أعتقد أن شبكة "الفيسبوك"، على
الأقل، تبين، بما لا يدع مجالا للشك، بأن معظم العرب، ممن يعرفون القراءة والكتابة،
لا يعرفون عن دين الإسلام إلا بعض المبادئ الأساسية العامة مثل الصلاة والصوم الخ،
فما أكثر من يخيل إليهم أنهم يدافعون عن الدين هنا وهناك، دون أن يدركوا بأنهم
يدافعون عن بعض العادات العربية وليس عن الإسلام. وإذا كان هذا حال من يستخدمون
النت، فما بالك بما لا يقل عن 90 بالمائة من الأميين!. هنا في المغرب مثلا يتحدثون عن أن فلان ملحد والآخر ترك الإسلام
والأخرى دخلت في الإسلام ثم خرجت من بابه الخلفي و... دون أن ينتبهوا، ولو لحظة
واحدة، إلى ماهية الإسلام الذي يتحدثون عنه، مع العلم أن المغاربة منهم من يعبد
الأشجار، ومنهم من يعبد الأحجار، ومنهم من يستغيث بالقبور، وهلم جراً.
أليس من الحكمة أن نكرر
السؤال الجوهري الذي طرحه نبيل فياض مثلا "ما هو الإسلام"؟. الجميع
يعتقد بأن هذا سؤال صار من نوافل الكلام، لأن الجميع يعرف جيدا ما هو الإسلام، لكن
الواقع شيء آخر؛ فما يعرفه العرب جيدا هو مجموعة من التقاليد والثقافة الشفهية
الشعبية التي ليس من الضروري أن تكون هي الإسلام في كل صغيرة وكبيرة. يقول نبيل فياض: " هل
هذا الإسلام الذي يتداول حالياً في الأسواق والمكتبات والمساجد والتكايا، وعلى
جبهات القتال في السودان والصومال وأفغانستان ومصر والجزائر.. هو ذاته تحديداً
إسلام محمد؟"
ثم يجيب قائلا: ببساطة: لا نعتقد ذلك.
وبعد أن يتحدث عن المذهب الشيعي الذي لا يعنينا، ينتقل إلى مذهبنا
السني فيقول:
"المذهب السنّي هو المذهب الأكثر انتشاراً والأوهى أسساً بين كلّ
مذاهب الإسلام، خاصة وأنه يتبنى الأشعرية اللاعقلانية اللاسببية كعقيدة، ويغلق
بالتالي عملياً ونظرياً، باب الاجتهاد - بمعنى أنه يرمي بالعقل في أقرب سلّة قمامة"
لا أجد عندي ما أخالف به الباحث في هذا الكلام الدقيق، أما كيف انتشر
هذا المذهب السني فهو يضيف قائلا: "هذا النوع من الإسلام هو الأسهل انتشاراً
لأنه تحديداً الأقل تطلباً للتفكير ولإعمال العقل - وهكذا فنحن نجد أنّ قواعده
الأرسخ هي بين الطبقات غير المثقفة أو تلك التي تلقت تعليماً مهنياً يعتمد التلقي
أساساً ولا يحتاج إلى أدنى تفعيل لمقولات الفهم المثقفة (كالأطباء والمهندسين
والصيادلة ومن على شاكلتهم)."
تالله ما قال الرجل إلا حقا. فكل من يفشل في ميدان من الميادين، أو
علاقة من العلاقات، أو دراسة من الدراسات، أو فن من الفنون، أو صناعة من الصناعات،
يعفي لحيته، ويقصر سرواله، ويعتمر عمامة كصحن "البارابول"، ثم يطلق
العنان لصراخه وقتاله تحت راية هذا المذهب الذي، والحق يقال، أحرق العديد من
المراحل، وقفز بنا إلى نتائج لا نعرف كيف وصل إليها.
كنا قد تحدثنا عن إرضاع الكبير الذي ثبت عن عائشة في أكثر من مصر
إسلامي صحيح (وفق شروط علم الرجال)، ونريد أن نعود في هذه الورقة إلى ذلكم
الموضوع، ونأخذ بعض الأمثلة على الطريقة التي يتصرف بها كهنة الإسلام (الفقهاء) من
أجل تحريم ما لا يحلو لهم، وتحليل ما يحلو لهم، حتى وإن اقتضى الأمر الطعن في
روايات تعتبر "صحيحة"!بمقاييس شيوخهم الكبار من عيار البخاري ومسلم! وهو
ما يعني في تصرفهم الإقرار بقابلية الصحاح للطعن بغض النظر عن كل شيء آخر.
"نشر موقع (العربية نت) بتاريخ خبرا جاء فيه:"احتدم جدل بين علماء دين
مصر ووصل إلى البرلمان بعد فتوى لرئيس قسم الحديث بجامعة الأزهر، تبيح (إرضاع
الكبير) في وقت انتقدت فيه عدة صحف تدريس كتاب في هذا القسم يؤكد أن الإرضاع يحلل الخلوة بين رجل وامرأة غريبة
عنه في مكاتب العمل"! [1]. أما المفتي، فهو لم يأتينا
بالجديد، لأنه اعتمد على أحاديث صحيحة مروية عن السيدة عائشة (رضي الله عنها)، لكن
احتجاج من احتج عليه يؤكد بأن الإسلام اليومي المتداول هو الإسلام الذي يرضي
العادات العربية بالدرجة الأولى. فلننظر كيف يحاول حتى بعض رجال الدين (الكهنة) أن
يتخلصوا من هذه الأحاديث التي تجيز الرضاع، لا لشيء إلا لأنه يخدش رجولة العربي.
"قال عضو مجلس الشعب عن كتلة الإخوان
المسلمين صبري خلف إن نحو 50 نائبا في البرلمان تدارسوا هذا الموضوع مساء الأربعاء
وأعربوا عن قلقهم من انتشار هذه الفتوى إعلاميا، واقترح بعضهم تقديم طلبات إحاطة،
لكنهم اتفقوا على إرجاء ذلك، وإعطاء فرصة للأزهر لوقف الخوض في هذا الموضوع الذي
أثار الجدل حالة من اللغط الشديد في الشارع المصري"[2]. أما المفكر الإسلامي جمال البنا، فلقد أفصح عن مشروع
خطير يحاول فيه رجال الدين أن يلغوا ما لا يرضيهم من الدين، لمجرد أنه لا يرضيهم،
وليس انتصارا للعلم والحقيقة وما يترتب عنه ذلك من ضرورة تطهير صحيح البخاري وغيره
من الصحاح التي تعج بما لا يصدقه العقل السليم. يقول: "اتخذنا
الإجراءات العملية لإصدار كتاب يدعو لتجريد البخاري والمسلم من الأحاديث التي لا
تلزم، وقد قمنا بالانتهاء من عملية مسح هذه الأحاديث، وحاليا نحن بصدد الترتيب
النهائي لكتاب وسنطبعه قريبا"[3] ويضيف قائلا: "في البخاري أحاديث أقف أمامها مستغرباً ولا
أصدقها، مثل أنه كان يقبِّل زوجته أم المؤمنين عائشة ويمصُّ لسانهاو ! وحديث آخر عن شكل علاقته معها أثناء
الحيض ! وأنه كان يمر في ليلة واحدة على زوجاته كلهن! وأنه أوتي قوة30 رجلا"! [4]. أكرر مرة أخرى، أن الأمر هنا يتعلق بأحاديث "صحيحة" وفقا لشروط
ما يسمى عند السنة "الجرح والتعديل"، أو عند الشيعة "علم
الرجال".
قال جمال البنا، وهو يعطي أمثلة على الأحاديث
التي لا ترضي كهنة الإسلام: "كأمثال هذه الأحاديث وردت في البخاري، ونجد أنها
غير لازمة ونسعى لتخليص صحيحه منها، لأنها أحاديث موضوعة، وضعها أعداء الإسلام
للكيد للرسول"[5].
ولكن مع ذلك نحمد لجمال البنا رفضه للفتوى
التي أصدرها أحد الكهنة الإسلاميين، والتي تقضي بإهدار دم الكاتبة بسنت
رشاد عقوبة على تأليفها كتابا بعنوان "الحب
والجنس في حياة النبي"، والذي اعتمدت فيه على أحاديث عائشة (رض).
هكذا هم الكهنة، فرغم أن عائشة (رض) لم تكن تلعب حين تركت لنا
أحاديثها عن علاقتها مع زوجها (ص)، وأنها تركت لنا ذلك من أجل الفائدة، فمع ذلك
يجوز لعائشة أن تقول ما تشاء ولا يجوز لأية امرأة أخرى أن تنقل عنها!.هل
ذا هو إسلام محمد بن عبد الله (ص)؟ لا أعتقد ذلك، كما قال نبيل فياض.
حتى الكاتبة الأمريكية شيري جونز تعرضت للاضطهاد ومصادرة العديد من
نسخ روايتها التي ألفتها حول عائشة (رض) بعنوان "جوهرة المدينة" عن حياة
عائشة [6] وذلك بضغط من المسلمين. إن إصرار كهنة الإسلام على كم الأفواه يدفع
العاقل للعودة إلى جذور هذا الدين القائم على ذبح أهل الرأي المخالف، فلا بد أن
تكون هناك نقطة ضعف كبيرة في تاريخ هذا الدين بصراحة، لأنه لو كان دعاته واثقين
منه ومن أنفسهم لما اضطروا إلى التحلي بكل هذه الوحشية.
نعود إلى من أفتى بجواز "رضاع الكبير"، فلقد "كان
الدكتور عزت عطية رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر فجَّر مفاجأة
حيث أباح للمرأة العاملة أن تقوم بإرضاع زميلها في العمل منعا للخلوة المحرمة إذا
كان وجودهما في غرفة مغلقة لا يفتح بابها إلا بواسط أحدهما"[7]. وأكد عطية
لـ(العربية نت) أن إرضاع الكبير يكون خمس رضعات، وهو يبيح الخلوة ولا يحرِّم
الزواج! وأن المرأة في العمل يمكنها أن تخلع الحجاب
أو تكشف شعرها أمام من أرضعته! مطالبا
توثيق هذا الإرضاع كتابة ورسمياً ويكتب في العقد أن فلانة أرضعت فلانا"[8].
تصور لو استطاع هذا الجانب من الإسلام أن
يخرج من بطون الكتب إلى الشارع، إلى الحياة العملية، لا شك أنه سيحدث ثورة كبيرة
في عقلية الذكر العربي. قد يبدو لك غريبا، لكن الدكتور عطية لم يأت بأية بدعة، لأن
تلك الأحاديث صحيحة عن عائشة كما أسلفنا. "سألته عمن يطيل اليوم مع زميلة
داخل غرفة واحدة ولا يدخل عليهما أحد إلا بإذن منها؟ فقال: إن هذه خلوة محرمة
شرعا، وعليكَ أن ترضع منها حتى تختلي بها بهذا الشكل"[9]. هذا وقد "نشرت
جريدة (الشروق) الجزائرية وكذا جريدة (السياسة) الكويتية بتاريخ 23 سبتمبر 2007
خبرا جاء فيه:"شكت سيدة جزائرية من أن زوجها الذي وصفته بأنه (متدين سلفي
ملتزم) طلب منها إرضاع صديقه (المتدين أيضا) حتى يتمكن الأخير من قضاء شهر رمضان
في بيتها والإطار معها!"[10]. هنا نرى صورة مختلفة تماما، حيث
أن الزوج هو من يطلب من زوجته أن ترضع صديقه طبقا لحديث عائشة (رض)، لكن يبدو أن
زوجته لم تستسغ ذلك. أما عبد الفتاح عساكر فقد تساءل قائلا: " هل
يُقبل عقلاً وديناً أن تكون عائشة أماً للمؤمنين وتفعل ذلك وهي محرمة بنص قرآني"!؟[11]. ولقد ورد عليه الرافضي ياسر الحبيب قائلا: "نعم! وإلا أعمينا أبصارنا عن الحقيقة"[12].
وهو يعني أن عائشة قد فعلت ذلك. الخلاصة: أن الطعن في روايات عائشة، تقتضي أولا
إلغاء الاعتقاد الشائع بأن صحيح البخاري يعتبر الأصح بعد القرآن، وكذلك غيره من
الصحاح. لكن ما دام مذهبنا السني قائم على إلغاء العقل، كما أشار نبيل فياض، فحتى
وإن عبث به الكهنة كل العبث، فلن يصل ذلك إلى العامة، مادامت جاهلة، وما دام الجهل
جزء من عباداتها وتقواها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ياسر الحبيب: الفاحشة، ص 1026
[2] المرجع السابق، ص1026
[3] المرجع السابق، ص1018
[4] المرجع السابق، ص
1018
[5] المرجع السابق، ص1018
[6] المرجع السابق، ص
1018
[7] المرجع السابق، ص 1027
[8] المرجع السابق، ص 1027
[9] المرجع السابق، ص 1027
[10] المرجع السابق، ص1029
[11] المرجع السابق، ص 1031
[12] المرجع السابق، (الهامش1 من صفحة 1031)
***
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق