الجمعة، 10 أبريل 2026

دكتوراه العاطفة وعالِمية اللحية

 

 

من أسخف ما قرأت مؤخرا، من الرسائل الأكاديمية العربية، رسالة بعنوان "تاريخ عمرو بن العاص" للعلامة الدكتور حسن إبراهيم حسن، وهي الرسالة التي حصل بها على شهادة "الدكتوراه" و"العالمية" (يعني: أصبح عالما !) من الجامعة المصرية سنة 1921. ربما يتوقع القارئ بأن الكتاب يتألف من 700 أو 800 صفحة مليئة بالتفاصيل ودقائق الأمور، كغيره من الرسائل التي تحاول أن تتسم بشيء من العمق والجدية والجديد. لكن، للأسف، هذا الكتاب، الذي بفضله أصبح السيد حسن دكتورا وعالماً في الأدب العربي، يتألف من 258 صفحة ، بما في ذلك العديد من الصور والتخاطيط الجغرافية !. أما من حيث ضبط الإحالات إلى المصادر والمراجع، فإن الكتاب من أضعف الكتب التي قرأتها بكل صراحة. أما من الناحية العلمية، فيبدو واضحا أن دكتورنا العالم مازال غير مطلع حتى على بعض أمهات الكتب الأساسية في التراث العربوفوني، مثل تاريخ ابن خلدون، حيث يقول مثلا: "وقال بعض الناس بأن كذا موجود في تاريخ بن خلدون والبعض الآخر يقول غير موجود"الخ ! وكذلك نلاحظ بأن الدكتور حسن اعتمد على العديد من المراجع بشكل غير مباشر، مما يعني أنه قرأ عددا محدودا ومعدودا منها معتمدا على الهوامش المدرجة فيها، وهذا ليس عيبا، لكن الإكثار منه يعطي انطباعا بأن المؤلف ضعيف الاطلاع وغير مسيطر على موضوعه ومادة كتابه. أما من حيث قيمة الكتاب، باعتباره إضافة إلى المكتبة العربية، فلا يوجد أدنى ملمح من ملامح التحليل والجهود والاستنتاج الفردي. كل ما في الكتاب هو عينة من التكرار والاجترار، ومحاولة إظهار ابن العاص على أنه بطل محرر وقائد مغوار وصحابي جليل مقدس معصوم، وهذا موجود في آلاف المراجع سلفا ولا نرى داعيا لتكراره فضلا عن مكافأة صاحبه بأعلى شهادة أكاديمية، أما بعد:

أدعو القارئ ليقارن بين هذا الكتاب، الذي جعل صاحبه دكتورا وعالما، وأحد الكتب المغضوب على أصحابها. وليكن مثلا "النبي إبراهيم والتاريخ المجهول" لسيد محمود القمني، أو "إسلام ضد الإسلام " للصادق النيهوم،  أو "أضواء على السنة المحمدية" لمحمود أبي رية، أو "فلسفة التأويل" لنصر أبي زيد، (ولا أقول "الشعر الجاهلي" لطه حسين، لأنه بصراحة كتاب ضعيف من الناحية الشكلية على الأقل، وإن كان يضم أدلة مقبولة على بطلان بعض الشعر والشعراء الجاهليين). أما سيد القمني، فقد اتهموه بأنه لا يحمل شهادة الدكتوراه ! مع أنه يبدو فوق 10 شواهد كما قال بنفسه ذات لقاء تليفزيوني !، أما الصادق النيهوم، فقد هاجمته مجموعة من الكتبة من معظم الدول العربوفونية إن لم نقل كلها. ولقد كتبت في إحدى فيسبوكياتي عن ذلك مقالة بعنوان "...إيلافهم رحلة الهجوم على النيهوم". أما محمود أبو رية، فقد اتهموه بأنه طالب فاشل أصدر كتابه الفاشل الخ! ومع ذلك هناك من كلف نفسه مؤونة الرد عليه كما جاء في كتاب بعنوان "البرهان في تبرئة أبي هريرة من البهتان" لعبدالله بن عبد العزيز بن علي الناصر، وهو رد على كتاب "شيخ المضيرة" لأبي رية، وكذلك رد على "أضواء على السياسة المحمدية" عبد الرحمن المعلمي اليماني في كتابه بعنوان "الأضواء الكاشفة"، وهو رد مفصل فيه الكثير من النقاط تستحق الاحترام. أما مصطفى السباعي، فلم يكن رده قويا في كتابه "السنة ومكانتها" كما قال بعض الكتبة عبر النت، لأنه لم يخصص هذا الكتاب للرد على أبي رية، وإنما رد عليه في جزء منه فقط، وهذا ليس موضوعنا الآن. 

أما نصر أبو زيد، فلقد حكمت المحمكة المصرية بالتفريق بينه وبين  زوجته الدكتورة ابتهال يونس !. (قارن بين مكافأة العالم والجاهل في هذه الأمة، ولا تستغرب مما نحن فيه من تخلف)، وقد رد عليه المدعو محمد عمارة في كتابه "التفسير الماركسي للإسلام"، فيه شيء من الدقة لا ننكرها، وإن استغرقت منه المقدمات (الإطناب) ما لا يقل عن 31 صفحة، مع العلم أنه كتاب صغير لا يتجاوز 120 صفحة. لكن ما أود أن يركز عليه القارئ، من خلال هذه الورقة، هو نقطة محددة، وهي المقارنة بين كتاب "تاريخ عمرو بن العاص" للعلامة الدكتور حسن إبراهيم حسن، وبين أي من الكتب التي ذكرناها. لا أقول بأن من في رأسه عقلا سيدرك حجم التأثير العاطفي والتقاليد الدينية العمياء على الأكاديمية العربية والعربوفونية، بل أقول: يكفي أن يكون للمرء عينان يقرأ بهما لغة العرب، سواء كان من أهل الاختصاص (المزعومين) أو من العامة، حتى يتبين له إلى أين وصل التثاؤب الأكاديمي في هذه الأمة المتخلفة، التي تطارد العلماء الأجلاء وتمجد الجهلاء الكسلاء، فوالله إنني لا أستبعد من أي طالب ثانوي أن يأتينا ببحث لا يقل جهدا عما بذله دكتورنا العالم حسن إبراهيم، فما بال تلك الجامعة تمنحه دكتوراه وما يسمى شهادة "العالمية"؟. هل كان ذلك مكافأة له على الجهود والأفكار الجديدة التي تتألف منها رسالته، أم هي مكافأة له على عدد الشعيرات التي تتألف منها لحيته؟...

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق