الخميس، 9 أبريل 2026

"تباشير الإنجيل والتوراه بالإسلام ورسوله"

 

هذا عنوان لكتاب من تأليف الدكتور نصر عبد الله عبد الرحمان أبو طالب، يتألف من 585 صفحة، وهو يستعرض أدلة يبدو أنها قاطعة على ما يثبت صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في كل من التوراه والإنجيل معاً. أتمنى لو يفتحه القارئ وهو يقرأ تعليقي عليه، لعله يلاحظ، بما لا يدع مجالا للشك، كيف يتلاعب هؤلاء بمشاعر البسطاء، ويستعرضون ألعابهم السحرية من أجل الخداع وليس من أجل العلم أبداً، فبعد أن يرهق القارئ بالإطناب والحشو الذي تتميز به معظم الكتب العربية، يدخل به إلى الدليل القاطع على ما يثبت صحة نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) ويستعرض من ذلك حلماً من الأحلام التي تنسب إلى "نبوخذ نصر"، والذي ورد في كتاب دانيال (الإصحاح الثاني). 

يقول المؤلف: "وتتلخص الرؤيا في أن الملك رأى في منامه تمثالاً كبيراً، صنع رأسه من ذهب، وصدره وذراعاه من فضة، وبطنه وفخذاه من نحاس، وساقاه من حديد .. واختلط الحديد بالخزف في قدميه .. ثم رأى حجراً قُطع بغير يدين ( أي لم تصنعه يدي إنسان )، فضرب به التمثال على طبقة قدميه .. فسحقها واستحال التمثال كله هباء تذروه الرياح .. واستقر الحجر مكانه، فنما حتى صار جبلاً كبيراً، وملأ الأرض كلها". ثم يقول:" وفسر دانيال للملك الرؤيا بأنه ستحكم الأرض أربع ممالك منذ عصره، الذي مّثل له بطبقة الرأس الذهبية، ثم ستلي مملكته ثلاث ممالك أخرى، كل واحدة منها مثلت في التمثال بطبقة من معدن خاص"... وهكذا، يدخل بنا في حشو الكلام المرهق، ويقول: "وتتسلط المملكة الثالثة   ( والتي مثلت بطبقة النحاس ) على كل الأرض، ولكن المملكة الرابعة هي الأقوى، وستحكم شعوباً كثيرة غير متجانسة كما لا يتجانس الحديد والخزف اللذان مثلت بهما، ويلاحظ أن الخزف لم يظهر بالتمثال إلا في قدميه ولعل في ذلك إشارة لتمثيله للشعوب المحكومة والمستضعفة ضمن المملكة (الحديدية) الرابعة، وفي أيام المملكة الرابعة يقيم إله السماوات مملكته التي ستقضي على المملكة الرابعة و لن تنقرض، بل ستثبت إلى الأبد..".

نعم، ستثبت إلى الأبد..وهكذا، من خلال هذا التفسير العجيب المثير للضحك والشفقة، يستنتج الدكتور بأن المملكة الخامسة هي الدولة الإسلامية، ولكن كيف لعقل بشر أن يقبل هذا المنطق؟. لنفرض أن هذه الرموز تدل فعلا على الدولة الإسلامية، وأن المراد منها إثبات نبوة محمد (ص)، السؤال المطروح أمامنا: من هو المخاطب بمثل هذه الأحلام؟

لا شك أن الدكتور يعترف بأن تفسيره ليس في متناول الجميع، فكيف يكون التبشير بالنبوة على هذا الغموض؟.

هل يتوجب على جميع الخلق أن يكونوا بارعين في التآويل السيميائية والسيكولوجية من هذا النوع، لكي يهتدوا إلى صحة نبوة محمد؟. ما الذي كان يمنع الرب من أن يكون واضحا، ويقول، بكل صراحة وبساطة، في التوراه والإنجيل وغيرهما: "سوف يظهر نبي في مكة اسمه محمد بن عبد الله، وسيدعوكم للإسلام، فمن الأفضل لكم يومئذ أن تؤمنوا به، وإلا ستدخلون جهنم"؟. أليس هذا أسلم وأفضل؟. أم أن الرب كان يحب اللعب كثيرا، خاصة لعبة الغميضة ورواية الأحاجي والألغاز، فلذلك قرر أن يوحي لنبوخذ نصر في المنام بهذه الرموز العجيبة، وكتب في اللوح المحفوظ أنه سيظهر دكتور اسمه عبد الله بن عبد الرحمان أبو طالب، وسوف يقوم بتأويل شبه سيميائي عجيب لهذا الحلم، وسوف يكون تأويله صحيحا، وعند ذلك فاسمعوا وأطيعوا، لأن تأويله سيصبح حجة عليكم أمام الله، وويل يومئذ لمن يشكك في نبوة محمد بعد أن يقرأ كتاب "الدكتور عبد الله"؟

لنساير العقلية العربية التقليدية التي تقبل هذه العجائب، ولنفرض بأن هذا التأويل صحيح، فأين الخلافة الإسلامية الآن؟.

واضح أن الحلم، أو تفسير دانيال، يؤكد بأن تلك المملكة ستبقى سائدة إلى الأبد، فهل سادت الدولة الإسلامية إلى الأبد؟.

يقول الدكتور عبد الله: " ويتفق هنا سجل التاريخ مع تفسير أهل الكتاب في أن الممالك الأربع هي مملكة الكلدانيين أو البابليين (المملكة الأولى ) التي كان نبوخذنصر نفسه أحد حكامها، والتي غلب عليها سايروس الفارسي عام 539 قبل الميلاد حين أنشأ المملكة الفارسية ( المملكة الثانية)، ثم أ تى الإغريق (المملكة الثالثة ) حين نزعوا الأرض من الفرس عام 331 قبل الميلاد، وظّلوا بها حتى انتزعها منهم الرومان عام 63 قبل الميلاد .. وكانت مملكة الرومان بذلك هي المملكة الأخير ة ( الرابعة ) التي ينبغي أن تأتي بعدها مملكة الله .. وكل هذه الممالك الأربع ( البابليون ثم الفرس ثم الإغريق ثم الرومان ) استولت على الأرض المباركة بفلسطين و حكمتها.. ويجدر هنا الإشارة إلى أن لفظ الأرض قد استخدم هنا ليعني أساساً الأرض المباركة ( فلسطين) وما حو لها مما وعد أبناء إبراهيم بحكمه ".

لنسلم مع الدكتور بأن الأمر يتعلق بفلسطين، فأين هي الدولة الإسلامية في فلسطين الآن؟

أليست فلسطين تحديدا هي الأرض الأكثر تعرضا للاحتلال الإسرائيلي من غيرها في كل العالم الإسلامي بأسره؟

أم أن تأويل الدكتور عبد الله سيتمسك بقشة غزة حتى لا يغرق في بحر النسيان؟

ثم لنفرض أننا في المنام نحلم نحن أيضا مع الدكتور عبد الله، ولنفرض بأن فلسطين حاليا ماتزال تحت سيادة دولة إسلامية ( !) فما مصير تأويله وعنوان كتابه الكبير (تباشير الإنجيل والتوراه بالإسلام ورسوله) إذا تمكنت إسرائيل غدا من احتلال ما تبقى من تلك الأرض؟. هل سنضطر عندها للبحث عن كتاب آخر يثبت صحة نبوة محمد (ص) بعد أن يحفر وينقب عليها في صفحات التوراه والإنجيل؟.

هذا الجزء الأول من تعليقي على كتاب " تباشير الإنجيل والتوراه بالإسلام ورسوله".

 (من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)


سعيد بودبوز

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق