الأحد، 5 أبريل 2026

انقراض الذاكرة

 

في عصور ما قبل التدوين، كانت ذاكرة الإنسان قوية جداً. كانوا يحفظون ملاحم كبيرة عن ظهر القلب، حتى قيل أن الملحمة الهندية "الرامايانا" كان يكفي بعض الهنود أن يسمعوها مرة واحدة ليحفظوها. ولهذا أيضاً اضطر الإنسان القديم إلى المزج بين الحكاية والشعر، لأن الحكاية المنثورة يصعب حفظها، ولكن بفضل النظم الشعري يسهل حفظها. لقد كانت الذاكرة قوية لأنّ الإنسان كان يعتمد عليها كثيراً، فكلّ ما يتم إعماله تطوّره الطبيعة، وكل ما يتمّ إهماله تتخلى عنه الطبيعة فيتضاءل شيئاً فشيئاً حتى يختفي. هذا حال العقل أيضاً بالنسبة للمجتمعات المتدينة بشكل مفرط. كلما تقدّمت وسائل التدوين الصناعية تتراجع الذاكرة الطبيعية، ويبدو أنه لا مفر من انقراضها وسيصبح الإنسان عبداً للآلة عكس ما يظن البعض من أنّ الآلة ستصبح عبداً للإنسان. قد يأتي عصر يمكن لأي شخص أن يصنع "روبوت" خاصاً به، يفوّض إليه جميع مسؤولياته، فينوب عنه الروبوت في كل شيء، حتى عن تذكّر أسماء ووجوه أصدقائه وأفراد عائلته، لكن الإنسان في المقابل سوف يتطوّر حسّه العلمي وقدرته على الإدراك والتحليل. وبالتالي فإنّ كثرة النسيان في عصرنا، وكثرة الشعور بفقدان الذاكرة، ليس حالة مرضية بالضرورة، بل هو أمر طبيعي، فلا يمكن أن تصبح عضلاتك مفتولة إذا لم تكن تمارس تمارين رياضية، لأنّ كل عضو من أعضاء جسمك يقوى ويتطوّر بحسب استعمالك إياه. إذا عوّدت جسمك على رفع الأثقال من المؤكد أن جسمك سيقوى ويتطوّر في هذا الاتجاه، ولكن لو كنت تستعمل آلة في رفع الأثقال فلن يقوى جسمك ولن يتطوّر، بل سيتراجع بالتدريج، وهذا بالضبط ما ينطبق على الذاكرة. ولا عجب أن يصبح للإنسان رأس كبير وجسم صغير إذا كان يعتمد على ذكائه بشكل أكبر بكثير من الاعتماد على جسمه، لكن الأمر يحتاج لمرور مئات أو ربما آلاف السنين. إذا كنت بين حين وآخر تشتري حاسوباً مزوّداً بذاكرة أكبر من السابق، فلا تنسَ أن ذاكرتك تتخلّف كلما تقدمت ذاكرة حاسوبك. لا أقول بانك ستعجز عن حفظ قصيدتك التي لا تتجاوز 20 بيتاً، فهذا مؤكد، ولكني أقول بأنك قد تعجز حتى عن حفظ عنوانها، والسبب يعود ببساطة إلى اعتمادك المتزايد على قوّة ذاكرة حاسوبك.

 (من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق