لقد قبل العديد من سكان المعمورة فكرة أن
الرب لا يكتفي بما خلقه من العقول في الرؤوس، وما بثه من الفطر والبدائه في
النفوس، واقتنعوا، لدرجة الاستعداد للموت من أجل حقيقة إضافية، وهي أن الرب يرسل
إلينا رسلا وأنبياء بين حين وآخر، وأن خاتم النيئين هو رسولنا محمد (ص). لماذا هو
خاتم النبيئين؟
الجواب يعرفه معظم المسلمين، سواء من أهل
الاختصاص، أو حتى من العوام، وهو: أن نبينا محمدا أكد بأنه نبي آخر الزمان، وأن
قيام الساعة قريب جدا.. وطبعا يجب على كل مسلم أن يصدق ذلك، حتى وإن مرّ الآن أكثر
من ألف سنة ونصف على وفاته صلى الله عليه وسلم !. مع العلم أنه لم يمر إلا أقل من ستة قرون
على وفاة عيسى حتى كانت الأمة بحاجة إلى نبي آخر، وهو محمد ! ..فهل كان
صلى الله عليه وسلم سيوافقنا على أن عمر الدنيا سيمتد إلى أكثر من ألف سنة
ونصف؟ ! وهي المدة الفاصلة بين مبعثه الشريف ومبعث
موسى تقريبا؟. ألم يقل في حديثه الشريف "أنا والساعة كهاتين"، وهو يعني
أصبعيه؟.
هذا الإشكال قد نتحدث عنه لاحقا، أما الآن
سنعود إلى موضوعنا، وهو:
رغم كل المعجزات التي يتحدث عنها أتباع كل
هذه الأديان (صدقني عزيزي القارئ، فأنا لم أجد بعد أي دليل واضح على أية معجزة
نبوية حتى الآن)، ورغم تصديق بعضهم الراسخ بأن هؤلاء الأنبياء لم يرسلهم الله إلى
قومهم فحسب، بل أرسلهم إلى العالمين أجمعين، ولنأخذ على ذلك مثلا نبي الإسلام محمد
(ص). لنتغاض الآن عن العديد من المسائل التي نعتقد بأنها قابلة للنقاش ولإعادة تحقيق
علمي دقيق، كأميته (ص) التي تحولت إلى دليل على نبوته !..الخ.. ولنقبل أن القرآن الكريم كان نصا
خارقا بالنسبة لغيره من الأشعار والخطابات التي كانت معروفة آنذاك. ثم نطرح سؤالا
يشهد علينا إله الحق، والضمير، والعقل، أن الغرض الوحيد منه هو حب الحقيقة، ولا
شيء غير الحقيقة:
أولا:
مادام القرآن يصرح بن محمدا أرسل إلى
العالمين، أفلم يكن بإمكان النبي (ص) أن يتقن جميع اللغات التي راسل أهلها على
الأقل؟.
هل كان بإمكان محمد (ص) أن يخاطب كسرى باللغة
الفارسية، ويخاطب الروم بلغتهم... الخ؟.
هذا السؤال لا نطرحه على موسى وعيسى، لأنهما
جاءا بدين محلي موجه حصريا إلى بني إسرائيل، أما الإسلام، فمن واجب العقل أن يسأله
على هذا النحو، لأن هناك إجماعا على أن محمدا (ص) أرسله الله رحمة للعالمين، وأن
الإسلام بالتالي دين للعالمين، وأن الله لن يرسل أي رسول بعد محمد (ص)، وبأية لغة
من اللغات !. إذن، لنلاحظ أن آخر رسالة سماوية جاءت بلغة
العرب، ونلاحظ بأن الرب (المفروض أنه مصدر الوحي) لم يبدِ أي اهتمام بالإشكالية
اللغوية، ولا الثقافية، ولا أية مراعاة لأية خصوصية أو تقليد أو هوية، ما عدا
اللغة القرشية وتقاليد قريش وعاداتهم ومراعاة ما تيسر من خصوصيتهم، فهذه حقيقة لا
ينكرها إلا جاهل أو مكابر.
هل يجوز لنا منطقيا أن نقول بأن الخطاب
القرآني يساوي بين العرب والعجم بشكل كامل؟
لنفرض أننا أمام شخصين؛ واحد عجمي عادي،
والثاني رسول الله عربي. ولنفرض أن الله عادل بصفة مطلقة تتفق مع جميع المعايير
الأخلاقية والمنطقية. نحن أمام رسالة أرسلها الله باللغة العربية، وهذا لا يختلف
حوله اثنان. أما رسول الله، فهو لا يحتاج إلى أي جهد كي يفهم هذه الرسالة، لأنها
نزلت عليه بلغته الأم، وأما ذلك العجمي، فهو بحاجة إلى سنوات من دراسة اللغة
العربية أولا، قبل أن نطرح عليه موضوع الرسالة. إذا كان الأمر كذلك، فمن هو الشخص
المطالب أولا بتبليغ الرسالة، أهو محمد (ص) أم ذلك العجمي؟. لا شك أن الجميع
سيوافقنا على أن الرسول هو المطالب الأول بتبليغ رسالة الله. ومادام الله على كل
شيء قدير، وأن محمدا رسوله، أليس من الواجب والمعقول أن يبلغ تلك الرسالة باللغة
العجمية للجزء العجمي من العالمين؟ لأنه لا يعقل أن نترك نبي الله ونطالب العجمي
العادي بمعجزة فهمه لتلك الرسالة. ألا يعني هذا أننا نعفي رسول الله من صنع
المعجزة، ونطالب العجمي (العادي) بصنعها؟ !
لو طالبنا النبي بتبليغ الرسالة باللغات
العجمية لأبناء العجم، سيكون طلبنا مشروعا ومنطقيا، لأنه من المفروض أن النبي يصنع
المعجزات، وأن الله يريد أن يبلغ تلك الرسالة، فما الذي كان يمنع من ذلك، ولمصلحة
من كان يجب التبليغ بلغة واحدة للعالمين؟ !
مادام الرب قد قبل أن يرسل نبيا بلغة واحدة
(لغة قومه)، فلماذا لم يرسل إلى كل قوم نبيا لكي يبلغ رسالته بلغتهم وتسود عبادة
الله في هذه الأرض؟
ثانيا:
إن الدين الإسلامي لا يمكن إلا أن يكون قائما
على التبعية وإلغاء العقل في أغلب تجلياته، كيف؟
لأنه يشترط أن يكون جميع المسلمين متعلمين
يتقنون اللغة العربية في الحد الأدنى، فما بالك بأساسيات المذاهب والتأثيرات
السياسية الكبيرة التي نتجت عنها تزويرات غير قابلة للعد والإحصاء. ولكن الواقع
يقول العكس، أي أن معظم سكان الأرض، ومعظم المسلمين تحديدا أميون، لا يمكن أن يكون
إسلامهم قائما على شيء آخر سوى التبعية الحرفية للخطاب الشفهي الذي تم انتقاء
مفرداته بعناية شاقة وفائقة، وتم غسله من جميع الحقائق والوقائع التي من شأنها أن
تثير تشكيك الناس فيه. إذن، ليس أمام العجم خيار ثالث: إما أن يسلموا دون أن
يفهموا شيئا عن حقيقة الإسلام، وإما أن يخوضوا دراسات شاقة تبدأ بتعلم اللغة العربية
القرشية، وتنتهي بعشرات الأطنان من الكتب المليئة بالتزوير والتحريف والتخريف، وإن
سلمنا بأنها تحمل العديد من الحقائق أيضا.
(من أرشيف
تدويناتي على الفيسبوك)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق