الأحد، 5 أبريل 2026

الموسيقى بين الفعل والانفعال

 


كما اتفق نيتشه مع شوبنهاور في كون الأخلاق والأديان ظاهرة ارتكاسية (عبارة عن ردّة فعل)، كذلك ميّز بين الموسيقى "الفعلية" والموسيفى "الانفعالية"، وكان يرى أن هذه الأخيرة شأنها شأن الأديان إنما تريد أن تشوّش على الأولى من أجل ألا تنمو القدرات الخلاقة للإنسان (شبيهة بالإخصاء/الرهبنة/الختان/ تحريم الجنس...). التمييز بين النوعين بسيط؛ فمثلا يمكن اعتبار الطرب العربي كأم كلثوم و عبد الحليم، ارتكاسياً، لأنّ هذا النوع من الموسيقى -وإن كنا نحبّه- إنما هو عقيم في الواقع، ويدعو إلى الركود والخضوع والاستسلام، شأنه شأن الأديان واللغة وكثرة الفضائل. الموسيقى الفعلية هي التي تثير فيك النهوض حدّ الرعب، مثل موسيقى فاغنر أو بيتهوفن، أو تلك المعتمدة في النوادي الرياضية كرفع الأثقال والكونغ فو وغيره. تلك هي الموسيقى التي تربط الاتصال بين الإنسان والطبيعة، وتفعّل فيه غرائز التقدم، تعيد إلى ذهنه لحظة الثورة على الخلقة الحيوانية والنهوض بالخلقة البشرية، فرغم إعجابي الكبير بطرب عبد الحليم، إلا أنني واثق من أنه لو ظهر ونحن مازلنا في عصور الغابة لجلسنا أرضا وأجّلنا الانتقال إلى المدينة
تتيمّز الموسيقى الفعلية بأنّها تستنهض في النفس شخصا راشدا (قائما ومستعدا للانطلاق)، في حين تتميز الموسيقى الارتكاسية بأنها تستنهض في النفس طفلا منتحبا.. عاجزاً (يحبو). الأوّلى تمسح دموعه وتحرّضه على مواجهة الكون، أما الثانية فهي تسيل دموعه وتحيي في أعماقه أيام الاعتماد على الأمّ والأب... حين كان يجبرهما بالبكاء وحده على تحقيق مطالبه الطفولية (لاحظ أن البكاء لغة مقنعة، وذلك لأنه مرتبط بالموسيقى التي هي أصل اللغة). ولكن المشكلة أن هذا التراجع اللاشعوري على مستوى الفرد إلى أيام الطفولة، ما هو إلا جزء من التراجع النوعي (النوع البشري) نحو عصور المشي على أربعة أقدام (تخلّف مطلق)..عصور ما قبل البدائية، وهذا يعني تضييع وقت الطبيعة وعرقلة تقدمّها من خلال الطبعة الإنسانية الراهنة نحو الأعلى، نحو الارتقاء في الخلقة وليس في الأخلاق..نحو طبعة حديثة قد تكون مؤهّلة لمواجهة ومواكبة التطوّر الكوني.
لو تأمّلنا بعمق، نجد أن الموسيقى في الأصل انبثقت من ألحان "البكاء" لدى الطفل، وألحان"التهدئة" لدى الأمّ..الأولى عبارة عن نبرات تثير البكاء، والثانية عبارة عن نبرات مضادة تعمل على تبديد هذا البكاء وإحلال الهدوء والاطمئنان محلّه. عندما يبكي الطفل قربك، لاحظ صوت أمه وهي تدلله وتهدئ من روعه.. إن الأم في هذه الحالة، تصدر صوتاً ينتمي إلى ما يسميه نيتشه بالموسيقى "الفعلية" الخلاقة، بينما ينتمي صوت البكاء لدى الطفل إلى الموسيقى الارتكاسية (ردة فعل)، فالأم- دون أن تشعر- تستحضر تلقائيا تلك الألحان التي تسكت الطفل وتطمئنه، وقد يسهل أن تلاحظ بأن الموسيقى الغربية برمّتها تميل إلى صوت "الأم" السابق ذكره، وأن الموسيقى العربية (خاصة الكلاسيكية) تميل إلى صوت بكاء الطفل. وهناك أمر آخر، وهو أنّ الأمّ نفسها قد تصدر إيماءات ونبرات مازحة لكنها مخيفة بالنسبة إلى الطفل، وهذه النبرات تنتمي إلى موسيقى الرّعب، وهي تفعل ذلك من أجل أن تنشط انتباه طفلها، فتتسع عينيه فجأة ثم تبتسم له وتطمئنه من جديد. هذه هي الروح الخلاقة التي أحياها بيتهوفن وفاغنر بشكل أثار إعجاب نيتشه. فعندما تستمع إلى موسيقى فاغنر ستجف دموعك وتشل ضحكتك حالا حتى وإن كنت متعطّشا للبكاء أو للضحك.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق