الخميس، 9 أبريل 2026

هل يجوز للمسلمة أن تفعل ما تريد مع ملك يمينها (أو عبيدها)؟

 

من سوء حظ المرأة المسلمة أن آية "رضاع الكبير" أكلها داجن قبل أن يتم جمع القرآن، ومن المفروض أن هذا "الداجن" قد أكل معها الرجم أيضا، لكن، كما ترى صديقي القارئ، ذهب الرضاع (أدراج الطمس) وبقي الرجم يقام كحد من حدود الله، لأن الرضاع ربما يخدش كبرياء الذكر العربي المتلذذ باستعباد المرأة. لذلك لا نسمع أحدا من شيوخ المساجد والفضائيات يتحدث عنه، مع أنه جزء لا يتجزأ من ديننا الحنيف، ولا سبيل لنفيه إلا بتكذيب صريح للسيدة عائشة (رض)، وهذا لا يليق كما تعرفون. تقول عائشة رضي الله عنها: "لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته؛ دخل داجن فأكلها" (انظر: سنن بن ماجة، ومسند أحمد).

إذن يجوز للمرأة المسلمة أن تُرضع أي رجل خمس مرات، وبعد ذلك يجوز له أن يختلي بها كما يريدان، لأنه أصبح محرما عليها كما كانت عائشة (رض) تفعل حسب العديد من الروايات السنية الصحيحة وغيرها. فلماذا يحاول الشيوخ أن يطمسوا هذا الحق الذي أعطاه الله للمرأة؟.

هل يجوز لنا أن نحرم ما أحل الله ونمنع المرأة من تقليد عائشة رضي الله عنها؟. لماذا لا يتحدث شيوخ ديننا الحنيف عن حق آخر أعطاه الإسلام للمرأة، ألا وهو حقها في أن تفعل ما يحلو لها مع عبدها أو ما ملكت يمينها؟. وإلا فما معنى الآية الكريمة التالية: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ 

ألم يتم تفسير قوله تعالى "أو ما ملكت إيمانهن" بأن المقصود هو عبيد المرأة؟". ألا يعني هذا أن الإسلام الحنيف يجيز للمرأة أن تفعل ما تشاء مع ملك يمينها كما يجوز للرجل؟. قد يتدخل أحد جهلاء النت كالعادة، ليحاول تأويل الآية على طريقة دونكيشوت من أجل الحفاظ على إسلام العادات والتقاليد (الإسلام الشفهي/الشعبي)، وليس على إسلام الله ورسوله (ص)، لكني أنصح بقليل من الحذر، لأن الأمر ليس بالسهولة والسطحية التي يتصور من لا يعرف عن دينه إلا ما أخذه مشافهة عن هذا وذاك، فلقد فسر علماء السنة الآية كما قلت أعلاه، في بطون المراجع (المكتوبة)، وكل ما في الأمر أن هناك طمسا حقيقيا لجزء لا بأس به من الدين من أجل العديد من المصالح، إما سياسية، أو قومية (طغيان العروبة)، أو جنسية (طغيان الذكورة)، أو طائفية، أو مذهبية..الخ. لنلاحظ كيف أن هذه المسألة كانت محسومة (في مذهبنا السني) وهي جواز أن تكشف المرأة حتى عورتها أمام عبدها أو ما ملكت يمينها، فلقد روى النسائي عن عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب قال: "أخبرني أبو عبد الله سالم سبلان قال-وكانت عائشة تستعجب بأمانته وتستأجره-: فأرتني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فتمضمضت واستنثرت ثلاثا، وغسلت وجهها ثلاثا، ثم غسلت يدها اليمنى ثلاثا، واليسرى ثلاثا، ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخَّرِه، ثم أمرَّت يدها بأذنها ثم مرت على الخدين. قال سالم: كنت آتيها مكاتَباً ما تختفي مني. فتجلس بين يديَّ وتتحدث معي، حتى جئتها ذات يوم فقلتُ: ادعي لي بالبركة يا أم المؤمنين. قالت: وما ذاك؟ قلت: أعتقني الله. قالت: بارك الله لك. وأرخت الحجاب دوني فلم أرها بعد ذلك" (انظر سنن النسائي ج1ص86) كما أشار إليه ياسر الحبيب في الصفحة 848 من كتابه "الفاحشة" الذي لا نتفق مع ما جاء فيه من الهجوم طبعا، وإن كنا نوافق على ما يستشهد به من مصادرنا السنية الصحيحة. وما يهمنا في هذه الورقة هو ملاحظة الطريقة التي تناول بها مشايخنا السنة هذه الرواية، فلقد قال عبد العزيز بن عبد الله الراجحي في كتابه "شرح سنن النسائي- كتاب الطهارة ج 6": "هذا الحديث منكر المتن وشاذ وضعيف السند، فهو حديث ليس بصحيح، فأما الشذوذ والنكارة ففي موضعين أحدهما أشد من الآخر، الموضع الأول: أن عائشة لم تحتجب عن سالم سبلان وهو ليس عبدا لها ! ولا مكاتبا لها !". ولقد استشهد الراجحي بالآية التي ذكرناها سالفا، ثم أضاف قائلا: "وهذا ليس مما ملكت يمينها وليس عبدا لها ولا مكاتبا لها، فكيف كشفت له عائشة وتجلس معه؟ ". لسنا هنا لنتهم عائشة (رض) بالزنى والفاحشة كما فعل أمثال ياسر الحبيب في كتابه "الفاحشة-الوجه الآخر لعائشة"، والذي اعتمد على ما سنذكره من المصادر، بل نريد أن نسوق مثالا على قبول مشايخنا السنية لهذه المسألة، أما نفي الراجحي للرواية المذكورة  فلا بد من التذكير بأن أحد كبار مشايخنا السنية، وهو الألباني، قد "حكم على الرواية بالصحة" كما ذكر ياسر (ولا حرج من الاتفاق معه في هذه النقطة) وهو يشير إلى ذلك في كتاب "صحيح وضعيف سنن النسائي" للألباني. وهذا يعني أن الألباني يوسع كثيرا على المرأة المسلمة من خلال قبوله لنموذج عائشة (رض) بخلاف الراجحي (الوهابي) الذي يقبل من المرأة أن تفعل ما تريد مع الرجل شريطة أن يكون عبدا لها أو مكاتبا أو مما ملكت يمينها، وهو بهذا يتفق مع نص القرآن على الأقل حتى وإن غامر بإضعاف الرواية المذكورة عن وضوء عائشة أمام "سالم سبلان". مع العلم أن هذا الحديث قد أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير ج4" وقد بتره على حد قول ياسر الحبيب (انظر كتابه "الفاحشة" ص851).

إذن، لقد نقلت إلينا عائشة (رض) مجموعة من المسائل ربما لم ينتبه إليها معظم المسلمات في هذا العصر بسبب سكوت الشيوخ (الذكور) عنها، ومن بين هذه المسائل أنه يجوز للمرأة (بصريح العبارة) أن تختلي بأي رجل، شريطة أن ترضعه خمس مرات (كانت 10 مرات ثم نسختها رواية الـ 5 مرات)، أو ترضعه أختها كما كانت عائشة (رض) تطلب من أختها أم كلثوم أن ترضع من يريد أو تريد هي أن يدخل عليها كما أورد مصعب بن الزبير الذي قال: ""أرضعت أم كلثوم بنت أبي بكر أبا سلمة فكان يتولَّج على عائشة"، (انظر كتاب "التمهيد" لابن عبد البر، و "أخبار القضاة" لوكيع، و"التعديل والتجريح" لسليمان بن خلف الباجي، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي، و"عمدة القاري" لبدر العيني). هذه هي المراجع التي أشار إليها الرافضي ياسر في الصفحة 859 من كتابه المذكور.

توضيح: أنا لا أتحدث هنا عن رضاع الأطفال، بل أتحدث عن الرجال مهما كانت أعمارهم كما جاء في رواياتنا الإسلامية الصحيحة (وفق شروط "علم الرجال" أو"الجرح والتعديل"). ومن أراد أن يتوسع أو يتعمق فيما يجوز للمرأة المسلمة في هذه الأمور-انطلاقا من عائشة كنموذج- بإمكانه الرجوع إلى المصادر التالية:

صحيح البخاري، صحيح مسلم، صحيح بن حبان، سنن البيهقي، سنن النسائي، سنن ابن ماجة، سنن الدارمي،  سنن أبي داوود، مسند أحمد بن حنبل، مسند الحميدي، مسند بن رهوية، مسند الشافعي، "المصنف" للصنعاني، "المحلى" لابن حزم، "المنتقى" لابن الجارودي، "التاريخ الكبير" للبخاري، "المستخرج" لأبي عوانة، "بدائع الصنائع" لأبي بكر الكاشاني، "الموطأ" لمالك بن أنس، "التمهيد" لابن عبد البر، "الطبقات الكبرى" لابن سعيد، "شرح موطأ مالك" للزرقاني، و"المستدرك" للحاكم.

والسلام عليكم.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق