إن مراجعة التاريخ الإسلامي وحده، ناهيك عن تاريخ العرب البائدة
والوائدة والجاهلة، سيخلص إلا أنه لا توجد تقريبا أية صيغة للتفاهم بين الحاكم
والمحكوم العربيين. فهل شهد العرب حاكما أعدل من عمر (رضي الله عنه)؟ قطعاً لا، لم
تنجب هذه الأمة حاكماً بوزن عمر بن الخطاب، وأرجو ألا يتسرع زميلي الملحد فيصنفني ضمن
المجترين، فأنا لا أعرف باحثاً صديقا ولا عدوا استطاع النيل من
عدل
عمر، اللهم إلا الباحث عن الجحيم المدعو أبا لؤلؤة لعنه الله. لقد قتلوا عمراً
لأنه ببساطة تجاوز المألوف العربي المنحط وكاد يحقق بهم قفزة نوعية في اتجاه
الديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه حديثاً. وأرجو كذلك من القارئ أن يكون عنده شيء
من الحس التاريخي، فليس المطلوب أن نقارن بين دولة عمر ودولة ساركوزي، وإنما الدقة
تقتضي منا أن نقارن بين دولة عمر ودولة الرومان التي عاصرته. فرغم أن الرومان كانت
لهم تجربة أقدم بكثير من التجربة الإسلامية عموما والتجربة العمرية خصوصا، إلا أن
عدله استطاع أن يطغى على طغيانهم. أليس عمر بن الخطاب هو الوحيد الذي لم يكن يفرق
بين الأمير والمأمور والسيد والعبد والذكر والأنثى والغني والفقير؟ إنني أعني ما
أقول، فهناك أدلة قاطعة على ذلك. أليس هو الذي امتنع عن أكل السمن في عام "الرمادة"
بعد أن علم بانه يوجد في دولته مواطنون لا يملكون ثمنه؟ مع ذلك قتلوه، لماذا؟
لأنهم ببساطة كانوا يبحثون عن "الحجاج بن يوسف"، ولقد استجاب الله لهم؛
فإن هي إلا سنيهات معدودات حتى سلطه عليهم عبد الملك بن مروان وبدأ يقطع رؤسهم
التي كان يعتبرها في أشعاره "قد أينعت وحان موعد قطفها"..هل يعلم القارئ
بان دولة عمر بن الخطاب أكثر ديمقراطية مما نحن عليه الأن في المغرب؟ تعرفون بأن
الحكومة المغربية تعتبر المواطن آخر ما يمكن التفكير فيه. لكن راجعوا تاريخ دولة
بن الخطاب، وسترون أنه قد خصص رواتب شهرية للفقراء من بيت المال، وخصص رواتب شهرية
للأطفال (وهذا موجود بفرنسا لكنه غير موجود بالمغرب). ومن الأدلة على الحس
الديمقراطي لابن الخطاب، أنه كان يخرج إلى الناس البسطاء ويحكم مباشرة بما يجده في
مصلحتهم. مثلا، حين سمع طفلا يبكي فسأل وقيل له إن أمه تحاول إفطامه قبل الأوان
لأن عمرا لا يصرف الرواتب للأطفال إلا بعد أن يبلغوا الفطام، فأعلن فورا بأن
الدولة أصبحت منذ اللحظة تصرف الرواتب للأطفال منذ الولادة ولا داعي لحملهم على
الفطام مبكرا!. اما نحن، فحين يشكو الشعب من شيء فقد تستجب له الحكومة بعد عشر
سنوات مما يعدون، أو أكثر، وطبعا تكون الاستجابة شكلية في أغلب الأحوال، فكما قلنا
أن دولنا هذه لا علاقة لها بالمواطن، فهي كيان تجاري ضخم يحكم باسم الشركات
ومصالحها، فلا يضحكن منكم احد على نفسه بالظن أن القضاء والحكومة والبرلمانات في
خدمة الشعب. ومع ذلك الكل راض، مادام القادة مستعدين للفتك بالعربي كلما سولت له
نفسه أن ينتقدهم. أليس عمراً هو الذي مرغ كبرياءه في التراب حين أعلن أن
"صدقت المرأة وأخطأ عمر"؟. هل هناك قائد مزعوم يملك هذه الشجاعة في
مواجهة نفسه؟. هذا هو عمر بن الخطاب الذي لو سار عثمان (رضي الله عنه) على نهجه ما
كانت الفتنة الكبرى لتقع. لكن عثمان نفسه كان يقول "ومن لنا بمثل عمر؟".
نعم، عمر الذي منع الرواتب على أقاربه من بيت المال، وحين تولى عثمان قام بالعكس.
عمر الذي كان يجبر أهله وأقاربه على أن يعيشوا حياة المواطنين الفقراء في الدولة.
لماذا قتلوه؟ لأنه لم يكن سفاحاً، مع الملاحظة أن عثمان أيضا لم يكن سفاحاً،
ويكفيكم أن تقرؤوا رسالة "الأشتر" إليه. فالحقيقة أن الخلفاء الراشدين
لم يكونوا سفاكين للدماء بغض النظر عما ننتقده في تصرفات بعض المتأخرين منهم. لقد
كان هناك حرية للرأي في عهد عمر وعثمان تكاد تكون ممثالة لحرية الرأي في فرنسا في
يومنا هذا! أرجو ألا يخلط القارئ العزيز بين عصر هؤلاء وعصر السفافحة الذي تأسس
على يد معاوية ابن أبي سفيان، ولم ينته حتى الآن. لقد كان الخليفة عثمان مثلا يصل
مع أبناء دولته إلى الشجار دون أن يأمر بقتل أحدهم، ومع هذا لابد من الاشارة إلى
أنه كان ربما يؤذي المنتقدين الأشداء له بالنفي. لهذا قتله العرب المرضى، ولهذا
قتلوا عمرا، وعليا أيضاً. إن قتل هؤلاء الخلفاء في حد ذاته دليل على أنهم لم
يكونوا مدججين بالحراس والزبانية تحرصهم، وإنما كانوا يمشون بين الناس كالعامة.
نعم، أعتقد أن الفساد بدأ مع عهد عثمان، لكني أعتقد جازما بان القتل لم يكن بدافع
الفساد وحده، بل بدافع الوحشية التي درج عليها العربي التقليدي الذي لا يستقيم إلا
بالقمع والركل والرفس. لعل ذلك قد ساهم بقوة في ابتعاد الحكام عن المواطن فيما
بعد، حتى أصبح الخلفاء العباسيون وغيرهم يقطعون رؤوس الناس لمجرد شبهة قول لا يضر
ولا ينفع، ولكم ان تراجعوا كيف بدأ أبو العباس السفاح خلافة الدولة العباسية.
راجعوا خطبته في أو ل جمعة عباسية، حين أرعب قلوب العرب في عقر المسجد. لقد أكد
لهم بأن أسلوبه الوحيد في تقويم اعوجاجهم هو "السيف".
(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق