الجمعة، 10 أبريل 2026

إلى أي مدى يكون المتدين على حق؟

 


هناك تناقض كبير نعيشه كمتدينين، ويعيشه الأدباء أيضاً، وهو: يتميز المتدين بتجنب البحوث الحديثة التي تتحدث عن الأديان، وهو يعتقد بأن الأديان قد أصبحت حقائقها محسومة منذ أن بينها السلف الصالح ولا داعي الآن للخوض في ثوابتها، لكن هذا الاعتقاد في الواقع خاطئ، لأن فهمنا للأديان يمكن أن يتم من خلال البحوث الحديثة بشكل أفضل، وإلا فلنقارن المنهجيات القديمة مع الحديثة على مستوى الطب والفلك والرياضيات والفيزياء، وسيتبين لنا كم نحن مخطئون حين نحكم على كل بحث حديث بأنه (بدعة!). هل كانت الفيزياء ستصل إلى ما وصلت إليه الآن لو توقفت تحت أقدام أرخميدس؟. هل كانت البصريات ستصل إلى ما وصلت إليه الآن لو توقفت عند ابن الهيثم؟. هل كانت الفيزياء الفلكية ستصل بنا إلى ما وراء "العناقيد المجرية" لو توقفت عند عمر الخيام؟. وهل كانت الفيزياء الذرية ستصل بنا إلى القنبلة النووية (أشد حالات المادة قوة حتى الآن) لو توقفت عند هؤلاء؟ هل كنا سنتبادل الدردشة عبر هذه الحواسيب لو توقفت التكنولوجيا تحت أقدام الكنيسة؟
ومع اعتقادي بأن الطب أكثر الميادين تخلفاً، أتساءل: هل كنا سنصل إلى هذا التقدم الطبي لو توقف الطب عند أبقراط؟. وإذا كنتَ تعتقد العكس، فاعلم أنك بحاجة إلى البحوث الحديثة في فهم الأديان أيضا، لأن ما بات الآن متاحا للباحثين لم يكن متاحا فيما مضى، سواء للسلف الصالح أو الطالح. لماذا هذا التناقض؟ لماذا يسرع الفيزيائيون إلى ابتلاع النظريات الفيزيائية الحديثة (القيمة) ولا يلتفت أستاذ الأدب العربي إلى ما تتحدث عنه البحوث الحديثة من أكاذيب الشعر الجاهلي وأكذوبة المعلقات المزعومة وغير ذلك؟
لماذا يجب أن يكون خبراء الفيزياء مقبولين بينما يجب رفض خبراء الأديان؟
لمصلحة من يجب أن ينتشر هذا المنطق المريض؟
لقد عاش الإنسان المتدين منذ قرون بعقل غيره، ولم يتسن له أبدا أن يعيش بعقله، لقد عاش حياة نيابة ولم يعش حياة أصالة، فمع احترامنا لكل الأديان، ومع اعتقادنا الراسخ بعقيدة من العقائد الإبراهيمية، نقول: هلا تساءلنا، ولو في أنفسنا، ماذا لو تفاجأنا يوما بحقيقة أن الله لم يوحِ إلى أحد من البشر؟
ماذا لو تبين لنا بأن من نعتبرهم أنبياء الله كانوا مجرد زعماء سياسيين أذكياء، وأن كثرة تابعيهم لا تبرهن على صحة نبوتهم، بدليل أن أتباع ماركس كانوا أكثر من أتباع أحد أنبيائنا الإبراهيميين، رغم أن ماركس لم يدَّع النبوة؟.
أرجو من القارئ أن يضع أحكامه الجاهزة جانباً، فهذه مجرد تساؤلات تحاول أن تنفلت من قفص التقاليد الجاهزة نحو المطلق.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق