الأحد، 5 أبريل 2026

الكلمات والأفراد في النص والمجتمع

 


سبق وتحدثنا عن مقارنة كلاود ليفي ستراوس بين اللغة والمجتمع، من حيث أن العلاقات بين الكلمات داخل النص تحاكي الأفراد داخل المجتمع، وأضيف الآن مسألة هامة يلاحظها معظم الناس وينتقدونها غالبا دون تحليلها وتعليلها. لنفرض أنك واحد من ثلاثة إخوة في العائلة. ولنفرض بأنك أصغرهم. ففي هذه الحالة، قد لا تكون علاقتك جيدة مع أخيك الأكبر، فلا داعي لتقلق، لأن الأمر طبيعي، ولكن بمجرد أن يغيب الأخ الوسط تتحسن علاقتك بأخيك الأكبر!. هذا مجرد مثال، ففي عمق المسألة يمكننا أن نستنتج بأن كل تجمع بشري (أسرة/عائلة/جماعة) لابد أن تبلور شخصيتها الجماعية، وهذه الشخصية تحاكي تلقائيا الشخصية الفردية. فمثلا: يمكن أن تلاحظ بأن أحد إخوتك عاطفي جدا، في حين أن الثاني عقلاني، والثالث يميل إلى اللهو والاستهتار والفوضى...الخ، وقد يكون مستحيلا أن تجد علاجا للمستهتر العابث بكل شيء، لكن إذا اختفى مثلا أخوك الذي يتميز بالعقلانية، فغالبا ما يتحسن المستهتر! لأن الروح الجماعية تعمل على إعادة تشكيل شخصيتها (لاحظ: كلمة "حرب" لو حذفنا منها الحرف الوسط ستصبح "حب")، ولابد لهذه الشخصية الجماعية أن تحتوي على فرد يمثل العاطفة، والثاني يمثل العقل، والثالث يمثل الفوضى. ومن النادر جدا (شذوذ سوسيولوجي/أنثروبولوجي ربما) أن تجد جميع أفراد العائلة متشابهين في شخصياتهم. فإذن، عليك ألا تلوم أخاك أو أختك كثيرا إذا لاحظت بأن أحدهم يميل إلى الفوضى، لأن تلك الفوضى نفسها لها دور باطني في تقويم باقي الأفراد الذين يمثلون النظام أو العقلانية في منزلك. إذا لاحظت بأنك شخص حكيم في عائلتك، فلا تتعب نفسك في جعل الجميع يفكر بالعقل والحكمة مثلك، لأن روح الشخصية الجماعية تأبى ذلك، ولهذا ينمو ويتربى الطفل بشكل سليم إذا كان له والدان؛ فالأم هي التي تغرس فيه العاطفة (السماح بالتجاوز=الفوضى ...الخ) والأب هو الذي يغرس فيه ملكة العقل (العقاب على التجاوز=النظام/الانضباط....الخ). وهكذا يفكر بروح ذكورية ويتخيل بروح أنثوية إن جاز التعبير. فكما يخرج الطفل من بطن أمه، كذلك يخرج العقل من سديم الخيال، وعلى العموم فإن الفوضى سابقة للنظام. ولامعنى إطلاقا للنظام إلا بوجود بعض الفوضى، فتريث قليلا قبل أن تحكم على أخيك أو أحد من أفراد عائلتك بأنه لا يفيد إلا في إثارة المشاكل، فكثيرا ما يكون لما يثيره من مشاكل دور هام في قدرتك أنت على التفكير السليم.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)


سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق