أرجو ممن تتغلب عليهم العاطفة حد العماء ألا
يقرؤوا هذه الورقة، أما بعد:
لقد رأيتم، كما سبق أن أشرنا، بأن عثمان (رضي
الله عنه) قد بدأ حكمه بأول خطأ، إذ لم يقيم الحد على قاتل الهرمزان وجفينة وبنت
أبي لؤلؤة. لماذا؟ لأن قاتلهم كان ابنَ الخليفة السابق عمر بن الخطاب (أعظم قائد
إسلامي بعد النبي دون منازع). كما علمتم بأن علياً بن أبي طالب نصحه بأن يقيم الحد
على هذا القاتل حتى وإن كان ابن الخليفة. فلقد قال عمر نفسه بأنه لو قتل ابنه أحدا
لأقام عليه الحد. لكن من عجائب القدر أن علياً أيضا وقع في نفس المأزق الذي وقع
فيه عثمان، فلقد بدأ حكمه بملف أعوص من الملف الذي أخطأ فيه عثمان. لأن الأمة
طالبته بأن يقيم الحد على قاتل عثمان، ولكن ينبغي ألا نحمل عليا ما لا طاقة له به،
فربما كان سيقيم الحد على قتلة عثمان، لكنه لم يستطع، لأن الثوار كانوا مازالوا موجودين
بالمدينة المنورة. وبعد ذلك كان عليه أن يخضع معاوية الذي تقاعس هو الأخر عن نصرة
عثمان من أجل الوصول إلى ما وصل إليه بالضبط. وفي النهاية ظهر للناس متكلفاً الحزن
على عثمان والرغبة في الثأر له، وطبعا ليس لنا من الغباء ما يكفي لنصدق ذلك، ولا
أن نصدق بان معاوية قد تحرر من جاهلية أبيه الذي أسلم كرهاً.
ولكن من أين جاء هؤلاء الثوار إلى المدينة
المنورة؟ لقد جاؤا من البصرة، والكوفة، ومصر. لا بل إن قائدهم كان مصريا يدعى
الغافقي. إذن، واضح أن المصريين، على الأقل، جاء بهم محمد بن أبي بكر الصديق، لأنه
كان قد خرج إلى مصر يشكو من سياسة عثمان، ويحرض المصريين عليه. لكن إذا كان قد
دعاهم إلى مبايعة علي (بن أبي طالب) فهذا غير واضح، وربما حظي بتستر شديد..قد
نكتشفه فيما بعد، وقد لا نكتشفه أبداً. وعلى كل حال، بعد أن قتل عثمان بدا واضحا
أن المصريين يريدون مبايعة علي ( !)، أما البصرة فقد كانت تريد طلحة ( !)، والكوفة
تريد الزبير( !). قارنوا بين هذا وما تحدثنا عنه سابقا من
اتحاد هؤلاء الصحابة مع أمنا عائشة (رضي الله عنها) من أجل الإطاحة بعلي (رضي الله
عنه).
لقد علمنا إذن بأن محمداً بن أبي بكر
(الصديق) هو الذي حرض المصريين على عثمان، لكن يصعب علينا أن نجزم بأنه فعل ذلك
بأمر من علي (رضي الله عنه)، ومع ذلك فنحن لا نستبعد أن يكون هذا الاحتمال صحيحاً،
خاصة وأن عثمان (رضي الله عنه) قد بدا غارقا في الفساد (الاقتصادي) من أخمصيه إلى
قمة رأسه. ولقد نصحه علي مرارا وتكرارا، كما نصحه عبد الرحمان بن عوف (المليونير)
مرارا، وكذلك طلحة (المليونير) وسعد بن أبي وقاص (المخلص للدين) والزبير بن العوام
(المليونير). لكن عثمان ربما لم يستطع أن يكون في مستوى نصائحهم، وربما كان قد
تعود حياة البذخ قبل أن يتولى الخلافة ( بل قبل الإسلام) كما يشير طه حسين، مع العلم
أنه كان من أغنياء قريش. ولقد زاد الطين بلة إذ لم يوظف أمثال محمد بن أبي بكر، لأن
عثمان كان مشغولا بتنصيب بني أمية صراحة (يعني أبناء قبيلته). لقد علم علي بأن
محمدا هذا قد شارك في قتل عثمان، لكنه مع ذلك لم يقم عليه الحد حتى بعد ان تمت له
البيعة وأمسك (نسبيا) بزمام الامور. لاحظ أن القاتل الأول الذي ابتلى به عثمان،
كان ابنا للخليفة، والقاتل الثاني الذي ابتلى به علي (كرم الله وجهه) كان أيضا
ابنا للخليفة (أبي بكر الصديق). فمهما قيل في الكتابات الدينية، فإن علياً بن أبي
طالب لم يعاقب محمدا، ودون أننسى بأن هذا الأخير لم يقتل عثمان بيده، لكنه شارك في
حصار داره، على الأقل، حين دخل من يقتله. لا بل هو الذي حرض المصريين على عثمان.
ترى، لماذا لم يعاقبه علي الذي كان يتمنى أن يظفر بعبيد الله كي يعاقبه على قتل
الهرمزان؟. تجدر الإشارة إلى أن محمدا بن أبي بكر كان ربيباً لعلي بن أبي طالب.
فلقد تزوج أمه مباشرة بعد وفاة الخليفة أبي بكر الصديق. ولكم واسع النظر.
(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق