الجمعة، 10 أبريل 2026

هل يمكن أن تكون أنت الذي خلقتَ نفسك؟!

 

لا نريد أي تفسير إيديولوجي رجاءً، فنحن نطرح الأشياء كما هي. ولسنا نتبنى بالضرورة الصورة التي تتشكل أمامنا من أجزاء ما كتبه واعتقده غيرنا. إننا فقط نحاول جر الأفكار إلى حدودها القصوى ما أمكن. نحن نتعلم في مدارسنا (وجامعاتنا)، وفقاً لثقافتنا التي تعكسها مناهجنا الأكاديمية، بأن الإنسان كلما تعمق وتوسع في العلم، زاد تقرباً من الله. وهناك علماء فلك وغيرهم من المسي

حيين وغير المسيحيين اعتنقوا الإسلام بسبب ما توصلوا إليه من المعلومات، فنحن لا ننكر هذا، ولكنا فقط نتساءل: هل كان هؤلاء أصلا عميقي المعرفة؟
لكي لا نثير تأويلات في غير محلها، من الأفضل أن نقول بأن ما ورثناه من الاعتقاد بأن التعمق في العلم يقرب من الله، غير دقيق، وإليكم كيف، ولكن بعجالة شديدة:
ينطلق المتصوف (المسلم على سبيل المثال) من محبته الشديدة لله. ويقطع مسافات وجدانية طويلة وشاقة في التقرب منه. ولكن في النهاية لا يصل إلى الله، بل يصل إلى ذاته! وهذا ما أودى بحياة الحلاج وغيره. أما ابن الفارض وأمثاله، فلقد تركوا لنا فرصة لندرك بوضوح كيف كانوا يركعون ويسجدون لأنفسهم تلميحا وتصريحاً. إن سألتهم من داخل الشريعة الإسلامية يقولون لك "إنه الفناء في ذات الله"، ولكن الله في نفس الوقت ليس هو الذي يقرر ما يجب أن يفعلوه، بل هم من يقررون ما يجب عليه أن يفعل نحوهم! أعرف بأن القراءات الإيديولوجية لكتابات هؤلاء لا تطرحهم كما هم بشكل موضوعي، فمنها ما يميل إلى اعتبارهم أولياء الله لدرجة لا يمكننا تصورها، ومنها ما يعلنهم زنادقة وكفى، ومنها ما يظهرهم مجموعة من الحمقى والمجانين لا أكثر ولا أقل. ولكن ظاهرة التصوف هذه ليست حكرا على المسلمين، بل هي موجودة في كل الأديان، سواء منها الأديان السماوية أو الطبيعية كالبوذية والهندوسية والجينية. ونستطيع القول بأن الجميع يصل إلى ذاته في النهاية، ويُفني معبوده في ذاته بدل أن يفنى في ذات معبوده! شخصياً قارنت بين ميدان التصوف في هذه الأديان (الإبراهيمية وغيرها)، وبين بعض أشد الفلسفات الغربية إلحادا وهي الفلسفة الوجودية على سبيل المثال، وبالضبط فلسفة الألماني فريدريك نيتشه. فهذا الأخير تقوم فلسفته على أن الغاية المثلى التي تسعى الطبيعة إلى تحقيقها هي إيجاد الإنسان المتفوق، وما هذا الأخير إلا الإنسان الإله كما نجده في كتاب "السر الأكبر" لدافيد إيكه. فهذا الإنسان الآن وقبل الآن كان بحاجة إلى إله، لأنه كان بحاجة إلى قوة هائلة يعتقد أنها غير موجودة في روحه، بينما هي موجودة، وكل ما كان عليه أن يفعل هو أن يتطور ويتعلم ويتدرب ويتعمق في ذاته وروحه لكي يكتشف تلك الطاقة الرهيبة التي لا حدود لها، أعني الطاقة التي.....ربما....هي التي خلقته!
نحن الآن مثلا نعتقد جازمين بأننا لم نخلق أنفسنا، وبالتالي فلا بد أن يكون هناك خالق عظيم جبار حكيم هو الذي خلقنا. لاحظ أنه لو حدث أن علمنا ذات يوم بأننا نحن الذين خلقنا أنفسنا، ما كان هناك معنى للاعتقاد بوجود إله. لنبدأ مما هو أبسط: لقد كنا دائما نعتقد بأن حدود الإنسان هي حدود وعيه، بمعنى أن ما لا نتذكره لم يحدث لنا، وما لا يدركه وعينا ليس في طاقتنا، وما لا يدور في ذهننا لا نعرفه... الخ. ولكن مؤخرا ربما تبين لنا، من خلال علم النفس، بأن هناك "لاوعي" أيضا بالإضافة إلى "الوعي". وحين نقارن بين السيكولوجيا والروحانيات يتبين لنا بأن ما يسمى "اللاوعي" هو "الروح". وهناك مثال آخر، وهو أننا حين ننام لا نستيقظ بفعل وعينا، وإنما هناك قوة لا ندركها فينا هي التي توجهنا إلى عالم الأحلام، وهي التي توجهنا إلى عالم اليقظة استجابة لمجموعة من العوامل التي تقيم هي تأثيرها. بل هي التي تبقي قلوبنا مستيقظة (تضخ الدماء) والرئة شغالة والكليتين الخ حتى ونحن نائمون. فمن هنا، (وحسب ما في هذه الورقة) ليس هناك مانع قطعي من قدرتنا على الارتقاء إلى حياة جديدة بعد الموت، لا بل إن الموت يحدث بفعل قوتنا اللاواعية، فكأنه حين يحدث ما لا يحتمله دماغنا (وجهازنا العصبي) من التفكك للجسم، تقوم قوتنا اللاشعورية (الروح) بفعل الموت استعدادا للانتقال إلى مرحلة أخرى متقدمة لا تحتاج إلى هذا الجسم !!
تعرفون أن السير على الأرض يجب أن يكون دائريا شئنا أم أبينا، وكذلك أية حركة في الكون يجب أن تكون منحنية، فكذلك الحركة الوجدانية والروحية والعقلية للإنسان، تبدو في بداية الأمر بأنها انطلقت بصاحبها بعيدا عن ذاته، ولكن في النهاية يرتطم بذاته كما يرتطم بها المتصوفة وغيرهم.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق