الأحد، 15 فبراير 2026

الثقافة العربية بين التأصيل والتمثيل

  

·  سعيد بودبوز

 

قد يقضي القارئ العربي سنواتٍ طوالاً، أو قد يقضي نحبَه، دون أن يُدرك بأنّه ليس قارئاً حقيقياً، وإنما هو قارئ ممثّل. وكذلك المؤلّف قد يموت، ليس على طريقة المؤلّف الذي نعاه جاك دريدا، بل موتاً حقيقياً دون أن يدرك بأنّه عاش ممثّلاً طوال مساره الثقافي. ولكن لماذا؟.

عندما تقرأ عشرات الكتب في منهج نقدي مثلاً، دون أن تفهم شيئاً، غالباً ستتهم نفسك بالجهل أو البلادة الشديدة. لأنه لا يُعقل أن تقرأ مثلاً أربعين كتاباً في شرح منهج نقدي نشوءً وارتقاءً، تنظيراً وتطبيقاً، دون أن تفهم شيئاً !. وبما أنّ هذا غير معقول، كما أنّ اتهام المؤلّف ذاتَه بأنه أصلاً لم يفهم موضوعَه ليُفهمك إياه، أيضاً غير معقول، فسرعان ما تضطرّ للتطبيع مع الجنون خفيةً عن العقل، وسيبقى هذا التطبيع سرّياً إلى أن يصبح جزءً من طبيعتك. وهكذا ستخلع نفسَك وترتدي دور القارئ الحقيقي في مسرحية حقيقية. وستقنع نفسك بأنّك قد فهمتَ كل ما قرأتَه، وأنّه لم تكن هناك أية مشكلة، وأنّ أولائك المؤّلفين كلهم حقيقيون أصلاء وليسوا مجرد ممثلين، وأنّ ما استقرّ في ذهنك من بطون كتبهم هو المنهج النقدي المعني بالذات.

إذن، فقد فهمتَ المنهجَ وحان الوقت لتطبّقه على نصّ أدبي، بمعنى؛ حان الوقت لتصبح مؤلّفاً. وبما أنّ التحليل هو المحكّ، هو المعيار الصارم الذي يقرّر ما إذا كنتَ قد فهمتَ المنهج أم لا، فسوف لن تقترب منه، وسوف تظلّ تدور في المقدمات، إلى أن تجعلها أوسعَ من صبر القارئ وأطول من شهر رمضان.

ستركب أعلى ما في خيالك، لتحلّق تحليقاً بأسلوبك الشاعري أو الصوفي بين غيوم النظريات التي لم تفهمها طبعاً لا أنت ولا المؤلّف الذي شرحها لك. ستظل تدور وتشطح بين وحول التنظيرات دون أن تتورّط في ذكر أمثلة. وعندما تقتل القارئَ (وليس الموضوعَ) بحثاً، لن تجد شيئاً ولن يجدك أحد !.

عندما تُكثر من الإرهاق والاستغراق والإغراق في الأوراق، لا بأس أن تختم بفصل ساخر بعنوان "تطبيق المنهج على قصة أو قصيدة كذا". ثم لا بأس أن تقتله تمهيداً هو الآخر، وتجعل له مقدمة (فرعية) ومدخلاً ستلفّ فيه وتدور إلى أن تخرج من مؤخرة الكتاب سالماً، وبهذا تنضمّ إلى قافلة المؤلفين الممثلين الذين لا يدْرون أنهم يدُورون في حلقات مفرغة، وقد تجد بينهم من يعرفون، لكنهم لا يعترفون، بأنهم مجرد ممثلين في مسرحية جادة لا تحتاج إلى خشبة.

فالمطلوب هو أن تؤلّف كتاباً، وليس أن تأتي بموضوع جديد ومفيد. إذا توفّرت فيك الشروط المسوّغة للتمثيل، كالألقاب الأكاديمية مثلاً (أ.د) فقد لا يتردّد الناشر الممثّل في نشر أعمالك، لأنّه يعرف أنّ هناك تطبيعاً واسعاً وعميقاً بين المثقّف الممثل والجنون خفية عن العقل. حتى المشرف (الممثل) على الرسائل الأكاديمية التي يتقدّم بها طلّاب ممثلون، لا تهمّه الأصالة إطلاقاً. كل ما يهمه هو تحسين شروط التمثيل، فهو لا ينظر إلى الموضوع، وإنما ينظر إلى الشكل، ويجب أن يتأكّد من توفّر أسلوب ألف ليلة وليلة في الرسالة الأكاديمية من قبيل؛ (الباب الأول، الفصل الأول، المبحث الأوّل، المطلب الأوّل). بل إنّ جرعة التمثيل في الكتاب الأكاديمي يجب أن تكون زائدة وقوية إلى درجة الموت الأكاديمي للباحث، إذ لا يُسمح له البتة بأي رأي شخصي. كل ما يُطلبُ منه هو أن يستعرض أراء الآخرين السابقين، ويا حبّذا لو كانوا أمواتاً، لأنّ الموت هو الشرط الحاسم في استكمال التميُّز ونيل الاعتراف، ومعروف أنّ الكثير من المتميّزين لا يُلتفتُ إليهم ما داموا أحياءً، ولا يتمُّ تكريمُهم إلا بالدفن وبعد الدفن. وهذا ليس حكراً على الثقافة العربية، بل ضارب الجذور حتى في مخيال بعض المجتمعات الغربية، وإن لم يعد سائداً في تلك المجتمعات بالشكل الذي كان والشكل الذي صار في المجتمعات العربية. لقد عاشَ دوستويفسكي طوالَ حياته وحيداً منبوذاً في هوامش روسيا. وحين مات، كرّمه الروس بالدفن، وكتبوا على قبره من الإنجيل: "الحقّ الحقّ أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض ونمت فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمرٍ كثير". 

وهذا يعني أنّ التكريمَ يُصرف للموت وليس للميّت. من هنا يطلّ علينا التطبيع المضمر في اللاشعور مع الجنون، ولهذا اختفت الأصالة وحلّ محلّها التمثيل الذي صار معتمداً، على نطاق واسع، في التأليف والقراءة والنشر والتحكيم والتقييم والتقويم.

وإنّ هذا التكريم المضمر للموت، والذي يتمثّل في التكريم المُظهر للمتميّز الميت، ليس إلا امتداداً لموت القارئ لحظة تطبيعه مع الجنون كضحية لموت المؤلّف الذي قدّم له كتباً تمثيلية، أي أنّ المؤلف نفسه لم يفهم موضوعه، وإنما فقط يحاول أن يمثّل فاهماً حقيقياً.

حتى الترجمة، عندما يتصدّى لها المترجم الممثّل، فإنّه لا يكاد يدخل في الموضوع حتى يرهق القارئ بمقدمة شاقة وعرة كأنها مقدمة ابن خلدون، وبهذا يستنزف تركيز القارئ ورغبته في إتمام قراءة الكتاب، مع أنّ المنطق يقتضي أن يقتصر المترجم على ترجمة المحتوى، لا ترجمة صاحب المحتوى وسرد حياته بالطول والعرض. وإذا تعلّق الأمر بالمحقّق الممثّل، فقد لا يدع القارئ يصل إلى موضوع المخطوط قبل أن يُغرقه في الثرثرة، بحيث يعيد، أحياناً، محتوى المخطوط كله بصيغته الخاصة، فيضطر القارئ إلى قراءة الموضوع اجتراراً لاجترار المحقّق. ونفس التمثيل يقوم به ناقد الوجبات النقدية السريعة، الذي حين يجري قراءة نقدية لرواية مثلاً، فإنّ كل ما يفعله هو قلب صيغة الماضي إلى المضارع، مثلاً، إذا قال السارد: "حضرت ليلى، وتشاجر زيد وعمرو بسببها، فتركتهما معاً، وعادت من حيث أتت". فإنّ كل ما يقوم به ناقد الوجبات السريعة (الممثل طبعاً) هو التالي:

"وهكذا تحضر ليلى، ويتشاجر زيد وعمرو بسببها، فتتركهما معاً وتعود من حيث أتت". فماذا يستفيد قارئ حقيقي من هذا الهراء؟. لو كان للمكتبة العربية أن تنهض، لنفضت عن نفسها ملايينَ من أوراق التخريف، كما تفعل الأشجار في فصل الخريف.

***



السبت، 31 يناير 2026

أُسُودُ التيرَنْجا


وَمِــنْ أَدْغَـالِ أَفْرِيَقـيَا أَتَوَنَا فَـمَـا كَـانَـوا لِـتِـيْـرَنْـجَا أُسُوْداً

وَلا أَحَدٌ رَأَى فِيْ ظَعْنِهِمْ أَوْ إِقَــامَــتِـهِـمْ لِـتِـيْـرَنْـجا وُجُوْداً

شِـعَارٌ كَأنّهُمْ سَـرَقوْهُ لَفْـظاً مِنَ القامُوسِ يَرفُضُهُمْ صُدُوْداً

وَأمَّا هُمْ عَلَى وَزْنِ الأُسُوْدِ فَــلا يَــبْــدونَ لِــيْ إلا حُسُوْداً


سعيد بودبوز


الاثنين، 5 فبراير 2024

نحو مورفولوجيا القصة الحديثة

  

لتحميل الكتاب اضغط هنـــا 


انظر قائمة الكتب الأخرى لسعيد بودبوز:

بين ضفة السراء وضفة الضراء-مقاربة سيميائية

سيميائية المركز والهامش في الأدب العربي المعاصر

الفراعنة الأمازيغ

ثور وثورة (مجموعة قصصية)

Babbles Of  Mulatto rooster

سيميائية المركز والهامش في الأدب العربي المعاصر

 



لتحميل الكتاب  اضغط هــــنا



انظر قائمة الكتب الأخرى لسعيد بودبوز:

بين ضفة السراء وضفة الضراء-مقاربة سيميائية

نحو مورفولوجيا القصة الحديثة

الفراعنة الأمازيغ

ثور وثورة (مجموعة قصصية)

Babbles Of  Mulatto rooster


بين ضفة السراء وضفة الضراء-مقاربة سيميائية

 

لتحميل الكتاب اضغط هــــنا


انظر قائمة الكتب الأخرى لسعيد بودبوز:

سيميائية المركز والهامش في الأدب العربي المعاصر

نحو مورفولوجيا القصة الحديثة

الفراعنة الأمازيغ

ثور وثورة (مجموعة قصصية)

Babbles Of  Mulatto rooster


الجمعة، 15 ديسمبر 2023

إصدارات جديدة للكاتب سعيد بودبوز

 

 

 

صدرت للكاتب المغربي سعيد بودبوز ثلاث مسرحيات دفعة واحدة عن دار بدوي للنشر والتوزيع بألمانيا خلال شهر أكتوبر من هذه السنة 2023، واحدة بعنوان "غليوم الثاني في المغرب"، وتقع في 127 صفحة. الثانية بعنوان "مجلس الدوابّ"، وتقع في 104 صفحة. الثالثة بعنوان "يوم عالمي لحياة البشر" وتقع في 88 صفحة. وكان قد صدر لسعيد بودبوز عن دار بدوي رواية "أنثى بوگافر" خلال شهر أبريل من سنة 2022، ومجموعة قصصية بعنوان "صلاة الحاج عماد" خلال شهر شتنبر من نفس السنة 2022.

 

v    مسرحية "غليوم الثاني في المغرب":

 

تستعرض هذه المسرحيةُ أحداثَ مرحلةٍ جدّ حسّاسة، دقيقة ومفصلية في تاريخ المغرب، وهي المرحلة التي نضج فيها المقترح الاستعماري الفرنسي المفروض على المغرب، حيث لم يبقَ لفرنسا إلا أن تدخل بجيشها لاحتلال فاس بحجة تطبيق هذا المقترح الاصلاحي المزعوم، لكن يفاجؤها الملك الألماني فيلهيلم الثاني المعروف بـ (غليوم الثاني) عندما قرر زيارة طنجة، وهذا يعني بالنسبة للفرنسيين أنّ وقت استعمار المغرب لم يحن بعد، ولن يحين إلا بعدما تتفاهم فرنسا مع الألمان وتعطيهم حقهم من الكعكة. وتستعرض المسرحية كيف تأجّل دخول الفرنسيين للمغرب بسبب هذه الزيارة التي استبشر بها المغاربة خيراً واعتبروها زيارة ميمونة ومباركة، كما تستعرض محاولة بوحمارة أن يغتال غليوم الثاني (وهذا مجرد خيال مسرحي) وكيف استطاع مساعده عبد الملك الجزائري (ابن الأمير عبد القادر) أن يثنيه عن ذلك، وكيف تفاعل أهالي طنجة مع الزيارة الملكية وتسابق شيخ الزاوية الوزانية (صهر الإنجليز) وحاخام طنجة في تقديم فروض الطاعة للملك غليوم الثاني، مروراً باستعراض مختصر لوقائع مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 والذي خيّب آمال الألمان، لأنهم لم يحصلوا من خلاله على ما يريدون، مما دفعهم إلى تحريك بوارجهم الحربية كي يهددوا الوجود الفرنسي في المغرب، وصولاً إلى اتفاق الطرفين سنة 1911 حيث تنازلت فرنسا للألمان على مناطق مهمّة في  الكابون والكونغو  وأُوبـانـگي شاري (أفريقيا الوسطى) مقابل تخليهم عن المغرب. وتستعرض المسرحية مظاهر الصدمة التي تلقاها المغاربة في طنجة من الألمان الذين انصرفوا وتركوا فرنسا تدخل المغرب على راحتها، كما يظهر ذلك من خلال الحوار الدائر في مقهى سليمان بطنجة بين شعيب الهدّاوي، والمواطن محمود، وصاحب المقهى سليمان، والنادل مصطفى، والمواطن بوعزّة، والشيخ الوزّاني الذي سبق له أن قدّم فروض الطاعة لغليوم الثاني.


***

 

v    مسرحية "مجلس الدوابّ":

في هذه المسرحية يعود الزعيم أرطغرل إلى الحياة، ويجد زوجته سامحيني قد هيّأت له النوات الأساسية لإنشاء دولة حديثة، فهي رئيسة الحزب السياسي الفائز في الانتخابات بمرشّحين أغلبهم مختلّون. وبينما يرى أرطغرل أنّه يستطيع أن يفرض سيطرته بالحرب، ترى زوجته أنه مازال بحاجة للسيطرة على القلوب بالحب. وبينما يرى الزعيم أنه يستطيع أن يحقق ما يريد في حكمه بلا حاجة إلى حكومة أصلاً، ترى زوجته أنّ العصر قد تغيّر، وأنّه يجب على الزعيم أن يتظاهر بالديمقراطية كي لا يخسر الرأي العام الأجنبي. فلا ينبغي أن يحقّق كل ما يريد في حكمه إلا تحت غطاء حكومي. ولكي يسهل عليها أن تضمن إجماع نواب الأمّة حول مشاريع زوجها، ترى الزوجة سامحيني أنّ الزعيم أرطغرل بحاجة إلى نواب مختلّين عقلياً، لكنّ أرطغرل باندفاعه واحتكامه للسيف قبل أي شيء آخر، يشعر بضيق شديد في حضرة هؤلاء النواب المختلّين، فلأوّل مرة يجد نفسه أمام نواب يتحدّثون لغة الخشب !. ورغم جهود المترجمة زفتة والمفسّر زركل، فإنّ استغراب أرطغرل واستنكاره سيبلغان به حد اليأس التام، بحيث يصدر أمراً لحارسه بأن يجهّز له موكباً كي يعود إلى قبره !. لكن سامحيني تعرف جيداً كيف تخفف عنه، وكيف تقلب غضبه إلى مرح. وفي كل مرة يهمّ بإعدام أحدهم، فتكبح هيجانه وتتظاهر أمام رجاله بأنه يمزح، إذ لا يفترض به، وهو زعيم ديمقراطي، أن يعدم أحدهم لمجرد أنه تفوّه بكلمة لا تعجبه. وعندما ينتزع- بشكل أو بآخر- من هؤلاء النواب التصويتَ على قانونه العجيب الذي يفرض من خلاله الضرائبَ على كل من تزوّج أو طلّق أو ختن أو أنجب أو مات.. الخ، يصبح رجاله هؤلاء أوّلَ دفعة من ضحايا قانونه العجيب، إذ يتورّطون في التصدي للجباة بالضرب والإهانات فيتمّ استدعاؤهم إلى المحكمة، حيث سيدينهم القاضي عبّو جميعاً، ويتدخّل الزعيم أرطغرل لنصرة رجاله من القاضي، لكن سامحيني سرعان ما تكبح هيجانه في اللحظة الحاسمة، وتحوّل تهديده للقاضي إلى مجرّد اختبار، إذ تقنعه بأنه يجب أن يقف في صف القاضي وينقلب على رجاله كي يفوز بلقب العدل والدكتاتورية معاً. وهكذا يتبرأ الزعيم أرطغرل من رجاله فيقول لهم: "أما أنتم أيها السادة الكرام، فلكم واسع الجحيم !". وبهذا يكون قد تخلّص منهم بعدما ساعدوه في الحصول على ما يريد، وصار بوسعه أن يصبح دكتاتوراً صريحاً بشكل ديمقراطي !، أو بطريقة منطقية ومبرّرة.


***

 

v    مسرحية "يومٌ عالميٌّ لحياة البشر":

 

تدور أحداث هذه المسرحية حول مجتمع مشبع بثقافة الموت ومشتقاته وكل ما يصب في تجريد الإنسان من إنسانيته، حيث يحتجّ المخرج المسرحي إلياس على صيدلية المحطة التي يباع فيها الموت بالتقسيط على شكل عقاقير، وكذلك يحتجّ على ما يسمّى في مدينته "قطار السفر إلى حيث لا ندري" ويعتبره، هو الآخر، مظهراً من مظاهر الموت الذي يقضم أطراف المعمورة بمختلف الأشكال التي يتفنن الإنسان في ابتكارها وتطويرها أكثر بكثير مما يفكر في ابتكار وتطوير وسائل العيش. ويحاول المخرج أن يجد طريقة فعّالة للتحسيس بأهمية حياة البشر، وأن يلفت الانتباه إلى أنّ التفكير فيها وفي التصدي للموت أهمّ بكثير من التفكير في إنتاج وسائل الموت، ولكنه سيلقى انتقادات حادّة باعتباره يدعو إلى معارضة قضاء الله وقدره، حيث أنّه لا يجوز التفكير في القضاء على الموت مادام قدراً إلهياً، والمخرج إلياس يرى أنّه من غير المعقول أن تنجح البشرية في تطوير الموت إلى درجة إنتاج كميات هائلة من الأسلحة النووية القادرة على تدمير المعمورة عدة مرات، دون أن تنجح- مقابل ذلك- في إحياء ميّت واحد منذ نشأتها !. إلياس يعتقد أنّ البشرية كان بوسعها أن توقف الموت عند حده لو أنها فكّرت في القضاء عليه كما فكّرت في القضاء على نفسها، وهذا الاعتقاد مستغرَب في مجتمعه ومستنكَر. المخرج المسرحي إلياس لا يؤمن بأنّ الموت قدر محتوم، بل يعتقد أنّ القضاء عليه ممكن، ولكن البشر لم يواجهوه بالجدية اللازمة، بل على العكس من ذلك، سعوا إلى تنميته وتطويره، سواء باعتقادهم الجازم أنّه قدر محتوم لا مفرّ منه، أو لأنه الوسيلة المثلى التي تمكّن القوي من إزاحة الضعيف عن طريقه. يتعرّض الصيدلي مهيار لهجوم من طرف حيّة، ويغلق عليها باب الصيدلية ويهرب، فيأتي ممثلو جمعية الرفق بالحيوانات لإنقاذ الحية من الصيدلي، ويزداد غضب إلياس واحتجاجه بهذا التصرف. وعندما تتمكّن الحية من لدغ مهيار فيما بعد، يأخذه طاقم الإسعاف إلى مستشفى بيطري، وبدل أن يكتفي الطبيب البيطري بإعطائه المصل، يُجري له عملية جراحية فظيعة بالمقص الذي يُجزّ به صوف الغنم !. وكل هذه الأمور وغيرها زادت المخرج المسرحي إلياس اقتناعاً بأنّ هناك ميولاً عالمية واضحة نحو تهميش حياة البشر والاستهتار بها. 

وأخيراً يلجأ إلياس إلى أضعف الإيمان في مشروع تحسيسه بأهمية الحياة، وهو أن يُحدِثَ يوماً عالمياً للاحتفال بحياة البشر، لكنه سيُفاجأ بأنّ جميع الأيام التي يطرق أبوابها مشغولة ! فكلّما اقترح يوماً للاحتفال بحياة البشر، يخبره أحدهم بأنّ ذلك اليوم محجوز للاحتفال العالمي بشيء. ولأوّل مرة يُفاجأ المخرج إلياس بوجود هذا الكم الهائل من الأعياد والأيام العالمية التي تثقل كاهل السنة ولا تكاد تترك فيها يوماً للتحسيس والاحتفال بحياة البشر !.  

***

 

السبت، 14 أكتوبر 2023

ما قيمة كتاب "مجالس ثعلب"؟



رغم أنّه أقلّ شهرةً من باقي أمهات الكتب الأدبية وعلى راسها "الكامل في اللغة والأدب"، فإنّ كتاب "مجالس ثعلب" برأيي لا يقل عنها أهمية. صحيح أنّ ابا العباس المبرّد من شيوخ مدرسة البصرة المتفوقة على مدرسة الكوفة في النحو، ولكن يبدو أنّ منافسه حول شياخة مدرسة بغداد أبا العباس ثعلب أفضل منه في رواية الأدب، وأدقّ منه في الدرس اللغوي. لكن من سلبيات مجالس ثعلب كثرة العنعنة، والإيجاز الشديد. أبو العباس ثعلب يملك ذوقاً أدبياً أرقى من المبرّد، ويظهر ذلك بوضوح في حسن انتقائه لمادته الأدبية سواء كانت نظماً أو نثراً. ولكنّه يتعامل مع المتلقّي كما لو كان خبيراً في التراث العربي!. ولهذا فإن كتابه بحاجة إلى شرح. وأيضا لا يوجد تبويب في هذا الكتاب، فهو عبارة عن متاهة واحدة لا يفصل بين مفاوزها سوى أجزاء الكتاب. لكن في المقابل، حتى وإن كان "الكامل" و"الأمالي" وغيرهما مبوّبة، فإن الشرود يظهر واضحاً على أصحابها، بحيث لا يلتزمون في المتون بما يقرّرونه في العناوين إلا نادراً، خاصة منافس ثعلب الذي يقطع أشواطا طويلة في كتابه الكامل قبل ان يتذكّر ما قرّره في باب من الأبواب، ومع ذلك قد يواصل شروده بدل ان يعجل بعرض ما قرره. ولهذا أعود وأقول إنّ لسان العرب قد يكون أفضل واكمل من هذه الكتب، وإن كنت أدرك بأن الكثير من المهتمين بالأدب العربي، بمن فيهم بعض أساتذة اللغة و الأداب، لا يدركون القيمة الحقيقية للسان العرب، فان الكثيرين منهم يعتبرونه مجرد معجم مثل العشرات من المعاجم، وهذا خطأ! وسوف أكتب في هذه الصفحة ما أرى وما أعتقد في لسان العرب.

نعود إلى ثعلب، هذا الكوفي الذي يكاد يبدو لي في مجلسه متفوّقاً على منافسه المبرّد البصري حتى في النحو!. مع ما أعرفه مسبقاً عن مدرسة الكوفة من إعمال السماع وإهمال القياس. يبدو ثعلب شديد الاطلاع على التراث العربي، ومع ذلك ربما تكون عنده مشكلة في التعامل مع بعض النصوص أو المفاهيم الدينية الإسلامية، (أقول ربما)، فعلى سبيل المثال; يرى أنّ "العقال" هو صدقة سنة!. أيّ أنّ العقال الذي أعلن أبو بكر الصديق انه سيحارب المرتدين لو منعوه عنه، إنما يعني الصدقات أو الزكاة التي تحصّلها الدولة الإسلامية في ظرف سنة!.

وأيضاً يفسّر ثعلب ما ورد في سورة البينة "اذلك الدين القيمة" بأنّ الدين هنا يعني الأمة، وحتى في مواضع أخرى من القرآن يرى أنّ الأمة تعني الدين!. وألاحظ إشكالاً آخر في تفسيره لما ورد في سورة يوسف; "وكانوا فيه من الزاهدين". فإنّ أبا العباس ثعلب يقول: "أي اشتروا على زهد منهم"!. يعني أنّ الذين اشتروا يوسف اشتروه مع أنهم لا يحتاجون إليه. وهذا غريب، لأنّ ما نعرفه من التفسير لهذه الآية هو أنّها تحيل على على "السيارة" اي العابرين الذين اخرجوه من الجب. وقد كانوا فيه من الزاهدين اذ باعوه بدراهم معدودات، وليس كما يقول أبو العباس ثعلب!. على أي حال، أنا لا أملك علماً ولا أعصاباً تمكّنني من تجريح أو تعديل أبي العباس ثعلب في هذه الأمور، فهو شديد الإيجاز والاقتضاب وكأنّه نبيّ قد أوتي من جوامع الكلم ما يجعل بيته من عاج وليس من زجاج!. ولكني أنظر إلى القيمة الأدبية واللغوية لهذا الكتاب، وعلى هذا الأساس أستنتج أنّ هذا الكتاب مفيد، وأعلى درجة من الأمالي، وأعلى درجة من الكامل في اللغة والأدب معاً، وأقلّ درجة من البيان والتبيين للجاحظ، دون زيادة ولا نقصان، والله أعلم.

سعيد بودبوز

ما قيمة كتاب "البديع" لابن المعتزّ؟





هذا أوّل كتاب تمّ تأليفه في علم البديع، وهو من تأليف عبد الله بن المعتزّ الخليفة العباسي الذي تولّى الخلافة لمدة يوم وليلة فقط!.
أوّلاً؛ يُقدّم الناشرون والمحقّقون هذا الكتاب على أنه أساسي في البديع، ولكن حين نقرؤه نجده يتحدث في أوّل باب عن الاستعارة. ولكي يستدلّ على ما قرّره في هذا العنوان الفرعي يورد آيات من قبيل؛ "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة/اشتعل الرأس شيباً/عذاب يوم عقيم/أمّ الكتاب..". والسؤال المطروح؛ أين البديع في هذه الآيات؟.
وما علاقة الاستعارة بالبديع أصلاً؟. الاستعارة تدخل في علم البيان إلى جانب المجاز والكناية وغيرها.
ثانياً؛ في الباب الثاني نجد عنوان "التجنيس". نعم، التجنيس أو الجناس فنّ من فنون البديع، وكذلك ما جاء في الباب الثالث مما سماه المطابقة أو الطباق، لكن المشكلة أننا لا نكاد نجد للمؤلف بصمة اجتهاد في الشرح ولا في التوضيح، فهو يكتفي بخطّ العناوين وإيراد الآيات والأبيات التي يرى في مضامينها ما يستدلّ به على ما قرّره في تلك العناوين.
ثالثاً؛ في الصفحة 72 يقول بأنّه قد انتهى من أبواب البديع الخمسة، والتي هي في الواقع أربعة فقط، لأنّ الاستعارة كما قلنا تدخل في البيان وليس في البديع. ثم يقول في نفس الصفحة: "وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد وألفته سنة أربع وسبعين ومأتين". هذه العبارة جعلتني أشكّ في نسبة هذا الكتاب إلى ابن المعتزّ أصلاً!.
وبعد ذلك يستأنف عرض المزيد مما سمّاه محسّنات الشعر والكلام، ويذكر مثلاً "التورية"، ولا أفهم لماذا لم يجعلها باباً سادساً من أبواب البديع التي أعلن عن اكتشافها؟. ولماذا استهلّ كتابه بالحديث عن الاستعارة التي ليست بديعاً بدل أن يبدأ بالحديث عن التورية التي تدخل في علم البديع؟. كيف يقرّر ناشرون أو محققون بأنّ ابن المعتزّ هذا اكتشف 18 فنّاً من فنون البديع وهو يقول خمسة فقط؟.
الخلاصة أنّ هذا الكتاب، وإن كان الأوّل في البديع، لا أراه ذا فائدة كبيرة، بل ربما يسبّب خلطاً والتباساً لدى القارئ بسبب ما يحيط به من التدليس وما يحتويه من الفوضى، والله أعلم.

سعيد بودبوز 

لماذا تصف نهج البلاغة بالكئيب؟



طُرح هذا السؤال عليّ بكثرة من طرف المعلقين، أو لعله مجرد شخص واحد شيعي معاقّ ذهنياً يكرّر طرحه بمختلف الأسماء المستعارة وبهستيرية أو على إيقاع نوبات الصرع والسعار المتتالية والملازمة لضحايا الأديان، وهؤلاء المعاقّون معروفون بأنّهم لا يقبلون من أي كاتب أو ناطق إلا أن يُقدّس كل آثارهم وثيرانهم وروثهم تقديساً تامّاً غير منقوص. لم يستطيعوا ابتلاع قولي بأنّ نهج البلاغة جميل وكئيب في نفس الوقت، وقد تجاهلوا كل ما قلتُ في جماله من الإيجابيات، وشتموني شتماً فاحشاً لمجرد أن قلتُ بأنه كئيب!. والحقيقة أنّ ما أقوله في نهج البلاغة هو ما أنا مقتنع به، فلا يهمني الشيعي المريض الزومبي الميؤوس من شفائه. أقول ما أرى، وإذا لم تقبل يا عزيزي الزومبي، فلك أن تنطح جدران الفيسبوك إلى ما شاء ربّك.

سأوضح هذا الإشكال للقارئ المفترض الذي يملك عقلاً. إن نهج البلاغة يشبه امرأة جميلة ساحرة الوجه ذات بشرة ناعمة لامعة، فاتنة إلى حد السيف، بل إلى حدّ الفتنة الكبرى، لكنها دائمة التذمّر، والتحسّر، والشكاوي والتباكي، لا حديث لها إلا عن فشلها الذريع في الحياة، وعندما تجلس معها لا يكاد حُسنها يزيل حُزنك، بل يزيده!. فهذا هو شأن نهج البلاغة عندما نقارن جماله البلاغي بمضامينه التي يمتدّ بؤسها من أول الكتاب إلى آخره، فلا حديث لصاحب النص إلا عن إخفاقاته العسكرية، وعثراته السياسية، وعن فتوحاته في النحس والشؤم وسوء الحظـ وانفضاض الناس من حوله، واحتشادهم لنصرة عدوّه عليه. المضامين عبارة عن ويلات لا أوّل لها ولا آخر، من هنا تأتي الكآبة. وهنا يُستحسن أن تفتح باباً من أبواب كليلة ودمنة كي تتنفّس هواء المرح المنعش حتى لا تختنق. عندما تغرق في جواحيم النهروان وصفّين والجمل، وتقرأ في هذا الكتاب كيف أنّ تاريخ الإسلام سقته وروته أنهار من الدماء، فلعلّ أفضل شيء تفعله بين خطبة وأخرى، هو أن تفتح باب القرد والغيلم مثلاً لتلتقط أنفاس الهزل والمرح كي لا تُصاب بالاكتئاب.
عندما أتحدث عن جمال المظهر والجوهر في هذا الكلاب، فأنا لا أعني المضمون بتاتاً. بل أعني فنون البديع التي تمتع الأبصار، وفنون البيان التي تقنع البصيرة. فلا أعتقد أن هناك فنا بلاغيا لم يتوشّح به نعج البلاغة. ففي ما يترصّع به من فنون البديع، حدّث عن السجع والجناس والطباق والتورية والاقتباس والمقابلة وغيرها من المحسّنات ولا حرج. وفي البيان حدّث عمّا يخالجه من المجاز والكناية والاستعارات ومختلف التشابيه ولا حرج. فالبيان هو المقصود عندي بالجوهر وليس مضامين الخُطب المثيرة للكآبة!.
سعيد بودبوز


ما هي القيمة البلاغية لرسالة الملائكة؟

 




هذا أوّل كتاب تمّ تأليفه في علم البديع، وهو من تأليف عبد الله بن المعتزّ الخليفة العباسي الذي تولّى الخلافة لمدة يوم وليلة فقط!.
أوّلاً؛ يُقدّم الناشرون والمحقّقون هذا الكتاب على أنه أساسي في البديع، ولكن حين نقرؤه نجده يتحدث في أوّل باب عن الاستعارة. ولكي يستدلّ على ما قرّره في هذا العنوان الفرعي يورد آيات من قبيل؛ "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة/اشتعل الرأس شيباً/عذاب يوم عقيم/أمّ الكتاب..". والسؤال المطروح؛ أين البديع في هذه الآيات؟.
وما علاقة الاستعارة بالبديع أصلاً؟. الاستعارة تدخل في علم البيان إلى جانب المجاز والكناية وغيرها.
ثانياً؛ في الباب الثاني نجد عنوان "التجنيس". نعم، التجنيس أو الجناس فنّ من فنون البديع، وكذلك ما جاء في الباب الثالث مما سماه المطابقة أو الطباق، لكن المشكلة أننا لا نكاد نجد للمؤلف بصمة اجتهاد في الشرح ولا في التوضيح، فهو يكتفي بخطّ العناوين وإيراد الآيات والأبيات التي يرى في مضامينها ما يستدلّ به على ما قرّره في تلك العناوين.
ثالثاً؛ في الصفحة 72 يقول بأنّه قد انتهى من أبواب البديع الخمسة، والتي هي في الواقع أربعة فقط، لأنّ الاستعارة كما قلنا تدخل في البيان وليس في البديع. ثم يقول في نفس الصفحة: "وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد وألفته سنة أربع وسبعين ومأتين". هذه العبارة جعلتني أشكّ في نسبة هذا الكتاب إلى ابن المعتزّ أصلاً!.
وبعد ذلك يستأنف عرض المزيد مما سمّاه محسّنات الشعر والكلام، ويذكر مثلاً "التورية"، ولا أفهم لماذا لم يجعلها باباً سادساً من أبواب البديع التي أعلن عن اكتشافها؟. ولماذا استهلّ كتابه بالحديث عن الاستعارة التي ليست بديعاً بدل أن يبدأ بالحديث عن التورية التي تدخل في علم البديع؟. كيف يقرّر ناشرون أو محققون بأنّ ابن المعتزّ هذا اكتشف 18 فنّاً من فنون البديع وهو يقول خمسة فقط؟.
الخلاصة أنّ هذا الكتاب، وإن كان الأوّل في البديع، لا أراه ذا فائدة كبيرة، بل ربما يسبّب خلطاً والتباساً لدى القارئ بسبب ما يحيط به من التدليس وما يحتويه من الفوضى، والله أعلم.
سعيد بودبوز

ما هي القيمة البلاغية والأدبية للزوميات المعرّي؟.


سبق أن تحدّثت عن المعرّي الذي لا أرى وزنه في الأدب العربي يرقى إلى مستوى شهرته، وتلقيت الكثير من التعاليق الشاتمة ممن يجعلونه شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، وقد عبّرت عن رأيي في رسالة الغفران التافهة. والان سأتحدث عن قيمة اللزوميات. أوّلاً؛ بالنسبة لمن يجعلونه شاعرَ الفلاسفة، أقول؛ إذا كان ثمة من يرى جودة هذه اللزوميات مستمدّة من البديع، فليعلم بأنّ المعرّي كان في هذه اللزوميات قصير النفس إلى حد الرداءة، حيث أنه لا يكاد يتجاوز 30 بيتاً بقافية واحدة إلا بشق النفس. وكثيراً ما نجد مقاطع تتكوّن من ثلاثة أبيات!. فهل هذه قدرة بلاغية بديعية يُعتدّ بها؟. ثم هل يعرف المنبهرون باللزوميات ماذا كتب الأدباء الكبار في البديعيات؟. يُخيّل إليّ أن الكثيرين من هؤلاء لا فكرة لديهم عن البديعيات، وإلا فأين لزوميات المعرّي من بديعيات الحلّي مثلاً؟!.
أو دعك من الحلي، وخذ مثلاً ابن جابر الأندلسي، وهو ضرير مثل المعرّي، ولكن أين لزوميات المعرّي من بديعيات الأندلسي؟.
إذا لم يستطع المعرّي أن يتجاوز 40 بيتاً في لون واحد من ألوان البديع (لزوم ما لا يلزم) فكيف يأتي بقصيدة مثل قصيدة ابن جابر الأندلسي التي تتألف من 177 بيتاً، وكل بيت ملزم بلون واحد من ألوان البديع!؟. وقد قسّمها إلى قسمين، واحد للمحسنات اللفظية، والثاني للمحسنات المعنوية، وقد وظّف في تلك القصيدة 60 نوعاً من أنواع الجناس فقط!. للمزيد حول الموضوع، انظر كتاب "البديعيات" لعلي أبي زيد. أما لو قارنا لزوميات المعرّي مع ما جاء به شعبان الأثاري في البديعيات، فالسلام على المعرّي!.
تخيّل قصيدة تتألف من 400 بيت بقافية واحدة، وكل بيت ملزم باحتواء نوع واحد من أنواع البديع!. لعمري إنّ هذا لا يأتي به سوى شعبان الأثاري أو عفريت من الجن. ولا أتصوّر أن من يقرأ تلك البديعيات يرى أية قيمة بلاغية في لزوميات المعرّي، أما مضامين هذه اللزوميات، فهي متواضعة. أنا لا أبخّس مهارة المعري، ولكني لا أعطيه أكثر مما يستحق، وسوف أتحدث عن باقي كتبه لاحقاً.
ثانياً؛ بالنسبة لمن يعتبرونه فيلسوفَ الشعراء، فإذا كانوا يعرفون له كتاباً في مجال الفلسفة فأتمنى أن يقترحوه عليّ كي أعرف كيف للمعرّي أن يكون فيلسوفاً. أما كتبه الأدبية، فإني أراه فيها أقل حكمةً وتفلسفاً من ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، مع أنّ ابن عبد ربه لا يصفه أحد بالفيلسوف، فهو أديب وراوٍ بارع للأدب، وسوف أتحدث عن كتابه العقد الفريد في هذه الصفحة.
والخلاصة أنني أرى أن ديوان اللزوميات للمعرّي مفيد للمهتمين بالأدب، ولكن ليس بالقدر الذي يتخيّله ضحايا الشائعات والفقاعات، فنحن نعرف بأنّ المترجمين العرب غشاشون وظالمون، ويكفيك أن تعرف قصتهم المخزية مع الأديب الكبير أبي حيان التوحيدي، حيث أقصوه من تراجمهم ولم يدكره منهم إلا القلة القليلة، مع أنه في فنّ النثر لا يمكن أن يرقى إليه المعرّي بأيّ حال.
سعيد بودبوز


ما قيمة كتاب "نثر الدر" في الأدب العربي؟


هذا الكتاب أقلّ شهرةً بكثير من أمهات كتب الأدب العربي التي تحدثنا عنها سابقاً، كالأمالي والكامل والعقد الفريد، ولعله أقلّ شهرة حتى من مجالس ثعلب، لكن مع ذلك يكاد يكون أفضل من الأمالي على مستوى انتقاء المادة الأدبية، وبالتأكيد أفضل منه في التبويب، وإن كان في رتبته أو أقلّ من حيث غزارة المادة. وهذا الكتاب من تأليف الوزير أبي سعيد منصور بن الحسين الآبي، وهو فارسي وشيعي (إمامي)، لكنّ تشيّعه لم يتغلّب عليه في هذا الكتاب، ويبدو أنّ له من الحس العلمي والنضج العاطفي والاتزان العقلي ما يجعله مختلفاً عن كثير ممن قرأتُ لهم من المؤلفين الشيعة، لا أدري لماذا لم يُحظ هذا الكتاب في عالم السنة بشهرة تضاهي الأمالي على الأقل.
حين تبدأ قراءة الجزء الأول منه، تجد أنه كتاب ديني أكثر منه أدبي، ويمتد هذا المسار إلى الصفحة 301، لكن بعد هذه الصفحة، يورد حوارات أدبية بليغة بديعة ممتعة، تجعلك ترى أنه لا يمكن الاستغناء عنه بأيّ كتاب من باقي أمهات كتب الأدب. وفي الجزء الثاني يتحدث عن الطرائف المقترنة بمعاوية، وقد أكثر من الحديث عن هذا الخليفة، لكن دون أن يُظهر ميلاً لتجريحه أو تفسيده، وإنما يتحدث عنه بحسّ علمي مريح جداً، حسّ يكشف فيه عن أديب مثقّف لا تهزّه الأهواء بسهولة، ولا حتى بصعوبة، لم اجد في حديثه عن معاوية المكروه لدى الشيعة اي سقطة صريحة، وطبعاً أنا أتحدث عن السقطات الأدبية والعلمية وليس الدينية أو المذهبية، لأنّ هذه الامور لا تهمني إطلاقاً فيما أقرأ من الآداب، فلا فرق عندي بين مؤمن وزنديق، كما أن معاوية بالنسبة إلي مجرد حاكم كغيره من الحكام همهم الأول والأخير هو السلطة والثروة.
وكما أنّ الآلي لا ينساق في حديثه عن معاوية إلى التفسيد، فكذلك لا ينساق في حديثه عن علي بن أبي طالب إلى التصليح المطلق الذي يشارف التأليه كما هو معروف لدى الكثير من الشيعة. وفي الجزء الثاني يتابع الحديث عن معاوية ويورد حواراته وخطبه بشكل أكاد ألامس فيه نوعاً من التفصيح، أي كأنه يقدّم معاوية على أنه من فصحاء العرب، وهذا يعني أنّ الآلي رجل لا يخشى في الأدب لومة لائم، فهو ينتقي من آثار الأدب العربي ما يراه ذا قيمة بغض النظر عن الاعتبارات المذهبية أو السياسية أو غيرها. وربما كان بوسعه أن يحوّل معاوية إلى أضحوكة لو أراد، كما نجح ابن مماتي في تحويل قاراقوش إلى أضحوكة، مع أنّ ابن مماتي ضعيف جدا في الأدب، وإن كان شيطاناً في رواية الأدب، أو على الأقل كان شيطاناً في انتقائه الطرائف التي خرّب بها بيت قاراقوش في كتابه الفاشوش.
ويتميز هذا الكتاب أيضاً بإحالة الأسانيد إلى الهوامش، بدل أن يُغرق بها المتون، وهو في هذا يتساوى في العقد الفريد". (في هذا فقط، أما الباقي فإنّ العقد الفريد أرقى وأغزر بكثير من نثر الدرر). في هذا الجزء الثاني ينتقل للحديث عن عمر بن الخطّاب، وبرحابة صدر غريبة عن المؤلفين الشيعة، بل إلى حد أنه ترضّى عنه ! وقد ذكره في العديد من المواضع مع لازمة (رضي الله عنه). ويورد حواراً بديعاً بين عمر ومعاوية عندما قدم عمر إلى الشام على ظهر حمار مع أبي عبيدة أو عبد الرحمان بن عوف، ثم تابع استعراض النوادر المرتبطة بمعاوية، من حواره مع ابنه يزيد ومع عمرو بن العاص. وقد ذكر نوادر سبق لي أن قرأتها في أمهات الكتب الأخرى. وأورد عن معاوية أحياناً ما جعلني أحس كأنه يحاول أن يُطاول بفصاحته وحكمته شيئاً مما جاء في نهج البلاغة لدى الشيعة، وربما يكون في ذلك تعريض ذكي جداً بمعاوية !. وهو تعريض لا أملك إلا استبلاغه واستجماله لقدرة المؤلّف على توريته وتثويته بين السطور. وكذلك يورد عن ابنه يزيد أقوالاً بليغة كأنه يتعمّد تفصيحه، بدل أن يعمد إلى تعجيمه وتفسيقه كما جرت عادة بعض المؤلفين الشيعة (ولا أقول كلهم). ويظهر جانب من تصليح معاوية في إيراد الآلي لوصيته التي أوصى بها ابنه يزيد حيث يقول: " إن كنت بعدي-وكُنهُ فابدأ بالخير". هنا يظهر التفصيح والتصليح معاً. فالتفصيح في قوله "وكُنه"، أما التصليح ففي قوله "فابدأ بالخير". والسؤال المضحك؛ متى كان معاوية من دعاة الخير؟. وأي خير استزاده يزيدُه غير قتل الحسين بن علي؟. ألا يكفي هذا ويزيد؟ !.
إذن، فقد يكون في ظاهر العرض تصليح وتفصيح، وفي باطنه تعريض وتغريض. لكنه تعريض من عالم أديب بارع في تعسيل السموم !. وإنّ التعريض عندما يكون قائماً على السُّكاتة من البلاغة والحكمة، يصبح مستملحاً ومستحسناً، هذا إن كان الآبي (وليس الواقع بالذات) من عرّض بمعاوية وابنه يزيد !.
يتابع تقديم معاوية على أنه حكيم من حكماء العرب، إذ يقول على لسانه: " آفة المروءة الكبر وإخوان السوء، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم الذل، وآفة الجود السرف، وآفة القصد البخل، وآفة المنطق الفحش، وآفة الجلد الكسل، وآفة الرزانة الكبر، وآفة الصمت العيّ، وآفة اللب العجب، وآفة الظرف الصلف، وآفة الحياء الضعف".
ما شاء الله، لعمري أنّ كل هذه الآفات مجتمعة في تاريخ معاوية!. فكأنّ حكمته أنطقته (أو أنضحته) بما فيه وليس بما يعلمه.
وينتهج الآلي نفس الحذر، (بل نفس الذكاء والرصانة والحس العلمي والذوق الأدبي) في حديثه عن باقي خلفاء بني أمية مورداً حواراً طريفاً بين مروان وابنه، ورسالته إلى النعمان بن بشير، حيث طلب تزويج ابنته لابنه عبد الملك، وهنا يظهر أيضاً بأنّ تفصيح هؤلاء لا يزعج الآلي بتاتاً، فشتان بينه وبين من وضعوا الضفادع في فم مسيلمة الكذاب بعد مقتله، حيث نسبوا إليه أقوالا سخيفة لا تأتي حتى من أعتى مجانين الأعراب، وتناسوا بأنهم يتحدثون عن قائد محنك استطاع أن يقود أكثر من 40 ألف مقاتل ضد مشروع محمد (ص). ما يعني أنّ مسيلمة إن لم يكن من أفصح العرب، فعلى الأقل بريء تماماً من تلك الضفادع وبناتها. الآبي في هذا الكتاب خصم مختلف لا متخلّف.
ومن الطرائف التي أوردها عن بني مروان، أنّه في حديثه عن الوليد الذي كان لحّاناً أورد تعزيته الركيكة والمضحكة لأبيه مروان في وفاة أخيه، حيث قال له مروان: "مصيبتي فيك أعظم من مصيبتي بأخيك". وكما ذهب الآلي مذهب التركيك والتلحين في حق الوليد بن عبد الملك، فقد اعترف للوليد بن يزيد بفصاحة وبلاغة، حيث أورد وصفه العجيب لآلة العود، كما يُظهر فصاحته في خطبته التي برر فيها انقلابه على ابن عمه الوليد بن يزيد. وهكذا طوال حديثه عن جميع الخلفاء العباسيين.
ورغم ما يجرّ إليه الحديث عن هؤلاء الخلفاء من السرد التاريخي القاحل، فإنّ الآبي يعرف جيداً كيف يحافظ على مسار كتابه الأدبي، ولا يفوته أن يؤكد على أنه لم يُفرد هذا الكتاب للتاريخ، وإنما أفرده للأدب، وإن كان فيه ميل مسهب إلى النصوص الدينية في البداية كما قلتُ، و أحيانا يورد فيه أقوالاً لها قيمة كبيرة كحكمة، لكنها تفتقر قليلاً إلى القيمة الأدبية. وفي الجزء الثالث يورد نوادر من كلام العرب مختصرة لكنها ذات دلالات كبيرة، وتميل إلى الحكمة أكثر منها إلى الأدب. كقوله مثلا: " بلوغ أعلى المنازل بغير استحقاق من أكبر أسباب الهلكة" فهذه حكمة بدون أدب. وطبعا أقصد الأدب كفن وليس كأخلاق. وفي هذا الجزء يتحدث عن أجناس أدبية أخرى من الأمثال أو المآثير، منها "ما جاء لفظه على لفظ الامر والنهي" على حد وصفه، وهذا ايضاً يندرج ضمن الحكمة التي أعتبرها جنساً ثقافياً مستقلاً عن الأدب، خلافاً لما يظن الكثير من العوام وحتى الدارسين. ورغم أن الفرق واضح بين الحكمة والأدب، فإن هناك خلطا مزمنا بينهما لدى الكثير من العرب. انظر مثلاً هذه النادرة التي وردت في الصفحة 93 من الجزء الثالث: " أدخل على المنصور جاريتان فأعجبتاه، فقالت التي دخلت أولا: يا أمير المومنين، إن الله قد فضلني على هذه بقوله والسابقون الأولون. فقالت الأخرى: لا بل قد فضلني بقوله: وللآخرة خير لك من الأولى".
فهذا كلام جميل يطرب النفس، ولكن جماله مستمدّ من حسن تحكيم العقل، وليس من بداعته أو بيانه وانسيابه العاطفي الذي يعكس رهافة الحس. فالقيمة الأدبية لهذا الكلام شبه منعدمة، لكن له قيمة في سرعة البداهة، وبالتالي فإن هذا الكلام ينتحي منحى الحكمة، وإن كانت معانيه قريبة لا ترقى بمن يتوخّاها إلى مستوى الحكيم. ثم بعد هذه المناوشات التي أشرنا إلى أنها تندرج في فن أو جنس الحكمة، يقف بنا المؤلف أمام خطبة للحجّاج تفيض بديعاً وبياناً، حيث يقول: "أيها الناس من أعياه داؤه فعندي دواؤه، ومن استبطأ أجله، فعليّ أن أعجله. ومن ثقل عليه رأسه وضعت عنه ثقله، ومن استطال ماضي عمره، قصرت عليه باقيه. إنّ للشيطان طيفاً وللسلطان سيفاً، فمن سقمت سريرته صحت عقوبته، ومن وضعه ذنبه رفعه صلبه، ومن لم تسعه العافية، لم تضق عنه الهلكة.".
إلى قوله: "إني أنذر ثم لا أنظِر، وأحذر ثم لا أعذر، وأتوعد ثم لا أغفر، إنما أفسدكم ترنيق ولاتكم. ومن استرخى لببه ساء أدبه".
فالقيمة الأدبية لهذه الخطبة واضحة وكبيرة، بخلاف كلام الجواري السابق ذكره. تأمّل قوله: "من وضعه ذنبه رفعه صلبه" !. لاحظ كيف يجمع بين الوضع المعنوي والرفع الحسي.
ويبدأ الجزء الرابع بـ "نكت من فصيح العرب وخطبهم" كما وصفه، ويورد فيه نصوصاً سردية على شيء من الاستطالة تكاد تطاول بها القصة القصيرة في عصرنا الحالي، وهي ليست على قدر كبير من البداعة، لكن طرافة مضامينها تعوضها عن جمال الشكل، ويجب ألا يختلط الأمر على القارئ فيظن بأنّ الطرائف الخالية من البديع والبيان خالية أيضاً من الأدب كما قلنا عن أقوال الحكمة، وذلك لأنّ ابتداع الحكاية نفسه من جنس الأدب !. والخلاصة أنّ هذا الكتاب ممتع ومقنع، ومفيد جداً، ليس للمهتمين بالأدب فحسب، بل حتى للمهتمين بالحكمة ورجال الدين الدعاة، وأكرر أنه لا يرقى إلى العقد الفريد ولا يمكن بأي حال أن يُغني عنه.
سعيد بودبوز