الجمعة، 10 أبريل 2026

تعثر التنوير في العالم العربوفوني

 


لقد بات واضحاً بأن أغلبية الأمة متعاطفة مع الجماعات الدينية، فهذا أمر محسوم بالنسبة لي على الأقل، وبات واضحاً أيضا بأن المثقف التنويري العربي لم يستطع أن يحدث تغييرا في هذه العقول المتحجرة رغم أنه استعان بالنموذج الغربي، ومن أهم ذلك النموذج الاشتراكي الذي باغته انهيار اتحاد السوفياتي وحول أنصاره إلى مجموعة من الثرثارين لا يكاد يصغي إليهم أحد. فهل سنخوض في نقاش عميق ومعقد لا طائل منه، بحيث نختلف كثيرا عن تشخيص الأسباب التي زادتنا فشلا على فشل؟.

 قد يتفاجأ القارئ بما سأقول، لأنه يتصور بأن هذا الموضوع يحتاج إلى مجلدات من التفاصيل المثيرة للقيء، ومع ذلك اخترت أن أشير إلى هذه النقطة (الهامة) في كلمات معدودات كما يلي:
تعرفون بأن النموذج الديني للثورة الغربية فشل، وأعني هنا النموذج البروتستانتي، ولكن النموذج الفلسفي نجح أيما نجاج، فلنعد قليلا إلى الثورة الفرنسية التي استطاعت أن توصل الإنسان إلى السلطة بعد أن كان الرب وحده لا شريك له في الحكم من خلال شخص الملك. ولكن هذا لم يحدث في هذه الثورات الأخيرة، رغم أنها نبعت من تونس، وهي كما نعلم جميعا بلد مغاربي شبه مؤرب (ذو نمط شبه أروبي). والآن، كل ما حدث وما سيحدث من الثورات في سياق الربيع العربي سيكتسب تلقائيا الصبغة التونسية إن بشكل أو بآخر، فلا أحد سيسمح للمتطرفين بالوصول إلى السلطة، ولكن في المقابل، وكما نرى، لن تكون هناك سلطة إنسانية (مدنية) محضة، وهذا دليل قاطع على أن التشبع بالثقافة الغربية كان نخبويا ليس إلا، فالسؤال المطروح هو: لماذا لم يستطع هذا النموج الثوري المدني الإنساني أن ينزل إلى قاعدة الهرم الشعبي؟
جوابي هو: السر في "المسجد"، نعم عزيزي القارئ..فلقد قرأت عن الفكر الاعتزالي منذ سنوات، لكني لم أنتبه إلا مسألة بسيطة تكاد لا يلتفت إليها أحد لشدة تفاهتها، فنحن نركز على الاختلاف الفكري الذي حصل بين الشيخ الحسن البصري وتلميذه واصل بن عطاء، دون أن ننتبه إلى المكان الذي حدث فيه ذلك "الاختلاف" وهو "المسجد"..ولكي يفهم القارئ جيدا ماذا أقصد فإنني أذكره بأن مسجدنا لم يتمكن فيه أحد (المصلين) من الاعتراض على خطبة الجمعة، سواء في جزئها أو كلها. هل سبق لك أن ناقشت الإمام في شيء يوم الجمعة؟ أنا أستبعد ذلك. ربما حدث لكن بشكل نادر جدا لا يعدو أن يكون استثناءً. إن دخول المسجد في يوم الجمعة غير مشروط، فبإمكان الأمي والمتعلم والغني والفقير أن يدخله ويحضر تلك الخطبة..وهنا تمكن الصوت الديني من التسرب والتغلل بكل حرية إلى أغلبية الشعب، ولم يتعودوا على اعتراضه، أرجو أن تفهموا هذه النقطة سيكولوجياً، فالخطاب الديني لا يُناقش، لأننا لم نجرؤ على مناقشة أصحابه أمام العامة (الأغلبية من البسطاء والمتعلمين معا). وفي نفس الوقت نجد أن الفضاء الجامعي يسمح بمناقشة الخطاب الديني، وهذا جيد، ولكن يجب ألا ننسى بأن أغلبية الأمة لم تدخل هذه الجامعات ولا تعرف كيف تقرأ وتكتب أساساً، فكيف نخرج هذا النوع (الأغلبية) من قدسية الخطاب الديني إذا لم نجعله مطروحا للنقاش أمامهم وفي المسجد بالذات. إنني لا أقصد إشاعة الاعتراضات الفارغة وإثارة الهرج والمرج، بل أرى أن إمام المسجد يتمتع بقدسية شبه كاملة في لا شعور أغلبية هذه الأمة. ولعلكم تدركون علاقة الصلاة بالسلطة فهل سأعود بكم إلى الطريقة التي تولى بها أبو بكر الصديق خلافة المسلمين؟ لقد أمره النبي أن "يصلي" بالناس، وكان هذا "يكفي" الأخرين دليلا على أن أبا بكر هو الخليفة!. هناك نقطة أخرى دقيقة، وهي أن أغلبية أمتنا تشعر (بشكل واعي أو لاوعي) بأن من يحكمونها غير شرعيين، لأن من يحكمهم في المسجد (الإمام) ليس هو الذي يحكمهم في الدولة!. سوف ترضى أغلبيتنا حين يروا بأن الخطاب الذي يسمعونه في المجسد كل جمعة، هو الخطاب الذي يسمعونه في المجلس الجمهوري والوزاري والبرلماني! هذه هي طبيعة الإنسان الأمي أو قليل الدراية، فهو لا يحب المغامرات والابتعاد عن الفطرة، وما هذه الأخيرة إلا ما التقمه من الثقافة الدينية منذ طفولته في المساجد. لقد انطلت خدعة بسيطة على الثائرين في السنة الماضية، وهي أنهم كانوا كثيرا ما ينطلقون من المساجد! دون أن يدركوا أبعاد ذلك فيما بعد الإطاحة بالنظام الفاسد. لماذا لم ينطلقوا من الجامعات والمدارس والمقاهي ودور الشباب ودور الثقافة؟ لأنها مغلقة بسبب التوتر الأمني..إذن، فليعترف إخواننا العلمانيون بأن الجماعات المتاجرة بالدين كانت أكثر حظا منهم، لأن المساجد لم تكن مغلقة! لماذا لم تكن مغلقة يا ترى؟ لا تظن عزيزي القاريء بأن هذا السؤال بسيط بل يمتد إلى أعماق الحياة الاجتماعية والنفسية والسياسية التي يعيشها العربي المسلم، فأن يُستثنى المسجد من التوتر الذي يهدد الجامعة فهذا في حد ذاته يدعو المثقف إلى التفكير في العمل على المساوة بين المسجد والجامعة. حتى لا أطيل، سأكتفي بما يلي: 
لاحظوا أننا كثيرا ما نجد الإمام يهرف بما لا يعرف، ولكن لا يخطر على بالنا أن نناقشه، فهو فوق المنبر وفوق الجميع، لماذا هو كذلك؟ من أعطاه الحق في أن يضخ ما يشاء من الخطابات المغلوطة في وجدان بسطائنا؟ ما دمنا نحافظ على هذه القدسية غير المبررة فلا نتوقع من أغلبيتنا أن يعترض على شيء مما يأتي به دعاة التدين.
نقطة أخيرة: لاحظوا أن كلامي هذا من المستحيل أن أدلي به في المسجد يوم الجمعة، لأن العادة تقتضي من الجميع ألا يناقش الإمام!.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق