الخميس، 9 أبريل 2026

هل القرآن يثبت أم ينفي المعجزات عن محمد (ص)؟



لا شك أن الشيوخ المهتمين بما يسمى "علوم القرآن" يجمعون على أن القرآن في حد ذاته معجزة، ولقد بدأ هذا الرأي منذ بداية الدعوة الإسلامية، حيث كان أتباع النبي (ص) يعتقدون بذلك، بينما كان الفريق الآخر يعتبر القرآن مجرد كلام ساحر أو شاعر أو مجنون. منذ ذلك الحين كان الإعجاز القرآني يتمثل في النظم والألفاظ، لكن منذ بداية العصر العباسي اضطر شيوخ الإسلام لاستخراج بعد إعجازي آخر، وهو الإعجاز في معاني القرآن، وذلك بسبب انفتاح الدعوة الإسلامية على الشعوب العجمية التي لا تفهم اللغة العربية، وبالتالي فهي ستبقى محرومة من فهم الإعجاز الذي كان متمثلا في النظم المزعوم والألفاظ، "وقد أراد المعتزلة أن يعطوا مفهوم "الإعجاز" القرآني طابعا كليا بحيث يسلم به العربي وغير  العربي، فربطوه بأمور تتصل بالمعنى لا باللفظ. كإخباره بالغيب: "الغيب" في الماضي أي حكايته لأحوال الأمم الماضية التي لم يكن العرب أيام النبوة يعرفون عنها شيئا، و"الغيب" في المستقبل كإخباره بهزيمة الروم قبل وقوعها"إذن، فعلى سبيل التبسيط والاختصار نقول بأن الإعجاز القرآني تطور على أيدي الشيوخ من مستوى النظم والكلمات، إلى مستوى المعاني، مواكبة لتحول الدعوة الإسلامية من المستوى العربي إلى المستوى العالمي (العجمي). هذا بالنسبة لمعجزة القرآن، أما القصص العجيبة من قبل أن النبي تحدث مع حماره المدعو "يعفور" الذي أهداه إليه المقوقس مع الجارية (السيدة مارية)  (وهناك رواية تتحدث عن بلغة...) وحديث النبي مع الجن أو مع الجبل أو الحجر أو الشجر، فهذه متروكة للصبيان وغيرهم من الناس الجهلاء ممن لا خبرة لهم بتقنيات التمييز بين الرويات الصحيحة والموضوعة، ومن يفضلون الأوهام على العقل (وهذا النوع مستعد لتكذيب القرآن من أجل وهم يريده أن يبدو حقيقة).

فهي لا تحتاج إلى عاقل أو ذكي لينفيها أو يقبلها، بل كل ما على المسلم، وغير المسلم، أن يفعله، هو أن يسأل القرآن، ما رأيه فيها؟. نعلم جميعا بأن أهل قريش وغيرهم من اليهود والمشركين تحدوا النبي (ص) أن يأتيهم بمعجزات تثبت نبوته، كما يعتقدون أن الأنبياء السابقين فعلوا، ولكن، هل قبل النبي تلك التحديات، أم رفضها؟. لنترك الجواب للقرآن، وكما يقول الباقلاني أن معجزة محمد هي  "القرآن كما دل على ذلك قوله تعالى:

:"وقالوا لولا أُنزلَ عليه آياتٌ من ربه قلْ إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبينٌ. أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتابَ يُتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون".  وإذا تساءلنا على هذا النحو: ما الحكمة في رفضه تعالى إجراء معجزة على يد رسوله (ص)؟ يأتي الجواب في القرآن كما يلي: "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذَّب بها الأولون".

أي أن النبي (ص) يقول بأن ما منع الله من إجراء معجزة على يده هو أن الأولين كذَّبوا تلك المعجزات، إذن، فلو صدقها الأولون لأجراها الله على يد محمد (ص)، أليس كذلك؟. السؤال الذي لابد أن ينقدح في ذهن الإنسان العاقل هو: ألا يفترض أن هناك فريقا من (الأولين) قد صدق تلك المعجزات، وبالتالي آمن برسالات أولائك الأنبياء؟. إذا كان الجواب: نعم. فلماذا ركز القرآن في الآية السالفة، على الفريق المكذب من الأولين دون الفريق الآخر؟ بل لماذا جعل الأولين كلهم مكذبين؟. أما إذا كان الجواب: بلى. إذن، لماذا لم يحدث الله معجزة على يد النبي محمد (ص) باعتبار أن هناك فريقا (من الأولين) مصدقا لها، ومؤمنا برسالة الرب؟. أليس هذا هو المنطق المعتمد في القرآن نفسه، كما جاء في سورة البقرة، حين قالت الملائكة لله: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك". ألا يقول المفسرون بأن المقصود هم الذين آمنوا بالله، وأن من أجلهم رفض تساؤل الملائكة التي ركزت على المفسدين دون المصلحين؟.

فالمانع-كما يقول المفسرون- من حدوث معجزات تدل على النبوة، هو أن تكذيبها يترتب عنه عقاب إلهي فوري كما حدث لعاد وثمود وغيرهم، وهذا يبين لنا بأن محمدا (ص) كان يدرك أن قومه لن يؤمنوا بتلك المعجزات، وخاف عليهم من الهلاك. هذا مع العلم أن أي هلاك من هذا القبيل لن يمسه والذين آمنوا به، وإنما سينطبق على المكذبين فقط. وهنا قد يتساءل متسائل فيقول: كيف نجمع بين الحروب الطاحنة التي اشتعلت بين فريق النبي محمد (ص) وغيرهم من الكفار، وبين امتناع حدوث المعجزة التي كان الهلاك المترتب عنها ستريحه على الأقل ويريح أتباعه من أعدائهم المكذبين؟

أقول بوضوح: إن الآية السابقة تشير إلى أن النبي لا يريد الهلاك حتى لأعدائه، ولكن التاريخ-كما يعرف الجميع- يثبت بأنه لم يتردد في محاربتهم، ولم يتردد في دعاء الله أن ينصره عليهم، بل إن هناك دعاء بالهلاك حتى في القرآن كقوله "تبت يدا أبي لهب"، و"غلت أيديهم". وغير ذلك موجود في العديد من الأحاديث تؤكد بأنه كان يتمنى الهلاك لأعدائه، وهذا أمر طبيعي، لولا أنّ نفي المعجزة تم تبريره بالخشية على المكذبين من الهلاك !.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق