الخميس، 9 أبريل 2026

القرآن ومعركة الإعجاز العلمي

 


نحن نبحث عن معجزة في انشقاق القمر، ونسينا بأن القمر نفسه معجزة، كما أشار الصادق النيهوم في كتابه "إسلام ضد الإسلام". في ذلك دلالة خفية على أن هناك من يبحث عن التأله، وبالتالي السيطرة على العقول وإخضاع الإنسانية لرغباته الوحشية. هل يدل انشقاق القمر على إضافة ما إلى هذا الكون؟. أم على العكس، يدل على محاولة النيل من هذا الكون بطريقة أو بأخرى؟. حتى وإن صح  انشقاق القمر، وحتى وان كان هناك من يشهد على ذلك، فلماذا لا تكون المعجزة إيجابية، كإحياء الميت مثلا (هذا إن صح أن هناك من أحيى الأموات، فنحن لا ندري كيف لم نسي أن يحيي نفسه).
لماذا لا تكون المعجزة إيجابية؟ أي بدل أن يشق القمر إلى نصفين، يؤتي بقمر جديد ويضاف إلى هذا القمر الجميل الذي يطوف حول كوكبنا؟
خلال القرون القليلة الماضية أثبت العلم، بما لا يدع مجالا للشك، بأن ماورد في العهدين القديم والجديد (أي التوراه والإنجيل) باطل، وبذلك عرف البابا قدر نفسه، وأدركته الحكمة والتواضع فلزم بيته، لايخرج منه إلا من أجل الصلاة وإلقاء مواعظ خجولة بصوت خافت يكاد لسان حاله يقول: "إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء". برفع لفظ الجلالة وليس بنصبها (مع الإشارة إلى أن عبد الرزاق جبران في كتابه "لصوص الله" قرأ لفظ الجلالة مرفوعا، ولكن ليس عن جهل منه، بل عن قصد، وهو يعني باختصار أن العلم الحقيقي لا يقود إلى إثبات هذه الآلهة بالشكل الذي يتحدث عنه كهنتنا، بل يثبت بطلانها).
إذن، لقد وقَّعت الكنيسة على فشلها الذريع في العلوم، وتم الاحتفال بإفلاسها المبين، وبقيت متمسكة بتعاليمها الروحانية. وينبغي ألا ننسى بأن فشل الكنيسة في تفسير الكون لم يأت من داخلها، بل من خارجها، اقرؤوا كوبرنيكوس وجاليليو وغيرهم. فإذن من المضحك أن ينتظر العاقل من رجل الدين أن يعلن يوما على المنبر بأن الكتاب المقدس قد فشل في فهم الطبيعة، فما بالك بشرحها وتفسيرها. بالنسبة لديننا الإسلامي، فمن الملحوظ أنه لم يضعه الباحثون الغربيون العمالقة تحت المجهر بنفس الجدية والحزم والعزم الذي واجهوا به الكنيسة، وإن كنا لا ننكر بأن هناك العديد من الانتقادات، لكن على كل حال، فإن الإسلام لا يعني الباحثين الغربيين الأحرار في شيء، لأن ما ينشره الكهنة الإسلاميين من العبودية بعيد عن بلادهم المتقدمة. فرغم كل الكتب الغربية التي انتقدت الإسلام، فإننا لا نلاحظ هجمة حقيقية تروم إلحاقه بالمسيحية ووضعهما في سلة النفايات الفكرية والعقائدية، لأن الأمر أصلا لا يتطلب الهجمات، فالنسف الحقيقي للأديان المزعومة يجب أن يكون علميا، وبعيدا عن الانفاعلات والرغبات الشخصية. أما الهجمات الانفعالية، فهي بالعكس؛ يتخذها الكهنة دليلا على قوة دينهم.
إن الكنيسة لم تستسلم بسهولة أمام الترسانة الفلسفية الغربية، بل قاتلت بالسيف حتى تكسر، ثم قاتلت بمقبضه حتى تلاشى، ثم قاتلت بنار الحرق حتى انطفأت، ثم قاتلت بحبال الشنق حتى تقطعت، وأخيرا قاتلت بسيف دونكيشوت وهي تترنح كما نلاحظ في بعض الفلسفات المثالية المثيرة للضحك، نذكر منها فلسفة باركلي. لقد قاتلت العلم بضراوة تحت لواء الحقيقة المطلقة. أي (المقدمة الصحيحة التي يجب الدفاع عنها أمام النتائج العلمية المزيفة)، ولكن في النهاية استسلمت للواقع، ولفظت أنفاسها الأخيرة، وانفصلت روحها عن جسدها، وها هي الآن مجرد روح ترفرف باستحياء حول المحتضرين، وتقول لهم: "ما أريكم أن أغفر لكم جميع الذنوب قبل أن تموتوا".. بهذا يتضح نها قبلت وظيفتها الطبيعية، وهي تجهيز الإنسان للموت فقط بعد أن كانت تجهزه للحياة.
وعلى غرار ذلك، نلاحظ بأن الكهنة في الإسلام قاتلوا جميع العقول الوافدة، وعلى رأسها العقل الإغريقي، وإن بقي العقل الفارسي في قلعته صامدا، ولكن ذلك لا يعود إلى صلابة الجدران التي بنيت بها تلك القلعة، بل يعود إلى أن العقل الفارسي يملك سردابا باطنيا تحت هذه القلعة بالذات، يختبئ فيه، ثم يظهر من جديد على طريقة القوارض، ولهذا لم يكن من اليسيير الإمساك به، فهو تارة عقلاني، وتارة علمي، وتارة روحاني، وتارة مؤمن، وتارة زنديق، طبيعته خفيفة وسريعة التذبذب كالنار التي كان يعبدها في أيام المجوس. بهذا ضمن الخلود، بخلاف العقل الإغريقي الذي قضى عليه النقل العربي وقتله في شيوخ المعتزلة، وها نحن مذهب السنة (المنتصرون) ندين بالعقيدة "الأشعرية" في "الأصول" (وطبعا نحن المغاربة ندين بعقيدة مالك بن أنس في "الفروع"). مع أن المذهب الاعتزالي أقرب إلى العقل السليم بكثير من المذهب الأشعري.
المهم، لم يستسلم كهنة الإسلام أمام الاجتياح الفلسفي. ومن الملحوظ أنهم في عصرنا الحالي قرروا أن يبادروا بالدفاع قبل أن يتعرضوا للهجوم، ولهذا نجدهم يبحثون ليل نهار عن دلائل "الإعجاز العلمي في القرآن". وفي نفس الوقت، يبحثون في الكتب المقدسة الأخرى عما يثبت صحة القرآن ونبوة من جاء به (ص).
بعد ما تقدم بإيجاز شديد، نتساءل: هل فعلا ما يتحدث عنه علماؤنا من "الإعجاز العلمي" صحيح يمكن أن يثبت أمام البحث العلمي الموضوعي الدقيق؟.
إذا كان الجواب: نعم، فهذا ما نرجوه، فما أحوجنا للتأكد من أن الكتاب الذي بين أيدينا فعلا جاء من عند الله، وليس مجرد اجتهاد من شخص قرر أن يحي عقيدة إبراهيم في مكة من خلال ما أخذه من التوراه بواسطة أصدقائه اليهود (على سبيل الافتراض)، وبعد أن وجد بعض الأشخاص يتبعونه ويشجعونه على المواصلة، وعلى رأسهم زوجته "خديجة" وابن عمه "علي بن أبي طالب"، قرر أن يعلن نبوته (المباشرة من عند الله) لكي يسهل المأمورية على نفسه وعلى الجميع؟.
أما إن كان الجواب: لا، فإلى أي مدى سينطبق بطلان الإعجاز العلمي على بطلان القرآن؟
لا شك أن ما يقدمه الباحثون الإسلاميون في مجال الإعجاز مفيد، ويجب أن نعترف بأنهم يبذلون جهودا جبارة، ولكن يجب أن نعترف أيضا بأنهم يغامرون بالقرآن! وقد يدفعون به إلى الانتحار، فالحق الذي يمكننا إثباته بسهولة أن هناك العديد من المسائل باطلة في هذا الإعجاز.. باطلة بشكل مدوي. وقد نشير إليها لاحقا، ليس لأننا نريد من القرآن أن ينتحر، بل لأن ما بني على باطل فهو باطل، ولا يمكن لعاقل أو مؤمن صادق أن يسمح بوضع القرآن على ادعاءات مزيفة لا غرض منها إلا كسب المزيد من المسلمين!.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)


سعيد بودبوز


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق