بالأمس رأيت شابا مغربيا، من الدار البيضاء، يعلن تشيعه أمام الشيخ المغضوب عليه "ياسر الحبيب" الذي عقد له حفلا في قناته، ولقنه طقوس التشيع من شهادة النبوة، مرورا بالولاية، وانتهاء بلعن الصحابة أجمعين، وخاصة عائشة (رضي الله عنها)، والتي اتهمها بالفاحشة والزنا في كتابه الضخم الذي يتألف من 1050 صفحة بعنوان "الفاحشة-الوجه الآخر لعائشة"، وحين ذكر الشاب المغربي الاتهام القرآني الوارد في سورة "التحريم"، قال له ياسر الحبيب: "نعم، هذه السورة تكفي لإيضاح ما اقترفته عائشة وحفصة.". لما سألوا الشاب المغربي (يبدو في العشرين من عمره) عن سبب تشيعه، قال بأنه قرأ ما وقع في القرن الأول للهجرة ووجد هناك تناقضا كبيرا كرسه إمامنا مالك (المهيمن في المغرب)، ولكن ليت هذا الشاب تعمق بعض الشيء، ليجد أنه حتى التشيع لم ينجُ من التخريف وما لا يقبله العقل الحر بتاتا، وعلى رأس ذلك الولاية التكوينية والحاكمية الإلهية (يعني لا مكان لحقوق الإنسان والديمقراطية في العقيدة الشيعية)، وليته سأل نفسه: كيف تكون ولاية علي (رض) أصلا من أصول العقيدة رغم أنها غير منصوص عليها بالنص المحكم وأنها مجرد اجتهاد شخصي لا يستند على أي أساس صريح؟ وكيف تكون كافرا لمجرد أنك لا تؤمن بالولاية التكوينية لعلي (رض)؟. لكن من جهة أخرى، أعني جهتنا السنية التي تحولت إلى سلة خرافات، نجد شيوخنا، حين يناظرون شيوخ الشيعة، يتباهون ويؤكدون لهم بأن مذهبنا السني لا يكفر من لا يؤمن بالصحابة، وأن هؤلاء الصحابة ليسوا ركنا من أركان العقيدة، لكن خطابهم الموجه إلى أبناء جلدتهم يؤكد بأن مجرد التشكيك في عصمة الصحابة وقدسيتهم يعتبر كفرا وكفى ! لنلقي نظرة على مثال واحد مما يدل على تعفن هذه العقلية، إذا قلت لأحد الشيوخ لماذا تقول: "معاوية صلى الله عليه وسلم"، و"عمر بن الحمق صلى الله عليه وسلم" الخ؟ سينفجر غضبا ويقول لك: أنت تبالغ، فنحن نصلي ونسلم على النبي ونترضى عنهم.. لكن لنتأمل هذه الجملة "اللهم صلي وسلم على سينا محمد وعلى آله وصحبه". فالواو هي واو العطف، ينطبق على العاطف بعدها ما قيل عن المعطوف حتى وإن تم حذفه، أي حتى وإن حذفنا "سيدنا محمد وآله"، فلن يغير ذلك شيئا من صلاتنا وسلامنا على صحبه (يعني أصحابه)، فإذن لا داعي للاختباء وراء الحروف. الحاصل أننا نصلي ونسلم على كل الصحابة خمس مرات في اليوم على الأقل، مع العلم أن هؤلاء الصحابة تقاتلوا على السلطة والمال والجاه وغير ذلك كما يفعل أي قادة سياسيين في أي زمان ومكان. منهم القاتل ومنهم المقتول، فنحن ببساطة لا نتجاوز عن القاتل فحسب، بل نصلي ونسلم عليه تسليما ! والحق أن مذهبنا السني، الذي صنعه القصر الأموي، لا يستقيم إلا بمجموعة من التناقضات العملاقة، منها تناقضات تاريخية كما أشرنا، والتي أفرزت مصائب عقائدية، ومنها تناقضات كلامية (لاهوتية/ثيولوجية) وهي إيمان السني بالعدالة الإلهية والقضاء والقدر في نفس الوقت، يعني: الله عادل وفي نفس الوقت ظالم، لأنه يحكم على البعض بالنعيم قبل أن يولدوا، ويحكم على البعض الآخر بالجحيم كذلك، قبل أن يولدوا ! لماذا؟ ! العلم عند المعتزلة وحدهم !. وكما ترى عزيزي القارئ أن هتلر نفسه بحاجة إلى ملء الأمازون وحشيةً كي يرتقى إلى هذا المستوى الرفيع من العنصرية، فلا ننسى أن عنصريته كانت مقيدة بالمقارنة مع العنصرية الربانية التي يعتقد بها الإنسان العربي السني، لأن هتلر كان يذبح بعض الأعراق الأجنبية خوفا من أن تبتلع الشعب الألماني الصغير، أما عقيدتنا في القضاء والقدر فهي تقوم على الإيمان بعنصرية جبارة غير مشروطة ولا مفهومة ولا مسؤولة ولا مبررة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تجتمع مع العدالة، لكن مع ذلك لا يجد العقل العربي السني حرجا من الاعتقاد بالعدل والقدر في نفس الوقت، وإن حاول المعتزلة أن ينقذوه من هذه الظلمات المنطقية الصحراوية العجيبة، وكما تعرفون أن عقول المعتزلة ليست عربية، أي لم تأت من الصحراء على ظهور الإبل، بل هي ثمرة الأعاجم الذين نشروا الفلسفة الإغريقية وغيرها في بداية العصر العباسي الذي سيطر في الفرس على الخلفاء.
الإسلام
ليس دين الكهنوت ولا شعب الله المختار ولا عنصرية ولا رهبانية ولا أقانيم ثلاثة
ولا عبادة الأحجار ولا التوسل بالجبال، لكنه فقط (وفقط) دين المفتين وخير أمة
أخرجت للناس وقومية عربية والطبقية وأكثر من ثلاثة أقانيم (الله وملائكته ورسله
واليوم الآخر...الخ) وثلاثة جبال فقط (عرفة والصفا والمروة) وحجر واحد (أي الحجر
الأسود)..وبهذا نكون نحن المسلمون قد جئنا بالجديد والأصح مما لم يسبقنا إليه أحد،
فنحن أمة وسطى ليست يمينية ولا يسارية ولا شرقية ولا غربية، أصلها في الرمال
وفرعها في الخيال.
(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق