في البدء، كان الصراع سيكولوجياً بين
الأب والابن حول الأم (عقدة أوديب). وصراع
مواز بين الأم والبنت حول الأب (عقدة إلكترا).
ثم تطوّر إلى صراع ديني بين الرجل
والمرأة حول انتخاب الإله، فانتصرت المرأة وانتخبت مجموعة من الآلهة إناث. سيطرت
الآلهة الإناث على السماء كما سيطرت النساء على الأرض، والسبب في انتصار المرأة هو
انتشار وعيها بأنها هي (الوحيدة) من
تنجب الأبناء، كما أن الأرض هي الوحيدة التي
تنبت الزرع وهناك باحثون يقولون بأن المرأة هي التي اكتشفت الزراعة (وهذا ما يسمى
بالعصر الحجري الحديث). لكن الرجل لم يستسلم، فما إن اكتشف بأن الأبناء يأتون من صلبه،
حتى ثار على المرأة مؤكدا بأنه هو الجدير بالقيادة، وأن السماء (الأب الذي في
السماء) هو المسؤول عن إنبات الأرض، إذن فلابد أن الإله ذكر. ومن هنا تم
انتخاب إله ذكر وتم اتخاذه أبا للبشر والنبات ضدا على المرأة والأرض. طويت صفحة
الصراع الديني إبان العصر الحجري الحديث حسب تقديري، وبدأ الصراع الطبقي بين
المزارعين والرعاة..دام طويلا، ومن أبرز مظاهره أن الرعاة انتخبوا الثور إلهاً
وحاولوا إقناع المزارعين بأنّ هذا الرّب الجديد هو من يخصب الأرض وهو من يخلقهم. ولقد تحولت قرون
الثور الإله إلى هلال، ومن خلال عبادة الهلال صار القمر إلها، وينبغي التذكير بأن
عبادة القمر/الهلال/الثور ماتزال تاركة أثرها حتى في اللاشعور الإسلامي، علما بأن
المسلمين لهم علاقة وطيدة بالشهور القمرية، ويُرمز للإسلام بالهلال، وكذلك نجد الهلال
على المآذن...الخ.
لما
انتصر المزارعون على الرعاة، وآسروا منهم حشودا هائلة، جعلوهم عبيدا. ومن هنا بدأ
الصراع بين السادة (الذين كانوا مزارعين) والعبيد (الذين كانوا رعاة). وقد نجد من يشير إلى أن قابيل لم يكن إلا رمزا للمزراع الذي
انتصر على الراعي هابيل. المهم، انتصر العبيد أخيراً ولو في مكان محدد فأجبروا السادة
على التنازل. ومن هنا بدأ الصراع الطبقي بين النبلاء والأقنان، وهذا ما يسمى
بـ "المجتمع الإقطاعي". انتصر الأقنان
في أوروبا ونقلوا المجتمع إلى صراع متطوّر بين البورجوازيين والبروليتاريا (العمال) وهذا ما يسمى بـ
"المجتمع الرأسمالي". انتصرت
البروليتاريا جزئيا، لكنها سرعان ما انهارت جزئيا أيضا بانهيار الاتحاد السوفياتي. وقد أعلن
فوكوياما عن نهاية التاريخ، لكن الواقع أن التاريخ لم ينته، بل استدار عائدا إلى
عصور الجاهليات العظمى، وهذا جزء من العود الأبدي الذي بلوره نيتشه، لأن الشيوعية
السوفياتية انهارت على يد إيديولوجيات دينية، على رأسها الإسلام، وقبل ذلك نرى
التاريخ يستدير بقوة في إيران عائدا بالشعب الإيراني إلى العصور الوسطى، ثم سرعان
ما التحقت بإيران بعض البلدان العربية، وانفجرت البلدان التي لم تلتحق بها فألقت
بحمم الجماعات الإرهابية في كل مكان. وهنا مسألة دقيقة تحتاج إلى تركيز، وهي؛ أن الربيع العربي كثيرا
ما تعالت في أصوات تقول "ثورة الشباب..."
ثم
سرعان ما رأينا الشيوخ (شيوخ الدين) يسيطرون على الأوضاع بسرعة ويحققون انتصارا ساحقاً على الشباب،
ولا ننسى بأن ذلك الصراع (أو الربيع العربي) بدأ بانتحار "شاب"
في
تونس حرقا (عقدة أنباذوقليس) وبلغ أوجه في مصر على يد "شاب"
أخر
كان من المفروض أن يصبح من المشاهير، لكن المفاجأة أنه اختفى، وإلى درجة أنني لم
أعد أذكر اسمه!. فبقليل من مطالعة تراث سيجموند فرويد، سيتبيّن لك بأن هذه
المظاهر لم تكن مجرد صدف أو أمور عابرة، بل إن الأمر في العمق يتعلّق بعودة هذه
المجتمعات إلى مستوى الصراع السيكولوجي بين الابن (الشاب) والأب (الشيخ)!.
(من أرشيف تدويناتي على
الفيسبوك)
سعيد
بودبوز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق