الأحد، 5 أبريل 2026

كيف انقرضت الملحمة؟

 

أوّلاً؛ الملحمة لا تُكتَب لكي تُقرأ، بل تُنظَم لكي تُحفَظ وتُنشَد، وهذا يعني أنها تنتمي إلى عالم الإبداع الخطابي وليس الإبداع الكتابي. لقد كان الهنود يرتّلون المَهابهاراتا جماعةً لأكثر من 70 ليلة، وعموماً فإنّ تعاملهم مع الملاحم شبيه بقراءة القرآن جماعةً في المغرب الأقصى، لأنّ الملحمة تقوّي الشعور القومي والوطني لدى الشعوب وتقوي ولاءَها لأبطالها القوميين أو ملوكها، وإنّ التيمة الأصيلة للملحمة تتمثّل في البطل المقدّس أو المؤلَّه، والذي قد يكون ملكاً أو بطلاً قومياً، وهكذا كانت الملاحم الإغريقية والهندية وغيرها منذ القرن التاسع قبل الميلاد، واستمرّت-حسب اطلاعي-إلى منتصف القرن الرابع عشر للميلاد!. وفي هذا التاريخ بدأت تنقرض أو انقرضت نهائياً على يد أوّل جزار أدبي في إيطاليا وهو دانتي أليجيري. صحيح أنّ دانتي لم يسقط في مستنقع الرداءة الذي سقط فيه معظم أو جميع من كتبوا في المقامات بعد الحريري، ولكنّه سلخ الملحمة سلخاً من باب الإتقان الشكلي للكوميديا الإلهية، ففي هذه الكوميديا انتزع البطولة من الزعماء المؤلّهين وادعاها لنفسه، أي أنّ بطل الكوميديا الإلهية هو دانتي نفسه، وهذا هو أسلوب سرطان البحر الذي ذكرته في منشوري السابق حول انقراض المقامة. وطبعاً كانت الكوميديا الإلهية أوّل وأشهر عمل أدبي كُتب باللغة الإيطالية الحديثة التي كانت آنذاك مجرد لهجة، بينما كانت اللاتينية هي لغة القلم (الفصحى). وبقدر ما نجح دانتي في تقوية اللغة الإيطالية، نجح في القضاء على الملحمة، سواء كان يقصد أو لا يقصد، فسرعان ما تهاطلت الأعمال الأدبية على أوروبا من هذا النوع بمجرد أن تمكن دانتي من فتح يأجوج ومأجوج في ملحمته القاتلة (الكوميديا الإلهية)، إلى أن بلغ هذا التسفيه السردي المتقن ذروته في "الفردوس المفقود" للأديب الإنجليزي جون ميلتون في منتصف القرن السابع عشر، حيث منح البطولة في هذا الفردوس للشيطان !.

وهكذا باختصار نجح الأدباء في اختبار المتلقي الأوروبي، وعرفوا مدى اهتمامه ببطولة الانسان العادي، بعدما كان مهتما فقط بفتوحات الزعماء والملوك وأنصاف الآلهة. وأصبحت الأجواء مهيأة لاستقبال دونكيشوت (وهو سابق للفردوس المفقود) في إسبانيا، وروبنسون كروز لاحقاً في أنجلترا، وإن كنت شخصيا لا أرى مجالاً للمقارنة بين دونكيشوت الناضج وروبنسون كروز الفجّ، ولكن عموماً أرى أنّ الرواية بريئة من سفك مداد الملحمة، لأنّ القتل الأدبي لا يكون ناجحاً إلا من داخل العمل المراد قتله بالذات، أي لا يمكن للروائي أن يدمر الشعر العمودي مثلاً، ولكن الشاعرة نازك الملائكة زعزعت هذا العمود الشعري، وكذلك شعراء آخرون ممن حذوا حذوها كادوا يلحقونه بالمقامة لولا بعض الإرادات الرسمية المحترمة التي تنفق أموالاً طائلة لأجل إنقاذه من الانقراض سواء في شكل جوائز أو غيرها. ثم لا ننسى أنّه كانت هناك محاولات روائية في عصر مبكر جداً، ففي القرن الثاني للميلاد ظهرت رواية "الحمار الذهبي" مثلاً، ولكنّها لم تؤثر على الملحمة، بالعكس؛ كانت كتابتها عبارة عن مغامرة أدبية، فلا يمكن للرواية في ذلك العصر إلا أن تكون موجّهة إلى نخبة محدودة جداً من علية القوم، لأنّ ذلك الزمان لم تكن فيه القراءة متاحة للعموم، وحتى الورق لم يكن متوفّراً، ولم يكن الناس يعرفون القراءة والكتابة بكثرة، والحقيقة أنّ شعبية الرواية لا يمكن إلا أن تكون أقل بكثير من شعبية الملحمة، لأنّ الرواية حتى في عصرنا الحالي ليست موجّهة لكل الناس، بل موجّهة فقط لمن يعرفون القراءة والكتابة، وهذا أمر مهمّ ينبغي ألا يغفل عنه المحلل أو الدارس. ثم إنّ المتلقي العادي في تلك العصور الغابرة ما كان يشغل ذاكرته بالنثر، وإنما كان يتحفها فقط بالكلام المنظوم الذي يسهل حفظه ويحلو ترديده، إضافة إلى إنه على قدر كبير من الجدية والفائدة. حقيقة لا أدري ماذا جرى لعقل أفولاي حتى جاء بهذا الحمار الذهبي المنثور شكلاً والساخر في الموضوع سخرية لاذعة. ولكن على أي حال، ما كان للرواية أن تدمّر الملحمة مباشرةً، لولا تخاذل الشعراء أمثال دانتي، وإن سبقته عدة محاولات في تهذيب أو تشذيب البطولة المقدسة من خلال إخضاع الملحمة للحس الواقعي، ولعل أبرز هذه المحاولات نجده في ملحمة "رولان" الفرنسية التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر، وملحمة "السيد" التي ظهرت بعدها بسنوات قليلة في أسبانيا، لكن رغم تشبعها بكثير من الحس الواقعي، فإنّ هذه الملاحم لم تتخلص من التيمة الكلاسيكية نهائياً إلا في الكوميديا الإلهية، حيث سيفاجأ القارئ الأوروبي بأنّ الشاعر يكتب عن نفسه سيرة ذاتية منظومة خرافية ويساوي فيها بينه وبين أنصاف الآلهة، رغم أنه مجرد إنسان عادٍ، وهكذا فُتح باب الجرأة السردية على مصراعيه في أوروبا، فسقطت الملحمة صريعةَ تحت أقلام الأدباء.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)



سعيد بوردبوز

***

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق