المال، مما زاد في غضب الخليفة (علي).

 (من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

 

العربي التقليدي لا يستقيم إلا بالقمع

 

إن مراجعة التاريخ الإسلامي وحده، ناهيك عن تاريخ العرب البائدة والوائدة والجاهلة، سيخلص إلا أنه لا توجد تقريبا أية صيغة للتفاهم بين الحاكم والمحكوم العربيين. فهل شهد العرب حاكما أعدل من عمر (رضي الله عنه)؟ قطعاً لا، لم تنجب هذه الأمة حاكماً بوزن عمر بن الخطاب، وأرجو ألا يتسرع زميلي الملحد فيصنفني ضمن المجترين، فأنا لا أعرف باحثاً صديقا ولا عدوا استطاع النيل من

 عدل عمر، اللهم إلا الباحث عن الجحيم المدعو أبا لؤلؤة لعنه الله. لقد قتلوا عمراً لأنه ببساطة تجاوز المألوف العربي المنحط وكاد يحقق بهم قفزة نوعية في اتجاه الديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه حديثاً. وأرجو كذلك من القارئ أن يكون عنده شيء من الحس التاريخي، فليس المطلوب أن نقارن بين دولة عمر ودولة ساركوزي، وإنما الدقة تقتضي منا أن نقارن بين دولة عمر ودولة الرومان التي عاصرته. فرغم أن الرومان كانت لهم تجربة أقدم بكثير من التجربة الإسلامية عموما والتجربة العمرية خصوصا، إلا أن عدله استطاع أن يطغى على طغيانهم. أليس عمر بن الخطاب هو الوحيد الذي لم يكن يفرق بين الأمير والمأمور والسيد والعبد والذكر والأنثى والغني والفقير؟ إنني أعني ما أقول، فهناك أدلة قاطعة على ذلك. أليس هو الذي امتنع عن أكل السمن في عام "الرمادة" بعد أن علم بانه يوجد في دولته مواطنون لا يملكون ثمنه؟ مع ذلك قتلوه، لماذا؟ لأنهم ببساطة كانوا يبحثون عن "الحجاج بن يوسف"، ولقد استجاب الله لهم؛ فإن هي إلا سنيهات معدودات حتى سلطه عليهم عبد الملك بن مروان وبدأ يقطع رؤسهم التي كان يعتبرها في أشعاره "قد أينعت وحان موعد قطفها"..هل يعلم القارئ بان دولة عمر بن الخطاب أكثر ديمقراطية مما نحن عليه الأن في المغرب؟ تعرفون بأن الحكومة المغربية تعتبر المواطن آخر ما يمكن التفكير فيه. لكن راجعوا تاريخ دولة بن الخطاب، وسترون أنه قد خصص رواتب شهرية للفقراء من بيت المال، وخصص رواتب شهرية للأطفال (وهذا موجود بفرنسا لكنه غير موجود بالمغرب). ومن الأدلة على الحس الديمقراطي لابن الخطاب، أنه كان يخرج إلى الناس البسطاء ويحكم مباشرة بما يجده في مصلحتهم. مثلا، حين سمع طفلا يبكي فسأل وقيل له إن أمه تحاول إفطامه قبل الأوان لأن عمرا لا يصرف الرواتب للأطفال إلا بعد أن يبلغوا الفطام، فأعلن فورا بأن الدولة أصبحت منذ اللحظة تصرف الرواتب للأطفال منذ الولادة ولا داعي لحملهم على الفطام مبكرا!. اما نحن، فحين يشكو الشعب من شيء فقد تستجب له الحكومة بعد عشر سنوات مما يعدون، أو أكثر، وطبعا تكون الاستجابة شكلية في أغلب الأحوال، فكما قلنا أن دولنا هذه لا علاقة لها بالمواطن، فهي كيان تجاري ضخم يحكم باسم الشركات ومصالحها، فلا يضحكن منكم احد على نفسه بالظن أن القضاء والحكومة والبرلمانات في خدمة الشعب. ومع ذلك الكل راض، مادام القادة مستعدين للفتك بالعربي كلما سولت له نفسه أن ينتقدهم. أليس عمراً هو الذي مرغ كبرياءه في التراب حين أعلن أن "صدقت المرأة وأخطأ عمر"؟. هل هناك قائد مزعوم يملك هذه الشجاعة في مواجهة نفسه؟. هذا هو عمر بن الخطاب الذي لو سار عثمان (رضي الله عنه) على نهجه ما كانت الفتنة الكبرى لتقع. لكن عثمان نفسه كان يقول "ومن لنا بمثل عمر؟". نعم، عمر الذي منع الرواتب على أقاربه من بيت المال، وحين تولى عثمان قام بالعكس. عمر الذي كان يجبر أهله وأقاربه على أن يعيشوا حياة المواطنين الفقراء في الدولة. لماذا قتلوه؟ لأنه لم يكن سفاحاً، مع الملاحظة أن عثمان أيضا لم يكن سفاحاً، ويكفيكم أن تقرؤوا رسالة "الأشتر" إليه. فالحقيقة أن الخلفاء الراشدين لم يكونوا سفاكين للدماء بغض النظر عما ننتقده في تصرفات بعض المتأخرين منهم. لقد كان هناك حرية للرأي في عهد عمر وعثمان تكاد تكون ممثالة لحرية الرأي في فرنسا في يومنا هذا! أرجو ألا يخلط القارئ العزيز بين عصر هؤلاء وعصر السفافحة الذي تأسس على يد معاوية ابن أبي سفيان، ولم ينته حتى الآن. لقد كان الخليفة عثمان مثلا يصل مع أبناء دولته إلى الشجار دون أن يأمر بقتل أحدهم، ومع هذا لابد من الاشارة إلى أنه كان ربما يؤذي المنتقدين الأشداء له بالنفي. لهذا قتله العرب المرضى، ولهذا قتلوا عمرا، وعليا أيضاً. إن قتل هؤلاء الخلفاء في حد ذاته دليل على أنهم لم يكونوا مدججين بالحراس والزبانية تحرصهم، وإنما كانوا يمشون بين الناس كالعامة. نعم، أعتقد أن الفساد بدأ مع عهد عثمان، لكني أعتقد جازما بان القتل لم يكن بدافع الفساد وحده، بل بدافع الوحشية التي درج عليها العربي التقليدي الذي لا يستقيم إلا بالقمع والركل والرفس. لعل ذلك قد ساهم بقوة في ابتعاد الحكام عن المواطن فيما بعد، حتى أصبح الخلفاء العباسيون وغيرهم يقطعون رؤوس الناس لمجرد شبهة قول لا يضر ولا ينفع، ولكم ان تراجعوا كيف بدأ أبو العباس السفاح خلافة الدولة العباسية. راجعوا خطبته في أو ل جمعة عباسية، حين أرعب قلوب العرب في عقر المسجد. لقد أكد لهم بأن أسلوبه الوحيد في تقويم اعوجاجهم هو "السيف".

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز


إلى أي مدى كان الخليفة عثمان آمينا على جمع القرآن؟

 

مرة أخرى أكرر بكل صدق وإخلاص، أنني لا أفضل أي مذهب على آخر، ولا أحاول التقليل أو التكثير من أحد ضد أحد من أجل أي شيء إلا مساهمة مني بسيطة متواضعة في نقل ما أستطيع من الحقيقة إلى جيلنا الفيسبوكي العزيز، سواء من إخواننا الشيعة، أو سنتنا، أو جيراننا المسيحيون، أو أصدقاءنا اليهود، أما الأعداء منهم فحسبهم ما يرتد عل

يهم من عداوتهم.
إنني أتساءل كواحد منكم (وأنتم تعرفون أن عثمان رضي الله عنه هو الذي جمع القرآن وأحرق العديد من النسخ المشبوهة) إلى أي مدى كان عثمان أمينا وأهلاً لمهمة خطيرة وحاسمة كهذه؟. لماذا أتساءل؟ لأن عثمان، وبكل صراحة، بدأ خلافته بخرق واضح للقرآن الذي قام بجمعه. مثلا: أول ملف طرح على سيدنا عثمان هو ملف عبيد الله بن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). لقد قام عبيد الله بقتل الفارسي هرمزان، والمدعو جفينة، وبنت أبي لؤلؤة (قاتل عمر) بدون وجه حق لمجرد شبهة. فماذا كان حكم عثمان؟ إنه بصراحة خالف كتاب الله وسنة رسول الله، لأنه لم يقم عليه الحد، ولقد نصحه علي (كرم الله وجهه) بأن يحكم بالعدل في هذا الملف، وأن يقيم الحد على قاتل ثلاثة أنفس بغير بينة، إلا أن عثمان حكم بالهوى. وإذا تغاضينا عن الكثير من مظاهر الفساد التي ظهرت في عهده نتيجة إيثاره لأقاريبه وإسرافه في العطاء لهم من بيت مال المسلمين، حتى كاد يحول الخلافة إلى مزرعة لأقربائه، فيكفي أن نشير هنا إلى أنه أحدث بدعة أخرى؛ وهي إتمامه ربع ركعات في منى، مع أنه صلى مع النبي والخليفتين الراشدين بنفسه ركعتين هناك، ولقد كان هذا علامة استفهام كبيرة لدى المسلمين، خاصة أن عثمان لم يقبل نصيحة عبد الرحمان بن عوف وغيره، بل راح يسفسط ويبحث لبدعته عن حجة ما أنزل بها الرب من سلطان. أضف إلى ذلك، أن عثمان ولَّى اثنين على الأقل ممن نزل القرآن فيهم بانتقاد وزجر واضحين، وأخص منهم بالذكر المدعو "الوليد بن عقبة" الذي وله عثمان على الكوفة بعد أن عزل عنها سعد بن أبي وقاص (ملاحظة: هذا الأخير كان مشهودا له بالصلاح، ولم يشارك في الفتنة الكبرى). ثم ولى على مصر المدعو عبد الله بن أبي سرح بعد عمرو بن العاص، وكيلاهما نزل فيه القرآن، إذ يقول في الأول "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ..."الخ، ولا أذكر الآية التي نزلت في الثاني، لكن يكفي أن النبي (ص) كان قد أهدر دمه، وما ولاه عثمان إلا لأنه أخوه في الرضاعة! أعتقد أن في هذه النقاط المختصرة ما قد يحفز الباحث عن الحقيقة أن يبحث، وألا يكتفي بالإصغاء لأصحاب العمائم الضخمة فهؤلاء لا يقتاتون إلا على التناقض، والتقديس للبشر.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

الكارما!

 

تعلمنا العقيدة الهندية بأن هذه الحياة ما هي إلا حلقة ضمن مسلسل طويل من الحيوات. حتى أن بعض علمائهم القدماء، مثل كريشنا وفاماديفا، مؤلف نشيد شهير في كتاب "الريكفيدا" (الكتاب المقدس للهنود) كما أورد مارسيليا إلياد في كتابه "الأسطورة والأحلام والأسرار"، بأن هؤلاء يتذكرون حين كانوا أجنة في أرحام أمهاتهم! أما الفيلسوف الإغريقي فيثاغورس، فلم يكن يتذكر ما حدث له في بطن أمه فحسب، بل كان يتذكر كث

يرا من الأشياء حدثت له في حيوات أخرى ماضية قبل أن يدخل إلى حياتنا هذه، وقبل أن يصبح جنينا في بطن أمه. على كل حال، هذه الأشياء تتحدث عنها كتب اليوغا والبوذية والهندوسية، بتفصيل، أي أن حياتنا هذه مشروطة وحلقة من مسلسل طويل، وهذا يذكرنا بأساطير الجرمان القديمة أيضا، والتي تحدث عنها فريدريك نيتشه في كتابه "هكذا تكلم زرادشت"، كما تم توظيفها من طرف الإشتراكيين الوطنيين (النازيين) في إعلان الحرب (النهاية) على المنحطين (ومنهم اليهود)، لكي يبعث العرق الجرماني ويسود في الحياة القادمة الخ الخ.. أما بالنسبة للعقيدة الهندية، فإن سبب ما نحن فيه من الآلام هو "الكارما"، علما بأن هذه الأخيرة كلمة سنسكريتية تدل على مبدأ السببية الشاملة، ومسلسل الحيوات. وبفعل هذه الكارما تستمر الحيات إلى ما لا نهاية، وتستمر الانتقالات المؤلمة، ولذلك يحرق الهنود موتاهم حتى لا يبقى من أجسادهم شيء يحيا في هيئة أخرى بعد الموت. ما أود قوله، هو: إذا كنا الآن نعيش حياة مشروطة، وأنها جزء صغير من ملسلسل الحيوات التي عشناها وسننعيشها، فهل سنكون قريبين من الصواب لو قلنا بأن مفهوم القضاء والقدر مرتبط بطبيعة سلوكنا في حياتنا الماضية؟ أي، هل يمكن القول بأن كلا منا يأخذ من هذه الدنيا حسب ما أعطى في الدنيا الماضية؟ لا شك أن الإسلام يتفق مع العقيدة الهندية في أننا لا نعيش حياة مطلقة، وإنما نعيش حياة مشروطة، وإن كانت العقيدتان تختلفان، على ما يبدو، في أننا عشنا حياة ما قبل أن ننزل من بطون أمهاتنا. أقول (تختلفان على ما يبدو..والفاهم يفهم).

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

غزة...الجرح المستيقظ

 

أريد أن أقول كلمة بسيطة جدا، وأنا أنظر إلى القوالب العربية الجاهزة في سوق عكاظ، وأعرف بأن تأييد الصواريخ المجاهدة سيجعل البعض يظنني أحمل لحية راجحة على ذقني، وبها أفكر. أما إذا أشرت إلى العكس فلابد أن أكون متعاطفاً مع الصهاينة الذين اعتدوا في السبت كما جاء في القرآن، وإن كنت أرى أن الكثير منا قد اعتدوا في الجمعة أيضا، وبالتالي فلا فرق بين بعض العرب وبعض العبر، أما بعد:
نعرف جميعاً بأن الجيش الإسرائيلي شبه متوحش، فهل من المعقول أن يرشقه حفنة من "المتحمسين" بصواريخ "عاشوراء" بين حين وآخر، ليدفع أهالي غزة أثمانا باهضة كما نرى؟ أليس حرياً بقادة الحماس هؤلاء أن يفكروا في لملمة أشلاء ما تبقى من جثة فلسطين؟. أم أن حب السلطة أقوى من أي حب؟. إلى متى سيبقى الرهان على عاطفة العرب التي هي عاصفتهم في معظم الأحوال والأوحال؟ لقد علمنا بأن الفساد الذي شهدته غزة في عهد إخواننا المتحمسين بلغ درجة التعفن، كما علمنا بأنهم يستعيضون على الفشل الداخلي بالنجاح على المستوى الخارجي، وأي نجاح؟ أقصد إثارة العاطفة العربية والإنسانية جمعاء، فمن ذا الذي سيجد وقتا لإعمال العقل فيما يجري بعد أن يشاهد صور القتلى الفلسطينيين الأبرياء؟ وهل وصلت إسرائيل إلى ما صولت إليه إلا ببركة "الهولوكوست"؟ أهذه هي الخطة المضادة؟ تريدون إبادة أهالي غزة من أجل الحصول على رحمة العرب وبركاتهم؟. مادام هؤلاء غير قادرين بالمرة على حماية شبر واحد من الحياة المدنية في غزة، فلماذا يعلنون الحرب على أقوى دولة في المنطقة؟. عزيزي القاريء، ليس عندي ما أخفيه، فهذه تساؤلاتي الواضحة كما ترى، لقد رأينا على الأقل حسن نصر الله يتحدى الجيش الإسرائيلي حين قال له "إذا قصفتم بيروت، سنقصف عاصمتكم تل أبيب"، وفعلاً لم يستطع الجيش الإسرائيلي أن يقصف بيروت، وإن كانت الأمة قد تعاطفت وتغاضت عما لحق بأبرياء لبنان، فربما لأن حزب الله كان في جعبة بندقيته ما يقول، أما حركة حماس والجهاد الإسلامي فبالله عليكم، كيف تعلن حربا على إسرائيل؟ . يقال أن من يقاتل في سبيل الله سينصره الله، طيب، من هذا الذي سينصره الله في غزة؟ أنا أستطيع أن أدلكم على من مات هناك من الأبرياء، وأستطيع أن أتخيل غزة كلها حريقاً على حريق، ولكن قولوا لي: من سينصره الله في نهاية المطاف؟ خالد مشعل؟..ممتاز، ولكن أين هو؟ هل هو موجود في غزة؟ هل هو موجود في الخطوط الأمامية كما كان حسن نصر الله يتحدث عبر الفضائيات من تحت الأرض التي كان يدب عليها الجيش الإسرائلي؟ لماذا لا يتحدث أحد عن السيد خالد مشعل إلا كما يتحدث عن الأبطال؟ إنني لا أرى محمود عباس إلا أكثر منه إيجابية، لأنه على كل حال موجود داخل بلده. فهل ستأتي لحظة من الشدة بحيث يشعر بها خالد مشعل ويتخذ قراراته بناءً عليها ومن أجل أبرياء غزة؟.
تعرفون بأن سعد بن أبي وقاص (بطل القادسية) اعتزل الحرب أثناء الفتنة الكبرى، وقال للأمة "لن أقاتل حتى تأتوني بسيف ناطق عاقل يقول هذا خطأ وهذا صواب". صدقوني لو كنتُ واحدا من مطلقي صواريخ عاشوراء على إسرائيل من أجل مشعل لقلت للجميع: "لن أقاتل حتى تأتوني بخالد مشعل حياً أو ميتاً".

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

هل يمكن أن تكون أنت الذي خلقتَ نفسك؟!

 

لا نريد أي تفسير إيديولوجي رجاءً، فنحن نطرح الأشياء كما هي. ولسنا نتبنى بالضرورة الصورة التي تتشكل أمامنا من أجزاء ما كتبه واعتقده غيرنا. إننا فقط نحاول جر الأفكار إلى حدودها القصوى ما أمكن. نحن نتعلم في مدارسنا (وجامعاتنا)، وفقاً لثقافتنا التي تعكسها مناهجنا الأكاديمية، بأن الإنسان كلما تعمق وتوسع في العلم، زاد تقرباً من الله. وهناك علماء فلك وغيرهم من المسي

حيين وغير المسيحيين اعتنقوا الإسلام بسبب ما توصلوا إليه من المعلومات، فنحن لا ننكر هذا، ولكنا فقط نتساءل: هل كان هؤلاء أصلا عميقي المعرفة؟
لكي لا نثير تأويلات في غير محلها، من الأفضل أن نقول بأن ما ورثناه من الاعتقاد بأن التعمق في العلم يقرب من الله، غير دقيق، وإليكم كيف، ولكن بعجالة شديدة:
ينطلق المتصوف (المسلم على سبيل المثال) من محبته الشديدة لله. ويقطع مسافات وجدانية طويلة وشاقة في التقرب منه. ولكن في النهاية لا يصل إلى الله، بل يصل إلى ذاته! وهذا ما أودى بحياة الحلاج وغيره. أما ابن الفارض وأمثاله، فلقد تركوا لنا فرصة لندرك بوضوح كيف كانوا يركعون ويسجدون لأنفسهم تلميحا وتصريحاً. إن سألتهم من داخل الشريعة الإسلامية يقولون لك "إنه الفناء في ذات الله"، ولكن الله في نفس الوقت ليس هو الذي يقرر ما يجب أن يفعلوه، بل هم من يقررون ما يجب عليه أن يفعل نحوهم! أعرف بأن القراءات الإيديولوجية لكتابات هؤلاء لا تطرحهم كما هم بشكل موضوعي، فمنها ما يميل إلى اعتبارهم أولياء الله لدرجة لا يمكننا تصورها، ومنها ما يعلنهم زنادقة وكفى، ومنها ما يظهرهم مجموعة من الحمقى والمجانين لا أكثر ولا أقل. ولكن ظاهرة التصوف هذه ليست حكرا على المسلمين، بل هي موجودة في كل الأديان، سواء منها الأديان السماوية أو الطبيعية كالبوذية والهندوسية والجينية. ونستطيع القول بأن الجميع يصل إلى ذاته في النهاية، ويُفني معبوده في ذاته بدل أن يفنى في ذات معبوده! شخصياً قارنت بين ميدان التصوف في هذه الأديان (الإبراهيمية وغيرها)، وبين بعض أشد الفلسفات الغربية إلحادا وهي الفلسفة الوجودية على سبيل المثال، وبالضبط فلسفة الألماني فريدريك نيتشه. فهذا الأخير تقوم فلسفته على أن الغاية المثلى التي تسعى الطبيعة إلى تحقيقها هي إيجاد الإنسان المتفوق، وما هذا الأخير إلا الإنسان الإله كما نجده في كتاب "السر الأكبر" لدافيد إيكه. فهذا الإنسان الآن وقبل الآن كان بحاجة إلى إله، لأنه كان بحاجة إلى قوة هائلة يعتقد أنها غير موجودة في روحه، بينما هي موجودة، وكل ما كان عليه أن يفعل هو أن يتطور ويتعلم ويتدرب ويتعمق في ذاته وروحه لكي يكتشف تلك الطاقة الرهيبة التي لا حدود لها، أعني الطاقة التي.....ربما....هي التي خلقته!
نحن الآن مثلا نعتقد جازمين بأننا لم نخلق أنفسنا، وبالتالي فلا بد أن يكون هناك خالق عظيم جبار حكيم هو الذي خلقنا. لاحظ أنه لو حدث أن علمنا ذات يوم بأننا نحن الذين خلقنا أنفسنا، ما كان هناك معنى للاعتقاد بوجود إله. لنبدأ مما هو أبسط: لقد كنا دائما نعتقد بأن حدود الإنسان هي حدود وعيه، بمعنى أن ما لا نتذكره لم يحدث لنا، وما لا يدركه وعينا ليس في طاقتنا، وما لا يدور في ذهننا لا نعرفه... الخ. ولكن مؤخرا ربما تبين لنا، من خلال علم النفس، بأن هناك "لاوعي" أيضا بالإضافة إلى "الوعي". وحين نقارن بين السيكولوجيا والروحانيات يتبين لنا بأن ما يسمى "اللاوعي" هو "الروح". وهناك مثال آخر، وهو أننا حين ننام لا نستيقظ بفعل وعينا، وإنما هناك قوة لا ندركها فينا هي التي توجهنا إلى عالم الأحلام، وهي التي توجهنا إلى عالم اليقظة استجابة لمجموعة من العوامل التي تقيم هي تأثيرها. بل هي التي تبقي قلوبنا مستيقظة (تضخ الدماء) والرئة شغالة والكليتين الخ حتى ونحن نائمون. فمن هنا، (وحسب ما في هذه الورقة) ليس هناك مانع قطعي من قدرتنا على الارتقاء إلى حياة جديدة بعد الموت، لا بل إن الموت يحدث بفعل قوتنا اللاواعية، فكأنه حين يحدث ما لا يحتمله دماغنا (وجهازنا العصبي) من التفكك للجسم، تقوم قوتنا اللاشعورية (الروح) بفعل الموت استعدادا للانتقال إلى مرحلة أخرى متقدمة لا تحتاج إلى هذا الجسم !!
تعرفون أن السير على الأرض يجب أن يكون دائريا شئنا أم أبينا، وكذلك أية حركة في الكون يجب أن تكون منحنية، فكذلك الحركة الوجدانية والروحية والعقلية للإنسان، تبدو في بداية الأمر بأنها انطلقت بصاحبها بعيدا عن ذاته، ولكن في النهاية يرتطم بذاته كما يرتطم بها المتصوفة وغيرهم.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

تذكروا أن القوة تستدعي البلاء

 

لطالما كنا مطمئنين على هذا الكوكب، وآمنين من شر بعض الأجرام السماوية التي تحوم حولنا. ولكن كان ذلك قبل أن نصبح (نحن البشر) متمتعين بقوة نووية تكفي لتدمير كوكبنا عدة مرات! لعل ما يخفى عن بعضنا أن القوة تستدعي البلاء.. تستدعي النقيض الذي يفترض أن تسخر تلك القوة ضده. فعلى سبيل المثال، نحن في المغرب لا نملك ما تملكه أمريكا من المعدات اللازمة للإنقاذ والإسعاف والوقاية من

 الكوارث، ولذلك فإن الطبيعة (أو الله تعالى) لا يسلط علينا زلازل أو أعاصير أو براكين من العيار الثقيل كما يحدث في أمريكا، ذلك لأنه لا قبل لنا بها، ولسنا ندا لها. ولكي نبسط الفكرة أكثر، أقول: في أي مجال رياضي أو غيره لا نجد مباراة بين شخص مدرب للغاية، وآخر من العامة، فإن محمد علي لم ينتصر على أمثالي من البسطاء في الملاكمة، بل انتصر على جورج فورمان. وكذلك مارادونا لم يصبح أسطوريا لأنه هزم أمثالي في كرة القدم، بل لأنه شارك في هزائم فروق مؤهلة في كرة القدم، وقس على ذلك في كل مجال بلا استثناء، فإن إنشطاين لم يحصل على جائزة نوبل لأنه كان متفوقا على أقرانه في صف الباكلوريا، بل لأنه كان متفوقا على عمالقة الفيزياء من طرازه. لاحظوا كذلك أنه كلما تقدم الطب ظهرت أمراض أشد فتكا مما كانت عليه فيما مضى! وكلما طال عيشنا في المدينة أصبحنا عاجزين عن قطع مسافة كبيرة على أقدامنا! فإذا كنت في باريس فقد يبدو لك من الصعب جدا أن تقطع مسافة كليومترين دون أن تركب الحافلة، أما إذا كنت في البداية، فقد تقطع ما يفوق 40 كلم على قدميك دون أن تشعر بالعجز! لا أعرف إن كانت فكرة التلازم بين القوة والبلاء قد اتضحت الآن لدى القارئ، ولكن أتمنى أن تكون قد اتضحت، وعليه أنتقل الآن إلى ما أتمنى بكل قلبي ألا يكون صحيحا، وهو أن امتلاك البشرية للأسلحة النووية قد يستقطب إلينا أحد الكويكبات المتطوعة إلى تدميرنا، وقد نفلح في تفجيرها قبل أن تعبر الغلاف الجوي، كما قد لا نفلح، وقد يتفق قادة الدول النووية على الاتحاد النووي ضد هذا الخطر، كما قد لا يتفقوا. المهم أننا نحس بأن هذا التقدم النووي الرهيب لن يكون بدون ضرائب، فلا بد أن يجلب لنا اختبارا من الفضاء، إما أن يجلب لنا جرما سماويا أو إحدى الزيارات الفضائية من طرف مخلوقات أذكى منا، وقد لا تفيد معها أسلحتنا التقليدية. إن الطبيعة (أو الله تعالى) لم تيسر إيجاد القنبلة النووية هكذا دون أن تكون هناك حاجة إليها، فلا بد أن تكون هناك حاجة، وكما تعرفون أن الحرب التي تحدث بين البشر لا تستدعي أي تفجير نووي، لأن هذا الأخير لا يدمر العدو فحسب، وإنما يدمر الأرض والمناخ والأجيال الحاضرة والقادمة. وفي هذا ما يوضح لنا بأن السلاح النووي غير مفيد بتاتا للحرب التي تحدث بين البشر. انظروا إلى المخازن النووية التي تملكها البشرية حاليا، إننا في الواقع نملك قوة جبارة بكل المقاييس، فبإمكاننا أن نزيل القمر من الوجود! هذا مفرح طبعا، ولكنه محزن حين ندرك بأننا في المجال الطبي مازلنا متخلفين، ومازال البلاء متفوقا على قوتنا. فمن يضمن لنا بأن الأمرين غير متشابهين، وأن تفوقنا في الفتك النووي لن يكون له معنى. قد أبدو متشائما، لكن هذا هو إحساسي: أنا أشعر بأن مستقبلنا على هذا الكوكب ربما سيأتينا ببعض الاختبارات المتعبة. وكل ذلك لأننا:
أصبحنا في صراع ذكاء مع الطبيعة!

 (من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

هل الكون عقلاني أم رومانسي؟


لا أعرف إن سبق لأحد أن طرح هذا التساؤل. لكن واضح أن البشرية قد أرهقت نفسها في محاولة فهم الكون من خلال الخيال (أساطير) أولا، ثم من خلال الروح (أديان) ثانياً، ثم من خلال الفن، و أخيرا عن طريق العقل (الفلسفة)، وآخرا عن طريق العلم (التجربة). أما الأوهام فيبدو أن برجسون قد صرح بأنها ليست وليدة البشر وحدهم، بل هي قائمة في طبيعة الوجود أيضاً، بمعنى أن الطبيعة (الخلاقة) لم تب

دعنا على أكمل وجه منذ البداية، ولم تبدع شيئا كاملا إلا بعد محاولات عدة، ويستلهم من تشارلز داروين نظرية الأصول المشتركة للحيوانات بما فيها الإنسان، ويرى برجسون أن انتقال الطبيعة من مستوى إنتاج "القشريات" إلى مستوى إنتاج "الفقريات" ما هو إلا تقدم وتحسن في أداء الطبيعة الخلاقة، ويمكن اعتبار النحل مثلا الطبعة الأولى البدائية لمشروع خلق الإنسان، كما يمكن اعتبار هذا الأخير الطبعة الأخيرة التي تمثل أقصى ما وصل إليه وعي الطبيعة. إذن، فلسنا الواهم الوحيد-حسب هذه النظرية- بل الطبيعة أيضا واهمة، ويمكن أن تنتج أوهاما، وهنا نخرج من نظرية برجسون ونقول يجب على من يتعصب للعلم والعقل أن ينتبه حتى لا يعتقد بأن كل شيء قابل للفهم والتجربة؛ فقد يكون للطبيعة أوهام في هذا الوجود غير معقولة بتاتاً! هذا بالنسبة للوعي الخلاق، ولكن ماذا عن الوعي المحافظ على المخلوقات؟ هل هو ذو طابع عقلاني أم رومانسي؟ شخصياً أكاد أتصور بأن الكون يدير نفسه بطريقة رومانسية، والحق أن لي الكثير من النقاط في هذا الصدد، لكني قد أفصلها لاحقاً في مقال مطول، وسأكتفي هنا بالقول أن إدارة الكون عاطفية أكثر منها منطقية. فالجاذبية هي الركن الأساسي في العلاقات القائمة بين أطرافه، ونحن نعرف بأن الحب مثلا هو قوة جاذبية أيضاً. تعرفون كيف تتركب المادة كيميائياً، فالطريقة التي تتوحد بها الذرات شبيهة بالطريقة التي يتوحد (يتواصل) بها الذكر مع الأنثى. مثلاً: حين تنجذب ذرة الأوكسجين إلى ذرتي الهيدروجين يتكون عنصر الماء، وقس على ذلك في كل الحالات التي تظهر لنا عليها المادة في هذا الكون. فلا شيء إلا بواسطة التواصل والاتحاد بين الذرات بفعل الجاذبية. حتى على المستوى الماكروسكوبي؛ فلولا جاذبية الشمس (نجمنا المحلي) لتبعثرت هذه الكواكب المجاورة لنا، ولغرقت الأرض في الزمهرير. إذا كانت النجوم تحافظ على الكواكب في مداراتها بفعل الجاذبية، فإن هناك في مراكز المجرات قوة جاذبة هائلة تشد إليها النجوم، هذه القوة تسمى بـ"الثقب الأسود" الذي لا ينفلت من جاذبيته حتى الضوء نفسه، لذلك يبدو أسود لا نرى ما يحدث فيه أبداً، ومن وراء هذه الثقوب السود، ربما هناك قوة جاذبة أعظم منها تحافظ على مستوى "المجموعات المجرية"، وكذلك على مستوى "العناقيد المجرية" (العنقود المجري يتكون من المجموعات، ومنها مجموعتنا المجرية المحلية التي توجد فيها مجرتنا "درب التبانة")، وفوق ذلك تتحدث الفيزياء الفلكية عن "طاقة الفراغ"، وهي تشكل الجزء الأكبر من هذا الكون على ما يبدو، وهكذا نجد أن هذا النظام الطبيعي يقوم على الجاذبية من المستوى الميكروسكوبي (الذرات) إلى المستوى الماكروسكوبي (الكواكب والنجوم). فلو كان الكون يدير نفسه بطريقة عقلانية لما رأينا أي اصطدام بين الكويكبات والكثير من الكوارث الكونية الناجمة عن الخلل في الجاذبية، وأما حين نقول إنه يدير نفسه بطريقة عاطفية، فإنما نعني أنه يمكن أن يصبح أسيرا لهذا النظام الجاذب الذي يسير عليه، ولذلك فإن هذا الكون ليس محفوظا من الكوارث بشكل مطلق. إنني لا أتحدث عن الكوارث الصغيرة كإعصار كاترينا، بل أتحدث عن الكوارث العملاقة (النجمية) التي يمكن أن تدمر كوكبنا الصغير في أية لحظة ! أما في المجال الإنساني، فإن للعاطفة دورا كبيرا جدا، لكنها تتزاوج مع المنطق في الحالات الحاسمة على الأقل. 

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

تعثر التنوير في العالم العربوفوني

 


لقد بات واضحاً بأن أغلبية الأمة متعاطفة مع الجماعات الدينية، فهذا أمر محسوم بالنسبة لي على الأقل، وبات واضحاً أيضا بأن المثقف التنويري العربي لم يستطع أن يحدث تغييرا في هذه العقول المتحجرة رغم أنه استعان بالنموذج الغربي، ومن أهم ذلك النموذج الاشتراكي الذي باغته انهيار اتحاد السوفياتي وحول أنصاره إلى مجموعة من الثرثارين لا يكاد يصغي إليهم أحد. فهل سنخوض في نقاش عميق ومعقد لا طائل منه، بحيث نختلف كثيرا عن تشخيص الأسباب التي زادتنا فشلا على فشل؟.

 قد يتفاجأ القارئ بما سأقول، لأنه يتصور بأن هذا الموضوع يحتاج إلى مجلدات من التفاصيل المثيرة للقيء، ومع ذلك اخترت أن أشير إلى هذه النقطة (الهامة) في كلمات معدودات كما يلي:
تعرفون بأن النموذج الديني للثورة الغربية فشل، وأعني هنا النموذج البروتستانتي، ولكن النموذج الفلسفي نجح أيما نجاج، فلنعد قليلا إلى الثورة الفرنسية التي استطاعت أن توصل الإنسان إلى السلطة بعد أن كان الرب وحده لا شريك له في الحكم من خلال شخص الملك. ولكن هذا لم يحدث في هذه الثورات الأخيرة، رغم أنها نبعت من تونس، وهي كما نعلم جميعا بلد مغاربي شبه مؤرب (ذو نمط شبه أروبي). والآن، كل ما حدث وما سيحدث من الثورات في سياق الربيع العربي سيكتسب تلقائيا الصبغة التونسية إن بشكل أو بآخر، فلا أحد سيسمح للمتطرفين بالوصول إلى السلطة، ولكن في المقابل، وكما نرى، لن تكون هناك سلطة إنسانية (مدنية) محضة، وهذا دليل قاطع على أن التشبع بالثقافة الغربية كان نخبويا ليس إلا، فالسؤال المطروح هو: لماذا لم يستطع هذا النموج الثوري المدني الإنساني أن ينزل إلى قاعدة الهرم الشعبي؟
جوابي هو: السر في "المسجد"، نعم عزيزي القارئ..فلقد قرأت عن الفكر الاعتزالي منذ سنوات، لكني لم أنتبه إلا مسألة بسيطة تكاد لا يلتفت إليها أحد لشدة تفاهتها، فنحن نركز على الاختلاف الفكري الذي حصل بين الشيخ الحسن البصري وتلميذه واصل بن عطاء، دون أن ننتبه إلى المكان الذي حدث فيه ذلك "الاختلاف" وهو "المسجد"..ولكي يفهم القارئ جيدا ماذا أقصد فإنني أذكره بأن مسجدنا لم يتمكن فيه أحد (المصلين) من الاعتراض على خطبة الجمعة، سواء في جزئها أو كلها. هل سبق لك أن ناقشت الإمام في شيء يوم الجمعة؟ أنا أستبعد ذلك. ربما حدث لكن بشكل نادر جدا لا يعدو أن يكون استثناءً. إن دخول المسجد في يوم الجمعة غير مشروط، فبإمكان الأمي والمتعلم والغني والفقير أن يدخله ويحضر تلك الخطبة..وهنا تمكن الصوت الديني من التسرب والتغلل بكل حرية إلى أغلبية الشعب، ولم يتعودوا على اعتراضه، أرجو أن تفهموا هذه النقطة سيكولوجياً، فالخطاب الديني لا يُناقش، لأننا لم نجرؤ على مناقشة أصحابه أمام العامة (الأغلبية من البسطاء والمتعلمين معا). وفي نفس الوقت نجد أن الفضاء الجامعي يسمح بمناقشة الخطاب الديني، وهذا جيد، ولكن يجب ألا ننسى بأن أغلبية الأمة لم تدخل هذه الجامعات ولا تعرف كيف تقرأ وتكتب أساساً، فكيف نخرج هذا النوع (الأغلبية) من قدسية الخطاب الديني إذا لم نجعله مطروحا للنقاش أمامهم وفي المسجد بالذات. إنني لا أقصد إشاعة الاعتراضات الفارغة وإثارة الهرج والمرج، بل أرى أن إمام المسجد يتمتع بقدسية شبه كاملة في لا شعور أغلبية هذه الأمة. ولعلكم تدركون علاقة الصلاة بالسلطة فهل سأعود بكم إلى الطريقة التي تولى بها أبو بكر الصديق خلافة المسلمين؟ لقد أمره النبي أن "يصلي" بالناس، وكان هذا "يكفي" الأخرين دليلا على أن أبا بكر هو الخليفة!. هناك نقطة أخرى دقيقة، وهي أن أغلبية أمتنا تشعر (بشكل واعي أو لاوعي) بأن من يحكمونها غير شرعيين، لأن من يحكمهم في المسجد (الإمام) ليس هو الذي يحكمهم في الدولة!. سوف ترضى أغلبيتنا حين يروا بأن الخطاب الذي يسمعونه في المجسد كل جمعة، هو الخطاب الذي يسمعونه في المجلس الجمهوري والوزاري والبرلماني! هذه هي طبيعة الإنسان الأمي أو قليل الدراية، فهو لا يحب المغامرات والابتعاد عن الفطرة، وما هذه الأخيرة إلا ما التقمه من الثقافة الدينية منذ طفولته في المساجد. لقد انطلت خدعة بسيطة على الثائرين في السنة الماضية، وهي أنهم كانوا كثيرا ما ينطلقون من المساجد! دون أن يدركوا أبعاد ذلك فيما بعد الإطاحة بالنظام الفاسد. لماذا لم ينطلقوا من الجامعات والمدارس والمقاهي ودور الشباب ودور الثقافة؟ لأنها مغلقة بسبب التوتر الأمني..إذن، فليعترف إخواننا العلمانيون بأن الجماعات المتاجرة بالدين كانت أكثر حظا منهم، لأن المساجد لم تكن مغلقة! لماذا لم تكن مغلقة يا ترى؟ لا تظن عزيزي القاريء بأن هذا السؤال بسيط بل يمتد إلى أعماق الحياة الاجتماعية والنفسية والسياسية التي يعيشها العربي المسلم، فأن يُستثنى المسجد من التوتر الذي يهدد الجامعة فهذا في حد ذاته يدعو المثقف إلى التفكير في العمل على المساوة بين المسجد والجامعة. حتى لا أطيل، سأكتفي بما يلي: 
لاحظوا أننا كثيرا ما نجد الإمام يهرف بما لا يعرف، ولكن لا يخطر على بالنا أن نناقشه، فهو فوق المنبر وفوق الجميع، لماذا هو كذلك؟ من أعطاه الحق في أن يضخ ما يشاء من الخطابات المغلوطة في وجدان بسطائنا؟ ما دمنا نحافظ على هذه القدسية غير المبررة فلا نتوقع من أغلبيتنا أن يعترض على شيء مما يأتي به دعاة التدين.
نقطة أخيرة: لاحظوا أن كلامي هذا من المستحيل أن أدلي به في المسجد يوم الجمعة، لأن العادة تقتضي من الجميع ألا يناقش الإمام!.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ما هي السماء الدنيا؟

 


كثيراً ما كنت أستمتع للغاية حين أشاهد برنامجَ تلفازياً أو أقرأ في مجلة (فصلية) أو غيرها عما يتعلق بـ "الإعجاز العلمي في القرآن الكريم". وكنت أتساءل لماذا يرفض بعض العلمانيين ذلك، ولماذا يصرون على أن هذا النص (القرآني) لم يظهر من أجل العلم، وإنما ظهر من أجل أقامة الدين لا أكثر ولا أقل؟ وكنت أجيب نفسي بأسهل الإجابات، وهي: أن هؤلاء يريدون منا أن نصبح ملحدين بشكل ميكانيكي أو مهما

 كلفهم ذلك من ثمن. لكن مؤخراً، بدا لي بعض الارتباك في صفوف بعض الباحثين في هذا الاعجاز العلمي نفسه، ويبدو أنني انتبهت إلى حجم المغامرة التي يخوضها هؤلاء دون أن يشعروا أو من حيث يشعرون ويدفعون بالأمور إلى المجهول دون التفكير في العواقب. فكأن المطلوب هو إدخال الناس في الإسلام بأية طريقة. لن أطيل هنا مع أن معي أمثلة كثيرة، ولن أتطرق إلى ما تحدث عنه الصادق النيهوم من التخاريف التي وقع فيها الإعجازيون، لكني سأكفتي بالقول أن بعض هؤلاء لم يستطيعوا تحديد مفهوم "السماء الدنيا ولا السماوات السبع" فمنهم، على سبيل المثال، من يعتقد بأن المقصود هو الغلاف الجوي، وهذا يتطابق مع الآيات القرآنية التي تتحدث عن المطر، ومنهم من يعتقد بأن المقصود هو ما وراء الفضاء الذي يضم كل هذه المجرات التي يتكون منها الكون المدرَك! وهذا ربما يتطابق مع الآيات المشيرة إلى "النجوم". ولا داعي الآن للتساؤل حولما إذا كانت النجوم هي التي ترجم الشياطين أم النيازك! إذ يكفينا هنا أن السماء الدنيا قد زينت بالمصابيح التي هي رجوما للشياطين كما جاء في سورة "الملك". كنت أتمنى أن أسأل الدكتور زغلول النجار أو غيره عبر الهاتف مباشرة في أحد البرامج الإعجازية، لكن كما أخالكم تعلمون، أن تلك البرامج تحدد بشكل مسبق نوعية المشاركين ونوعية الأسئلة التي ينبغي أن تطرح، كما هو الشأن في قناة الجزيرة مثلا، والتي تكتب مآت التعليقات بأسماء مستعارة على الفيسبوك وغيره من أجل أن تصب تلك الأسئلة فيما يريده مديرها الذي هو واحد من جماعة إخوان المسلمين! لا بأس..ما الذي دفع بعض الإعجازيين لحصر مفهوم السماء في الغلاف الجوي؟ الجواب هو: المطر، وربما أيضا وجدوا هذا الغلاف يتكون من سبع طبقات، كما يبدو أن الأرض أيضا تتكون من سبع طبقات، وإلا فأين "الأراضون السبع"؟ الجواب عند الفريق الآخر من الإعجازيين الذين يقفزون قفزة أكروباتية على ظاهرة المطر، ويفترضون بأن في الكون سبع مجموعات شمسية ربما، وبالتالي سبع أراضين مثل أرضنا، ونحن طبعا لا ننفي وجود كائنات ذكية في هذا الكون، لكن في نفس الوقت ليس عندنا ما يثبت وجودها علمياً. خلاصة القول أن الإعجازيين عاجزون حتى الآن عن تفسير مفهوم "السماء"! فمن بين الأسئلة التي كنت أريد شخصيا طرحها بخصوص القرآن الكريم والتفسيرين؛ العلمي والبلاغي كما يلي:
1-
سؤال علمي على الدكتور زغلول النجار: علمنا بأن السماء عندكم هي السقف الذي يحيط بهذا الكون، فهل ينزل المطر من وراء كل هذه المجرات؟
2-
سؤال بلاغي على الدكتور السامرائي: كما تعلمون أن ما يأتي على وزن "مفاعل" أو "مفاعيل" يندرج ضمن "منتهى الجموع" الممنوع من الصرف، إذن لماذا جاء في سورة "الإنسان": "قواريراً قواريراً"؟
والسلام.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

إلى أي مدى يكون المتدين على حق؟

 


هناك تناقض كبير نعيشه كمتدينين، ويعيشه الأدباء أيضاً، وهو: يتميز المتدين بتجنب البحوث الحديثة التي تتحدث عن الأديان، وهو يعتقد بأن الأديان قد أصبحت حقائقها محسومة منذ أن بينها السلف الصالح ولا داعي الآن للخوض في ثوابتها، لكن هذا الاعتقاد في الواقع خاطئ، لأن فهمنا للأديان يمكن أن يتم من خلال البحوث الحديثة بشكل أفضل، وإلا فلنقارن المنهجيات القديمة مع الحديثة على مستوى الطب والفلك والرياضيات والفيزياء، وسيتبين لنا كم نحن مخطئون حين نحكم على كل بحث حديث بأنه (بدعة!). هل كانت الفيزياء ستصل إلى ما وصلت إليه الآن لو توقفت تحت أقدام أرخميدس؟. هل كانت البصريات ستصل إلى ما وصلت إليه الآن لو توقفت عند ابن الهيثم؟. هل كانت الفيزياء الفلكية ستصل بنا إلى ما وراء "العناقيد المجرية" لو توقفت عند عمر الخيام؟. وهل كانت الفيزياء الذرية ستصل بنا إلى القنبلة النووية (أشد حالات المادة قوة حتى الآن) لو توقفت عند هؤلاء؟ هل كنا سنتبادل الدردشة عبر هذه الحواسيب لو توقفت التكنولوجيا تحت أقدام الكنيسة؟
ومع اعتقادي بأن الطب أكثر الميادين تخلفاً، أتساءل: هل كنا سنصل إلى هذا التقدم الطبي لو توقف الطب عند أبقراط؟. وإذا كنتَ تعتقد العكس، فاعلم أنك بحاجة إلى البحوث الحديثة في فهم الأديان أيضا، لأن ما بات الآن متاحا للباحثين لم يكن متاحا فيما مضى، سواء للسلف الصالح أو الطالح. لماذا هذا التناقض؟ لماذا يسرع الفيزيائيون إلى ابتلاع النظريات الفيزيائية الحديثة (القيمة) ولا يلتفت أستاذ الأدب العربي إلى ما تتحدث عنه البحوث الحديثة من أكاذيب الشعر الجاهلي وأكذوبة المعلقات المزعومة وغير ذلك؟
لماذا يجب أن يكون خبراء الفيزياء مقبولين بينما يجب رفض خبراء الأديان؟
لمصلحة من يجب أن ينتشر هذا المنطق المريض؟
لقد عاش الإنسان المتدين منذ قرون بعقل غيره، ولم يتسن له أبدا أن يعيش بعقله، لقد عاش حياة نيابة ولم يعش حياة أصالة، فمع احترامنا لكل الأديان، ومع اعتقادنا الراسخ بعقيدة من العقائد الإبراهيمية، نقول: هلا تساءلنا، ولو في أنفسنا، ماذا لو تفاجأنا يوما بحقيقة أن الله لم يوحِ إلى أحد من البشر؟
ماذا لو تبين لنا بأن من نعتبرهم أنبياء الله كانوا مجرد زعماء سياسيين أذكياء، وأن كثرة تابعيهم لا تبرهن على صحة نبوتهم، بدليل أن أتباع ماركس كانوا أكثر من أتباع أحد أنبيائنا الإبراهيميين، رغم أن ماركس لم يدَّع النبوة؟.
أرجو من القارئ أن يضع أحكامه الجاهزة جانباً، فهذه مجرد تساؤلات تحاول أن تنفلت من قفص التقاليد الجاهزة نحو المطلق.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

دكتوراه العاطفة وعالِمية اللحية

 

 

من أسخف ما قرأت مؤخرا، من الرسائل الأكاديمية العربية، رسالة بعنوان "تاريخ عمرو بن العاص" للعلامة الدكتور حسن إبراهيم حسن، وهي الرسالة التي حصل بها على شهادة "الدكتوراه" و"العالمية" (يعني: أصبح عالما !) من الجامعة المصرية سنة 1921. ربما يتوقع القارئ بأن الكتاب يتألف من 700 أو 800 صفحة مليئة بالتفاصيل ودقائق الأمور، كغيره من الرسائل التي تحاول أن تتسم بشيء من العمق والجدية والجديد. لكن، للأسف، هذا الكتاب، الذي بفضله أصبح السيد حسن دكتورا وعالماً في الأدب العربي، يتألف من 258 صفحة ، بما في ذلك العديد من الصور والتخاطيط الجغرافية !. أما من حيث ضبط الإحالات إلى المصادر والمراجع، فإن الكتاب من أضعف الكتب التي قرأتها بكل صراحة. أما من الناحية العلمية، فيبدو واضحا أن دكتورنا العالم مازال غير مطلع حتى على بعض أمهات الكتب الأساسية في التراث العربوفوني، مثل تاريخ ابن خلدون، حيث يقول مثلا: "وقال بعض الناس بأن كذا موجود في تاريخ بن خلدون والبعض الآخر يقول غير موجود"الخ ! وكذلك نلاحظ بأن الدكتور حسن اعتمد على العديد من المراجع بشكل غير مباشر، مما يعني أنه قرأ عددا محدودا ومعدودا منها معتمدا على الهوامش المدرجة فيها، وهذا ليس عيبا، لكن الإكثار منه يعطي انطباعا بأن المؤلف ضعيف الاطلاع وغير مسيطر على موضوعه ومادة كتابه. أما من حيث قيمة الكتاب، باعتباره إضافة إلى المكتبة العربية، فلا يوجد أدنى ملمح من ملامح التحليل والجهود والاستنتاج الفردي. كل ما في الكتاب هو عينة من التكرار والاجترار، ومحاولة إظهار ابن العاص على أنه بطل محرر وقائد مغوار وصحابي جليل مقدس معصوم، وهذا موجود في آلاف المراجع سلفا ولا نرى داعيا لتكراره فضلا عن مكافأة صاحبه بأعلى شهادة أكاديمية، أما بعد:

أدعو القارئ ليقارن بين هذا الكتاب، الذي جعل صاحبه دكتورا وعالما، وأحد الكتب المغضوب على أصحابها. وليكن مثلا "النبي إبراهيم والتاريخ المجهول" لسيد محمود القمني، أو "إسلام ضد الإسلام " للصادق النيهوم،  أو "أضواء على السنة المحمدية" لمحمود أبي رية، أو "فلسفة التأويل" لنصر أبي زيد، (ولا أقول "الشعر الجاهلي" لطه حسين، لأنه بصراحة كتاب ضعيف من الناحية الشكلية على الأقل، وإن كان يضم أدلة مقبولة على بطلان بعض الشعر والشعراء الجاهليين). أما سيد القمني، فقد اتهموه بأنه لا يحمل شهادة الدكتوراه ! مع أنه يبدو فوق 10 شواهد كما قال بنفسه ذات لقاء تليفزيوني !، أما الصادق النيهوم، فقد هاجمته مجموعة من الكتبة من معظم الدول العربوفونية إن لم نقل كلها. ولقد كتبت في إحدى فيسبوكياتي عن ذلك مقالة بعنوان "...إيلافهم رحلة الهجوم على النيهوم". أما محمود أبو رية، فقد اتهموه بأنه طالب فاشل أصدر كتابه الفاشل الخ! ومع ذلك هناك من كلف نفسه مؤونة الرد عليه كما جاء في كتاب بعنوان "البرهان في تبرئة أبي هريرة من البهتان" لعبدالله بن عبد العزيز بن علي الناصر، وهو رد على كتاب "شيخ المضيرة" لأبي رية، وكذلك رد على "أضواء على السياسة المحمدية" عبد الرحمن المعلمي اليماني في كتابه بعنوان "الأضواء الكاشفة"، وهو رد مفصل فيه الكثير من النقاط تستحق الاحترام. أما مصطفى السباعي، فلم يكن رده قويا في كتابه "السنة ومكانتها" كما قال بعض الكتبة عبر النت، لأنه لم يخصص هذا الكتاب للرد على أبي رية، وإنما رد عليه في جزء منه فقط، وهذا ليس موضوعنا الآن. 

أما نصر أبو زيد، فلقد حكمت المحمكة المصرية بالتفريق بينه وبين  زوجته الدكتورة ابتهال يونس !. (قارن بين مكافأة العالم والجاهل في هذه الأمة، ولا تستغرب مما نحن فيه من تخلف)، وقد رد عليه المدعو محمد عمارة في كتابه "التفسير الماركسي للإسلام"، فيه شيء من الدقة لا ننكرها، وإن استغرقت منه المقدمات (الإطناب) ما لا يقل عن 31 صفحة، مع العلم أنه كتاب صغير لا يتجاوز 120 صفحة. لكن ما أود أن يركز عليه القارئ، من خلال هذه الورقة، هو نقطة محددة، وهي المقارنة بين كتاب "تاريخ عمرو بن العاص" للعلامة الدكتور حسن إبراهيم حسن، وبين أي من الكتب التي ذكرناها. لا أقول بأن من في رأسه عقلا سيدرك حجم التأثير العاطفي والتقاليد الدينية العمياء على الأكاديمية العربية والعربوفونية، بل أقول: يكفي أن يكون للمرء عينان يقرأ بهما لغة العرب، سواء كان من أهل الاختصاص (المزعومين) أو من العامة، حتى يتبين له إلى أين وصل التثاؤب الأكاديمي في هذه الأمة المتخلفة، التي تطارد العلماء الأجلاء وتمجد الجهلاء الكسلاء، فوالله إنني لا أستبعد من أي طالب ثانوي أن يأتينا ببحث لا يقل جهدا عما بذله دكتورنا العالم حسن إبراهيم، فما بال تلك الجامعة تمنحه دكتوراه وما يسمى شهادة "العالمية"؟. هل كان ذلك مكافأة له على الجهود والأفكار الجديدة التي تتألف منها رسالته، أم هي مكافأة له على عدد الشعيرات التي تتألف منها لحيته؟...

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز


مصر...بين احتيال ابن العاص واحتلاله

 

تتجلى عبقرية عمرو بن العاص في إتقانه للعديد من الأدوار؛ فمن رعي الإبل، مرورا بالتجارة، و الإغارة ، ثم الاحتلال عن طريق النصب والاحتيال. أجدني أنحني احتراما وتقديرا لقدرته العجيبة على انتزاع الإسكندرية من المصريين بعد أن ساعدهم على تحريرها من الروم !. 
كالعادة، لن أتحدث بتفصيل، لكن ستبقى هذه الأوراق كعناوين لبحث معمق ومطول قد يتيسر لنا إجراؤه مستقبلا. لا نشك في أن معظم من يقدسون عمرو بن العاص لا يعرفون كيف، ومتى، ولماذا، وأين أعلن إسلامه. لكن بما أن الثقافة العربية مبنية على البعد الشفهي والشعبي والتسليم والتفويض على حساب التوثيق والجهود الفردية والتمحيص والتأويل، فلا تهم هذه الأمور بالنسبة للعربي التقليدي الذي لا هدف له في هذا الوجود ولا فائدة سوى الأكل والتكاثر. فكما قلت أكثر من مرة أن العربي يأكل كثيرا ولا ينتج إلا الأزمات. 
لقد كان إسلام ابن العاص من المتأخرين، وهو طبعا إسلام براغماتي بالدرجة الأولى، مع العلم أنه أعلن إسلامه في الحبشة وليس في جزيرة العرب، وعلى يد النجاشي وليس على يد محمد (ص)، أي أن هذا الصحابي الجليل كان قد فر من بلاد العرب إلى الحبشة، وقرر أن يراقب من بعيد ما ستؤول إليه الأمور؛ إذا انتصر المشركون، بقي على دين اللات والعزى، وإذا انتصرت الدعوة الإسلامية الهاشمية، أعلن إسلامه. لكن قبل أن ينتصر الإسلام بشكل واضح، علم ابن العاص بأن النجاشي يبارك هذه الدعوة الجديدة، وأنه سيدعمها، وبالتالي، فسينتصر الإسلام، ولذلك اقترح عليه النجاشي أن يبايع لكي لا يفوته قطار الفتوحات الإسلامية. ولعلكم تعرفون التعلق الهستيري بالإمارة لدى ابن العاص، فهذا أمر يعترف به حتى أشد الشيوخ تقديسا للصحابة. 
ملاحظة: (أعتقد أن دراسة العلاقة بين الدولة الهاشمية الإسلامية ومملكة الحبشة يمكن أن تجيبنا على العديد من علامات الاستفهام).
أعلن ابن العاص إسلامه، وطلب من النجاشي أن يمد يده كي يبايعه !..لا تضحك عزيزي القارئ، فوالله لو راجعت التراث العربي لما استغربت من هذه الأفعال التي توضح لك الدافع الحقيقي إلى ما تراه من الفتوحات الإسلامية، وأن نكتة الدعوة إلى الدين متروكة لي ولك من البسطاء المضحوك عليهم. مد النجاشي يده الشريفة، وبايعه عمرو ابن العاص على الإسلام، ثم عاد إلى الجزيرة ليبايع محمدا (ص)، وهو يعرف بأن ملك الحبشة على الأقل بات يدعم المشروع الهاشمي الإسلامي، ومن يدري، قد يوافق ملوك آخرون على دعم هذا المشروع !. بعد أن أعلن إسلامه (يعني: انخراطه في مشروع الفتوحات القادمة والغنائم والسبي والنساء..الخ) وبعد غزوه سوريا وفلسطين، يبدو لي أنه دخل في تنسيق سري مع المقاومة المصرية التي كانت تريد محاصرة الإسكندرية وتحريرها من الروم، علما بأن ابن العاص كان قد سبق له أن زار مصر واحتك بالمصريين قبل أن يصبح أميرا، ولذلك طلب من عمر بن الخطاب (رض) أن يأذن له باحتلال مصر بجيش لا يتجاوز4 آلاف جندي !. 
وطبعا نفهم من سهولة دخوله مصر أنه كان ببساطة مجرد قائد لدعم عسكري من المدينة المنورة للمقاومة المصرية، فبهذا المنطق وحده لم يقم المصريون بمحوه من الوجود هو وأتباعه. لكن بعد تحرير الإسكندرية من الروم، بدأت قصة الاحتيال التي أدت إلى الاحتلال. ولا عجب، فهذا معروف لمن يتتبع سلوك جيشنا الإسلامي، فهل قمنا مثلا باحتلال الأندلس لولا الاحتيال؟. لنكن صريحين حتى لا نموت كاذبين على أنفسنا في الحد الأدنى.
حين أراد أن يحتل مصر، قال عمرو ابن العاص لابن الخطاب (رض): "يا أمير المؤمنين إئذن لي أن أسير إلى مصر، إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا وأعجزهم عن القتال والحرب"(انظر "تاريخ عمرو بن العاص" لحسن ابراهيم حسن). لا يخفى عن العاقل (بل حتى الغبي) خلو هذا المشروع من الدعوة الدينية السمحة التي جاءت رحمة للعالمين، فالوسيلة هي السيف والغاية هي الغنائم باختصار. قال رفيق بك العظم في كتابه "أشهر مشاهير الإسلام" في حق ابن العاص: "إنه رجل فذ قل أن تنجب بمثله الأمهات لولا طمع فيه ربما أوخذ عليه أحيانا" (انظر "تاريخ عمرو بن العاص" للمؤلف المذكور) وطبعا نحن الآن لا نقتبس من مؤلفات المخالفين، بل ممن يقدسون هؤلاء. قال عثمان بن عفان (رض): "إن عمرا لمجرؤ وفيه اقدام وحب للإمارة"، ولا ننسى أن عثمان (رض) بمجرد أن تولى الخلافة عزل هذا الرجل عن مصر، وولى عليها أخاه في الرضاعة عبد الله ابن أبي سرح الذي لم يكن بالمصريين أرحم من سالفه بن العاص. وكما يعرف المهتمون بتاريخ هؤلاء، فإن ابن أبي سرح هذا شكك في نبوة محمد (ص)، وعاد إلى الوثنية بعد إسلامه، لكن يقال أن محمدا (ص) عفا عنه يوم فتح مكة، أي اليوم الذي أجبر فيه الجميع على الإسلام بما فيهم أبو سفيان.إذن، قام عثمان بعزل ابن العاص عن مصر التي أغرم بكنوزها ونسائها وأطفالها الذين كان يتاجر بهم ويبيعهم في الشرق كغيره من الأمراء العرب تحت شعار الإسلام، وبعد ذلك عرض دعمه العسكري على معاوية ضد علي بن أبي طالب مقابل توليته على مصر، وهذا ما حصل.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

الحقيقة امرأة عارية والمجاز رجل محتشم

 


قد يكون معظم شبابنا المسلم (السني) مازال محتفظا بإرث الأباء والأجداد الذين إذا رؤك تشاهد برنامجا أوتقرأ كتابا شيعيا، صرخوا في وجهك، ونصحوك نصيحة من يخاف عليك النار بألا تكرر هذه الفعلة أبدا ! ولا عجب، فنحن ورثنا نهيا واسع النطاق عن قراءة الكتب الفلسفية وغيرها، بل ما زال بيننا من يرفض أن يقرأ كتابا إلا بوجود شيخ أو بإذنه !! نعم، الكتاب ناطق باللغة العربية، لكن هذا النوع من العرب لا يقرؤه، ولا يفهمه، إلا بواسطة شيخ، بل إننا نجد كما هائلا من الكتب في شتى العلوم كان يتم تشفيرها عن قصد من أجل ألا يفهمها إلا ذوو الاختصاص، وهذا ليس حكرا على العرب وحدهم، بل كان موجودا عند الإغريق واليهود وغيرهم مثل كتاب "سر الأسرار" لأريسطوطاليس، وكتاب "القبالة أو الكبالة" التي ورثها اليهود عن الكنعانيين (الكبالة أعظم كتاب في مجال الحكمة الروحانية والسحر)، ويعتبر أصعب وأعمق كتاب على وجه الأرض. هناك باحثون يعتقدون بأن ما يسمى "الحروف المقطعة" في القرآن جاءت من هذا الكتاب، ومنهم الصادق النيهوم في كتابه "إسلام ضد الإسلام"، لكن حتى لا نبتعد كثيرا عن الموضوع، نقول: ليس غريبا على الإنسان العربي أن يجعل بينه وبين الكتاب شيخا، لأن الشخصية العربية الثقافية مبنية بواسطة الثقافة الشفهية (والشعبية) بالدرجة الأولى، وهذا يعني التبعية بالمعنى الأعمى للكلمة، وإلا فهل يستطيع كل سني أن يدعي بأنه يرفض المذهب الشيعي عن علم ودراية وقناعة؟.
بل هناك سؤال أبسط من ذلك، وهو: هل يستطيع كل سني أن يدعي بأنه يعرف مذهبه، وأن تسننه مبني على تلك المعرفة؟
الأمر ينطبق طبعا على الشيعة أيضا، فمن المضحك أن يقول قائل بأن جميع الشيعة عرفوا حدود مذهبهم قبل أن يتشيعوا، ومن المضحك أيضا القول بأنهم رفضوا المنهج السني بعد أن اطلعوا وعرفوا الفساد الذي وقع فيه بعض الصحابة، وأنهم جميعا عرفوا واقتنعوا بالتخريجات التي جعلت عليا (رض) خليفة للدولة الإسلامية الروحية والزمنية معا، وأن ذلك ركن من أركان الدين !.
ألا يعني هذا أن هؤلاء جميعا يخافون من العلم والحقيقة؟ إذا كنت سنيا لماذا تخاف من الاطلاع على المذهب الشيعي، أو العكس؟. دعني أخبرك باختصار: أنت تخاف من الحقيقة المجهولة، لأنك لست واثقا من حقيقتك المعلومة، وليتك تفهم بأن عدم وثوقك هذا أدعى لانفتاحك على الرأي الآخر. إنك تخاف من الاقتناع بهذا الرأي المخالف، لذلك تفضل أن تعامل نفسك دائما وكأنها قاصرة بحاجة إلى أكثر أساليبك ردعا واختصارا، وهذا إنما يحاكي فيك علاقة الابن بالأب، وهي علاقة القامع بالمقموع.
إذا سلمت معنا بأن امتناعك عن مجرد قراءة أو مشاهدة الرأي المخالف، إنما هو خوفك من الاقتناع به، فإنك تقر من حيث لا تشعر بأن الرأي المخالف يمكن ألا يكون أقل صحة وقوة وتأثيرا من رأيك. وإذا سلمنا بهذا، فمعناه أن الحد الفاصل بين صوابك وخطأ مخالفك ليست له قيمة موضوعية، بل هو حد ذاتي بالدرجة الأولى. لنترك هذه النقطة الآن جانبا. 
كما قلنا عن السني أو الشيعي الذي ليس من الضروري أن يقتنع قبل أن يعتنق، ولا يملك وقتا لذلك أصلا، نقول: الأمر نفسه ينطبق على المسلم بصفة عامة، فكما أسلفنا، لا يستطيع أحد، مهما تفلسف وتحذلق، أن يدعي بأن اقتناعه بالدعوة الإسلامية سبق اعتناقه، والدليل على ذلك، أننا جميعا مجبرون على الإسلام ونحن أطفال، بل إننا نعلن إسلامنا قبل أن نعرف من أين جئنا وكيف ولدنا، لأن العديد من الوالدين لا يخبرون أطفالهم بأنهم يولدون من فروج أمهاتهم كنتيجة لتواصل جنسي، وإنما يفضلون أن يخبروهم بأننا أفضل أمة أنجبها التاريخ كنيتجة لجهاد إسلامي (لا أدري إن كان بإمكانك أن تلاحظ علاقة بين الجهاد والجنس هنا: فكلاهما غامض في ثقافة العرب، تارة يفتخر العربي بالجهاد وتارة ينكر أن يكون الإسلام قد انتشر بالسيف !). هكذا، فالعربي لا يهمه كيف يولد الفرد ، بل يهمه فقط كيف ولدت الأمة. لا يهتم بالولادة الحقيقية بقدر ما يهتم بالولادة المجازية. فكأن الحقيقة امرأة عارية في ثقافة العرب، وكأن المجاز رجل محتشم. فالعرب مجازيون في جانب كبير من حياتهم، ترفض شخصيتهم الجماعية أن تواجه الحقيقة كما ترفض المرأة العارية في الشارع. وكما أن الإسلام يجب ما قبله، فكذلك لا داعي لإخبار الطفل كيف ولد (بل كيف وجد) ما دام موجودا. لكأن معرفة الطفل بنا لا تهمنا، بقدر ما تهمنا معرفتنا به ! وكأن معرفته تحاكي جاهلية الأمة، بينما معرفتنا تحاكي الإسلام. وهكذا يتعلم الطفل كيف يتقبل النتائج دون السؤال عن المقدمات، وقد يعيش أكثر من مائة سنة محاضرا ومناظرا في شؤون النتائج دون أن يسأل نفسه، ولو مرة واحدة، عن المقدمات ! لأنها لم تصبح مجرد مسلمات أو بدهيات بنظره، بل أصبحت فطرة ! فهل بيننا من سأل والده أو أمه: لماذا أصلي؟
وإذا كان موجودا والحمد لله، فهل أخبره والداه لماذا يتعين عليه أن يصلي؟
لنفرض جدلا أن هناك من تجرأ وسأل والديه عن معجزة محمد (ص) التي من المفروض أن تثبت نبوته، ولنفرض أنهم أجابوه بالقول أن معجزة محمد (ص) هي القرآن. فهل يعرف جميعنا كيف يكون القرآن معجزة؟
دعونا من الإسراء والمعراج، فلقد سبق أن قلنا بأنها ليست معجزة، لكن هذا لا يعني أننا ننكرها، فنرجو عدم تقويلنا ما لم نقل.
لنفرض أن المعجزة الثانية تتمثل في عدد الناس الذين اتبعوه (ص)، لكن ماذا عن الناس الذين لم يتبعوه؟
وماذا عمن ارتد بعد أن اتبعه؟
كارل ماركس مثلا، تبعه الملايين من الناس رغم أنه لم يحمل سيفا قط، فهل سنضع أولائك الأتباع في رصيده الإعجازي، ونقول: كاد ماركس أن يكون نبيا لولا أنه لعن الأنبياء والأرباب جميعا؟
ماذا عن ظهور العديد من دعاة النبوة مثل مسيلمة والأسود العنسي وسجاح التغلبية وغيرهم؟
وماذا عن قتل هؤلاء المتنبئين؟
لنفرض أن النبي (ص) لم يأمر بقتل هؤلاء المتنبئين، فهل كان من الممكن أن يأتوا بالمعجزات التي يفترض أن نبينا (ص) جاء بها؟
إذا جاؤوا بها، فإذن هم أنبياء الله مثله، وإذا لم يأتوا بشيء مما جاء به (صلى الله عليه وسلم) فلماذا كان لا بد من قتلهم؟
لماذا لم يُتركوا أحياء كي يقتنع الجميع بأن نبوته تفوق نبوتهم؟
مادام مسيلمة الكذاب مثلا كان أضحوكة تمشي على قدمين، وأنه كان فعلا صاحب تلك الأشعار السخيفة المنسوبة إليه، فإذن هو يدعم نبوة نبينا محمد (ص) من حيث لا يدري، فلماذا كان لا بد من قتله؟
لكي نستوعب جيدا هذه النقطة، لنفرض أن أحدكم طلب منه جمهوره أن يجري مناظرة مع أحد المخالفين على إحدى القنوات الفضائية، ولنفرض بأن مرشحكم قام بقتل مناظره قبل أن تبدأ المناظرة، فهل سيعني ذلك أن مرشحكم كانت له الغلبة في المناظرة؟ وأن وجهة نظرة صائبة، بينما كان خصمه مخطئا؟
ثم لنفرض أن الدعوة الإسلامية دينية ربانية تماما كما نعتقد، إذن لماذا قبل النبي (ص) أفواجا من المتأسلمين بالقوة أو بدافع المصلحة، كما هو الشأن مع ما يسمى في القرآن "المؤلفة قلوبهم"؟. لعلكم لا تجهلون بأن هؤلاء كانت الدولة الإسلامية تدفع لهم مقابل بقائهم على الإسلام، وعلى رأسهم أبو سفيان، فهل هذا كله لا يستحق حتى أن يخطر على بالنا؟
وهل سيعاقبنا الله لمجرد أننا نبحث عنه وعن حقيقة رسالته (سبحانه) بين أطنان من التزييف والأكاذيب والتشويش والمبالغات وعجائب المناقب وغرائب المثالب؟
هل سيعاقبنا الرب لمجرد أننا نفضل ألا نبحث عنه في ركام الباطل؟
ألا يفترض أن يكون سبحانه أكثرنا رفضا لهذا الباطل؟
ثم لنفرض أن حقيقة الرب موجودة تحت هذه الركام من الأباطيل بالضبط، فهل سيعاقبنا نحن ضحايا البحث الشاق، أم سيعاقب من أسقط سقف السماء على رأس حقيقته وخسف بها الأرض وأغرقها تحت أنقاض تلك الأباطيل؟
لماذا لا نناقش كل شيء؟
هل تعتقد فعلا أن الله (بهذا الجلال والعظمة والإكرام والعزة والجبروت) سيعاقبك لمجرد أنك تشك في مصداقية أبي هريرة الذي أعطاك كل ما تحتاج إليك من أسباب التشكيك في أهليته لرواية الحديث الشريف؟
لماذا لا يعاقب أبا هريرة إن كان كاذبا؟
وإن لم يكن كذلك، لماذا لا يعاقب أصحاب المصادر التي تحدثت عن سيرته من كلا الفريقين؛ السنة والشيعة؟
لمصلحة من يبدو الرب غير قادر على أن يفهمني أو يتفهم مشاعري حين أشكك فيمن مدني بجميع أدوات الشك؟
لمصلحة من يجب أن يبدو الرب (سبحانه) لغزا، أو (على سبة) كما نقول باللهجة المغربية، لا يسمح نهائيا بأي نقاش يستهدف التأكد من اتصاله بسكان هذا الكوكب؟
وللحديث بقية.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز