الأحد، 5 أبريل 2026

الوعي الفينومينولوجي

 

حتى لو سلمنا بأن للطبيعة عمقاً غير مدرَك، فإن تحكُّمه في المستوى المدرَك للطبيعة ينحصر في حيز القوة دون الفعل (بالمدلول الفلسفي). خذ مثلاً الفنان الكوميدي، هل يولد كوميدياً أم أن شيئا ما يحدث له في حياته فيميل به إلى الفن الكوميدي؟. بيد أنه لا يصبح كوميدياً انطلاقا من دوافع جوهرية، بل من دوافع مظهرية، وذلك يبدأ منذ نظراته الأولى ربما إلى المرآة حيث يلاحظ بأن له ملامح تميل إلى الإضحاك، أو يحدث أن يضحكه صوته أو كلماته، أو حركاته، وهذا كله يعني أن المظهر هو المتحكم بالفعل في الجوهر وليس العكس. لقد جرت عادة الفكر التقليدي (المثالي) على أن للجوهر فضلاً فعليا على المظهر، وذلك تبعا لمسلسل التعليل (علاقة العلة بالمعلول) التي كانوا دائماً يحذفون فيها حقائق دون أن يشعروا، مخلطين بين القوة والفعل، وكمثال على ذلك الفكر الديني، حيث يقول لك رجل الدين بأن الله هو الذي ينزل الأمطار، والله هو الذي يخلق الانسان..الخ دون أن ينتبه إلى ذلك الانزال وهذا الخلق إنما يتم بالقوة وليس بالفعل، وإذا حاولت أن تكون واقعيا أكثر وتُعمل المنطق الفلسفي بحيث تقول بأن الأمطار تسقط بسبب الغيوم التي هي عبارة عن بخار المياه...الخ، اتهموك بالكفر بدل أن يبحثوا معك عن أرضية منطقية فلسفية مشتركة، يعترف فيها الجميع بفضل الظاهر على الباطن احتكاماً إلى الواقع المعجَّل وتغليبه الضروري على المنطق المؤجل. هب أنني أريد أن أشتري تلك السيارة المركونة أمام منزلك، وسألتك: "لمن هذه السيارة؟"، وهب أنك أجبتني جوابا مثاليا بقولك: "إنها لله"، فهل تعتقد أنني سأشتريها منك إذا لم نتوصل إلى حل واقعي بحيث تقول لي مثلا: "السيارة لي بفضل الله"؟. أعتقد أن هذا يوضح لنا بمنتهى البساطة حاجتنا إلى إعمال التسلسل الفعلي للعلل سواء كنا مؤمنين أو ملحدين. إن مثال الفنان الكوميدي المذكور أعلاه في الواقع ينطبق على ظواهر عملاقة وأخرى مجهرية على حد سواء، فكل شخص-ببساطة-يتحدد سلوكه بناءً على شكله الخارجي، ولذلك يقال عن الكرامة مثلاً "ماء الوجه"، بل ولذلك أيضا يتفاعل الوجه مع الأحداث. فلو كنتَ رجلاً ملتحياً فإن تعاملك مع المجتمع سوف تتحكم فيه مواقفك القائمة على أخذ "اللحية" بعين الاعتبار بشكل قد تشعر به وقد لا تشعر، وإذا حلقت تلك اللحية، فسوف يتغير سلوكك ولو بنسبة ضئيلة تكاد تبدو غير ملحوظة بالنسبة إليك. وكذلك إذا ارتديت قناعاً، تتصرف دون أن تشعر كما يليق بصاحب وجه مخفي، وقس عليه في تعاملك مع الناس عبر شبكة الانترنت والفرق بينه وبين تعاملك المباشر معهم، وهذا بالضبط ما يحدث على مستوى الطبيعة، حيث قد يكون للجوهر فضلاً بالقوة على المظهر إلى حين ثم تنقلب المعادلة، هذا لو سلمنا أصلا بوجود الجوهر، وإلا فإن للمظهر كل الفضل على ما نبتكره من الجواهر.

وبناء على ذلك، فحتى وإن سلمنا بوجود الجوهر وانفصاله عن المظهر، نرى أن الله لم يخلق الفنان الكوميدي بالفعل، وإنما خلقه بالقوة فقط. وعلى مستوى أعمق من ذلك قليلا، يمكن أن نستدل بانتفاء الخلق الفعلي الإلهي للفنان- بالمقارنة مع خلق الانسان-على انتفاء خلقه للإنسان أيضا بالمقارنة مع الحيوان! أي إذا جاء يوم وثبت للجميع بأن الانسان ينحدر من الحيوان، كما ذهب داروين، فهذا يعني أن الله خلق الانسان بالقوة فقط وخلق الحيوان بالفعل، بيد أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار الأصل الفيزيائي للحيوان (أي تجاوزنا الطور البيولوجي) ظهر لنا بأن الله لم يخلق حتى الحيوان بالفعل، وإنما خلقه بالقوة فقط، وهلم جرا حتى تنتهي إلى واقع يقول لك بأن الله لم يخلق بالفعل إلا ذرة الهيدروجين. وإذا تبين لك بأن هناك تفاعلا كيميائيا سابقا للهيدروجين، فأنت إذن مضطر منطقيا للافتراض بأن الله لم يخلق شيئا بالفعل، وإنما هو خالق بالقوة فقط، مع الإشارة- مرة أخرى- ألى أنني أتحدث عن ثنائية "القوة والفعل" بمفهومها الفلسفي. خلاصة هذه الورقة: أن المظهر هو الخالق الفعلي للجوهر.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق