عادة ما يتمّ الخلط بين الاثنين، لكن
الأنثروبولوجيا تفرّق بينهما، وكذلك التاريخ، فالوحشية سادت قبل الهمجية، كما أنها
أشدّ ارتباطاً بالغابة من الهمجية المرتبطة نفاقاً بالمدنية. في
بداية التاريخ كان الإنسان متوحّشاً في كل مكان، ولا شيء غير الوحشية، وبعد أن قطع
أشواطاً طويلة في التقدم والتحضّر وقع في نكسة بسبب الأديان، فأصبح فاسقاً بالمعنى
الحضاري، أي صار في منزلة بين منزلتين؛ لا هو متوحّش
عن بينة، ولا هو متحضّر عن بينة، حيث أصبح يرتكب مجازر بشعة وهو قادر على
استقباحها عكس ما كان يحدث في زمن الوحشية، وهذه هي الهمجية؛ فالهمجي هو ذلك الذي
يمارس الوحشية ويدافع عنها بمبادئ حضارية، بحيث يحاول أن يجعل الحضارة في خدمة
الوحشية، عكس المتوحش الذي كان يحاول بإخلاص طبيعي (وليس ثقافياً) أن يصبح أفضل
مما كان. فبعدما ظهرت العقيدة الإبراهيمية مباشرة بدأت البشرية تعاني،
حيث بدأ أتباع إبراهيم (أو براهما) الآريون يرتكبون وحشياتهم في حق الشعوب المستضعفة باسم الرب هذه
المرة، فكان من جملة أعمالهم الهمجية/البربرية (وليس الوحشية) أنهم دمّروا جزر آيجة وكانوا سببا في نشوء ما يسمى "شعوب البحر"
الذين
أصبحوا فيما بعد يُطلق عليهم "الفيليستينيون"، ثم أخيرا ً
أُطلق عليهم "الفلسطينيون"، وهم كما قلت
سابقا شعب متحضّر جداً، وليسوا عرباً كما يعتقد معظم العرب، سواء في فلسطين أو في
غيرها. وعلى فكرة: فلو لم يلتقِ العرب بالشعوب المتقدمة كالكنعانيين والآراميين
والأقباط والأكراد والفلسطينيين والأمازيغ لظلوا (أي العرب) في مرتبة
الوحشية وليس حتى الهمجية، وهذه شهادة ابن خلدون الذي صرّح بأن "العرب يعانون من
وحشية مستحكمة، وأنهم لا يدخلون أرضا إلا وأسرع إليها الخراب".
الملحوظ أن أقدار كل من الفليستينيين واليهود تتشابه إلى حد
مدهش، فمن قدر الفسلطينيين أن يتشرّدوا في أصقاع الأرض تماما مثل اليهود. فكما تعرّض
اليهود لما يسمى "الدياسبورا"
على
يد الملك الاشوري، والأسر البابلي، والتدمير المصري الذي الحقه الفرعون الأمازيغي
شيشنق بمملكة سليمان اليهودية وهلم جراً وذبحاً وأسراً وحرقاً إلى هتلر، كذلك كان
الفلسطينيون طوال التاريخ القديم والحديث يتعرّضون للتشتيت والقتل والتهجير، ولما
كان الهمج الآريون (أتباع براهما الذين خرّبوا الهند وزرعوا فيها أول عقيدة
أبراهيمية وهي الهندوسية التي سوف تنبثق عنها النصرانية والمانوية والإسلام) يشردون
الفلسطينيين بسخاء، كان الفلسطينيون دائماً يعتدون (مضطرين) على الدول
الأخرى وعلى رأسها مصر، حيث هاجموها مراراً كما تفعل حماس اليوم، وقد كانت لهم يد
طويلة في مساعدة الأمازيغ الذين استولوا على مصر وحكموها لما يناهز قرنين ونصف. الفلسطينيون لا
يختلفون تقريبا عن اليهود حتى في الدسائس، فهم أيضا كثيرا ما سببوا حروبا أهلية في
الدول التي لجؤوا إليها، كما فعل ياسر عرفات في لبنان وكما تفعل حماس اليوم في
مصر، ولا يتسع الوقت لنتحدث عن علاقة الدسائس بالهزائم العسكرية، أي أن الشعب
عندما ينهزم في العلن يضطر إلى تطوير قوة مكر خفية تمكّنه من نخر الدول الأجنبية
بصمت.
والخلاصة
أن الوحشية ذات أصل حيواني، أما الهمجية فذات أصل ديني في الظاهر وسياسي في الباطن.
(من
تدوينات أرشيف الفيسبوك)
سعيد بودبوز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق