نبدأ بقول نيتشه "أصف
ما سيأتي، ما لن يأتي مخالفاً لما أقوله، إنه تنامي العدمية".
يمكن اعتبار الفكر العدمي نقيضاً للفكر
الأسطوري. فبينما يسعى الانسان من خلال الأسطورة لتأثيث العقل والخيال
وتنشيط الفكر، تسعى العدمية لإفراغ هذه الأشياء كلها وإراحة النفس منها. الأسطورة
تفجّر الطاقة، والعدمية تكثّفها وتقزمها. الأسطورة تفصل
بين آدم وحواء بعدما وحّدتهما العدمية. إذن، فعندما
تتعب الأسطورة، قد تسعى العدمية لتوحيد آدم مع حواء،
وهذا قد يتجلى في مختلف صور الانحراف أهمّها ما يُعرف بالمثلية. معلوم أن هذه
الظاهرة المقرفة قد بدأت تزدهر، وهناك دول بدأت تسن قوانين تسمح بالزواج المثلي،
ولو تغاضينا عن جانبها المقرف حقيقة، ونظرنا إلى عمق الظاهرة، نجد أن ما يقف
وراءها هو العدمية، أي الرغبة في وقف النسل وإنهاء النوع البشري من جهة، وإلغاء
الجنس لصالح "الخنوثة".
هذه
هي الحالة التي كان عليها آدم قبل أن تخرج حواء من ضلعه حسب الأسطورة، وأذكر
القارئ بأنني دائما أتحدث عن الأسطورة من خلال منظور سيكولوجي وليس أنثروبولوجي
ولا ديني. إذن كان آدم خنثى في زمن العدمية، أي قبل الأسطورة التي أسست
لظهور الجنس. وفقط لكي نوضح مسألة "اللجوء"
السيكولوجي
من حالة "جنس"
إلى
حالة "خنوثة"، أو العكس كما
تسرد أسطورة آدم، فإن ممارسة الجنس في حد ذاتها ليست في العمق سوى إفراغ للحب،
ومجاهدته، ومحاولة التخلص منه، فالرجل مثلا يعتقد في حالات وعيه البسيطة بأنه
يتزوّج لأنه يحب امرأة معينة، لكنه-ربما- هناك من يتزوج من امرأة لكي يستهلك ذلك الحب ويهلكه في النهاية،
ويتخلص منه، ولعل الجنس كممارسة-أو بعض أنماطه لدى بعض الناس-أفضل ملجأ
للعاشق الذي يريد التخلص من الحب. ولعل هذا شأن الجنس كمبدأ بيوسيكولوجي لدى المثليين؛ فلعلهم
يمثّلون نزعة التخلص من المرأة والعودة إلى حالة آدم ماقبل خروج حواء من ضلعه.
لقد أراد العقل البشري أن يفترض بأن الكون كان كتلة واحدة ثم
انفجر (قوة انفصال). وأن الذكر والأنثى كانا شخصا واحدا ثم انفصلا (أسطورة آدم
وحواء). وأن الإله والإنسان كانا كائنا واحدا (وحدة الأقانيم) ثم انفصلا. وأن الحيوانات
تنحدر من كائن واحد (قوة انفصال). ولكن إلى أين تسير قوة الانفصال هذه؟.. إنها تدور وتعود
إلى حالة الاتصال. فلا تستغرب أن تجد الإنسان ينحدر إلى مستوى البهيمة. ولا تستغرب أن
تسمع الصوفي يصلي لنفسه ويقول (سبحاني سبحاني ما أعظم شأني)، ولا تتعجب من
اصطدام الكواكب وحتى النجوم ذات يوم أسود. فهذه الحركة
الكونية (المنحرفة) تعبر عنها العدمية في التفكير والمثلية في الإحساس.
(من تدوينات أرشيف
الفيسبوك)
سعيد
بودبوز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق