يتصوّر المثقّف النمطي بأنّ كل ما على الشعب أن يفعل كي يصبح متقدما هو أن يعمل ويتعلم ويتأدب ويخلص لوطنه الخ. هل هذا صحيح؟. لا أعتقد. على سبيل المثال: الكثير من الناس يعرفون جيدا كيف يقودون السيارة (نظرياً)، ولكن حين يحاولون قيادتها تصطدم بشيء أو تدهس أحدا أو تجمح بهم لتثبت لهم بأنهم "مازالوا بحاجة إلى تدريب". حتى السباحة، يستطيع معظم الناس أن يقوموا بالحركات اللازمة، ولكن إذا نزلوا إلى الماء يغرقون، مما يعني أنهم..."مازالوا بحاجة إلى تدريب"، بل حتى أعظم قصيدة أو رواية يتصوّر أي قارئ بأنه يستطيع أن يكتب أفضل منها، ولكن حين يكتب قد يسخر الناس مما كتب لشدة رداءته، وقس على ذلك في كل الألعاب الرياضية والسحرية وحتى امتلاك المهارت الكبرى في الإبداع أو الفكر أو الاختراع. فهل هذا كل ما في الأمر؟. الجواب؛ لا.
الأمر ببساطة يحتاج إلى حدوث "طفرة". أو بعبارة أبسط: أنت بحاجة إلى مصادقة من الطبيعة على ما تفعل. والطبيعة لا تتعامل مع مجهوداتك البدنية والظاهرية، وإنما تتعامل مع "الإرادة". فهناك أشخاص أو شعوب يملكون إرادة هائلة تكاد تسمح لهم بالمشي على الماء. وهناك أشخاص وشعوب خاملة لا يملكون إرادة، وإنما تملكهم "رغبات" فقط. يعتقدون بأنهم يريدون، وهم في الواقع يرغبون فقط. هنا تلعب الطبيعة لعبتها الجادّة؛ إنّك لستَ مخيّراً بين التقدم والجمود كما يقال عادة، بل مخيّر بين أن تتقدم باستمرار، أو تتأخر باستمرار. إذا حاولتَ جاهداً أن تتقدم وكانت إرادتك تكفي لذلك، فستضعك الطبيعة في صف البشرية المتقدمة، وإذا تهاونتَ أو تخاذلت، فستضعك في مكانك الصحيح؛ أي مزبلة التاريخ، ومن ثمة قد يُعاد تدويرك لتصبح بغلاً سوياً أو ثوراً أو غير ذلك، المهم أنك لن تتوقّف عن هبوطك الاختياري الذي أصبح اضطرارياً إلى ما شاء ربّك.
سواءً كنتَ فرداً أو شعباً، فأنتَ لا تحتاج إلى تراكم ثقافي، أو حضاري، أو اقتصادي كبير كي تصبح متقدماً، بل يتوجّب عليك أن تحدث ما يسمى بـ"الطفرة"، وهذه الأخيرة تمكّنك منها الطبيعة عندما تكون صاحب إرادة هائلة. الطفرة أمر أقرب إلى السحر، إنه الشيء الذي يرفعك في لمحة بصر إلى مستوى عالٍ لا يصدّقه الإنسان العادي إذا كان عديم الخبرة. الأمر شبيه بإقلاع الطائرة، فهذه الأخيرة تنطلق على الأرض حتى تتجاوز 200 كلم في الساعة، وتستمر حتى تكاد تبلغ 300 ثم تدخل في حالة "الطفرة" ويحدث أمر هائل مدهش، وهو "الطيران". لكن ليس كل ما يركض بهذه السرعة على الأرض يستطيع الطيران.
الطفرة أمر معقّد في الدراسات الإنسانية، لكن يمكن وصفها بأنّها الحالة التي تسحب الإنسان إلى البعد الأسطوري أو الميتافيزيقي في رمشة عين ومن ثمة يدخل في مرحلة أخرى متقدمة. قد يكفي أن نشير إلى مثالين حيّين، وهما ألمانيا واليابان. فهذان البلدان لم يتقدما بفضل الأجداد ولا السلف الصالح ولا بالمال الكثير، بل تقدما لأنّهما يحتويان على "إرادة" هائلة تكفي لإحداث "طفرة".
سواء كنت فردا أو شعبا، إذا لم تستطع أن تحدث "طفرة"، فلن تتقدم حتى وإن كنت تملك نصف ما يملكه العالم من المال. وإذا كانت "الطفرة" ظاهرة طبيعية، فلن تستطيع إحداثها إلا بأمر طبيعي، بمعنى غير مصطنع ولا مختلق ولا احتيالي، ألا وهو "الإرادة الخالصة".
مادام الفرد أو المجتمع يراهن على تقنيات أخرى في إحداث التغيير والتقدم، فلن يخرج من تخبّطه، لأنه كمن يحاول أن يصنع إنساناً دون اللجوء إلى الفعل الطبيعي الصحيح.
سعيد بودبوز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق