الأحد، 5 أبريل 2026

رعب الفكر الأنطولوجي:

 


هو الفكر الذي يجب أن نعرف الحقيقة من خلاله كي نحاربها ونحن مقتنعون بأننا منافقون، ومقتنعون بأن النّفاق ضروري من أجل بقاء الإخلاص، وأن المواربة ضرورية من أجل انتعاش الصراحة. الفكر الأنطولوجي مرعب، لا يقترب منه الفلاسفة البراغماتيين، ولا من له علاقة بالسياة، ومن له رغبة في الإصلاح. الفكر الأنطولوجي سرداب مظلم. يستحيل على أمثال هيجل أو ماركس من غلمان روتشيلد أن يمتحوا من بئر الفلسفة الأنطولوجية التي هي متروكة لوحوش الفلسفة الضارية كشوبنهاور ونيتشه، خاصة نيتشه؛ المتوحّش الطيّب، والهمجي المخلص
مع نيتشه، لابدّ أن تدرك بأن عبادة إبليس التي يقوم بها بعض البشر (ومنهم بعض الحكّام) في بطن الأرض، لابد منها لاستمرار عبادة الله على ظهر الأرض. لابدّ أن تقبل بأنّ هناك عداوةً دينية خالدة بين العبادتين، لكنها صداقة أنطولوجية حميمة. ربما حالوت بعض الأساطير أن تقولها برمزية موغلة في الغموض.. آدم على سبيل المثال؛ منه خرجت حواء (علاقة حب). أي أن الشيء يخرج منه نقيضه، وهذا معترف به لدى الماركسية في إطار "المادية الجدلية". لكن ماذا عن هابيل وقابيل (علاقة حرب)؟.
الأخلاق تحذّرنا من الغوص لأنها تخشى علينا من الغرق. ولكن ماذا يوجد فيما وراء الظاهرة؟. الحقيقة أنّه لا يوجد حبّ دون حرب. فالحرب (العذاب) سبق خروج حواد من ضلع آدم. والحرب (المخاض) نفسه سبق خروج قابيل وهابيل من بطن حواء.
الأخوة حب، ولكن قتل قابيل لهابيل حرب. هنا تبدو الساعة الأنطولوجية واضحة لأنها متسارعة، أي أن الحرب ثم الحب ثم الحرب...الخ. وسبب هذا الوضوح هو ضيق المجال، فلو اتسع المجال، لأصبح بإمكاننا أن نتحدث عن فترة طويلة من الحب أو الحرب. مثلا؛ لو كان هناك شخص آخر أمام قابيل غير آخيه هابيل، لقتله بدل أن يقتل أخاه، لأن القتل (الحرب) لابد منه. انفرض أن هابيل قتل شخصاً في قبيلة أخرى بعيدة، في هذه الحالة سيستمر الحب بين الأخوين في قبيلتهما لفترة تبدو طويلة. لا تظن بأن قابيل كان حراً في جريمته (حسب الأسطورة)، فحتى وإن لم يقتل ذلك الشخص الذي افترضناه بديلاً لأخيه، كان أمامه خيار واحد وهو يتحالف مع قبيلة ذلك الشخص ضد بلد آخر بعيد جدا. عند ذلك، سيستغرق الغزو فترة زمنية طويلة تساوي اتساع مجال (السلم/الحب).
بعد ذلك سوف يأتي الغزو المضاد من ذلك البلد البعيد، وستكون الضربة أقوى بكثير من مقتل هابيل. إذن، كان هابيل قرباناً لتفادي ما هو أسوأ.
نستنتج من هذا؛ أنه لا يمكن لبعض البشرية أن تتقدّم إلا بقدر ما يتخلّف بعضها الآخر. إن شئت أن تفهم الأسباب الأنطولوجية للحضارة الأمريكية حالياً، فعليك أن تتوجّه إلى قبائل الأمازون، أو إلى قاليدونيا الجديدة لتعرف أين وصل الهنود الحمر في تخلفهم وأين وصل البولينيز الذين هم أشدّ تخلفاً. الأنثروبولجيا تقول بأن الهنود الحمر يعيشون حاليا في العصر الحجري الحديث (أي ما بعد اكتشاف الزراعة). والبولينيز يعيشون العصر الحجري القديم (أي ما قبل اكتشاف الزراعة). 
إن هذه الشعوب البدائية بمثابة معيار، ومنطلق أو محور به تهتدي البشرية المتقدمة نحو وجهتها الصحيحة. الأمر شبيه بالقوس، فكلما سحبت السهم إلى الخلف أكثر كلما تقدم عبر مسافة أطول عندما تطلقه.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق