الأحد، 5 أبريل 2026

الأسطورة و العدمية

 


نبدأ بقول نيتشه "أصف ما سيأتي، ما لن يأتي مخالفاً لما أقوله، إنه تنامي العدمية".
يمكن اعتبار الفكر العدمي نقيضاً للفكر الأسطوري. فبينما يسعى الانسان من خلال الأسطورة لتأثيث العقل والخيال وتنشيط الفكر، تسعى العدمية لإفراغ هذه الأشياء كلها وإراحة النفس منها. الأسطورة تفجّر الطاقة، والعدمية تكثّفها وتقزمها. الأسطورة تفصل بين آدم وحواء بعدما وحّدتهما العدمية. إذن، فعندما تتعب الأسطورة، قد تسعى العدمية لتوحيد آدم مع حواء، وهذا قد يتجلى في مختلف صور الانحراف أهمّها ما يُعرف بالمثلية. معلوم أن هذه الظاهرة المقرفة قد بدأت تزدهر، وهناك دول بدأت تسن قوانين تسمح بالزواج المثلي، ولو تغاضينا عن جانبها المقرف حقيقة، ونظرنا إلى عمق الظاهرة، نجد أن ما يقف وراءها هو العدمية، أي الرغبة في وقف النسل وإنهاء النوع البشري من جهة، وإلغاء الجنس لصالح "الخنوثة". هذه هي الحالة التي كان عليها آدم قبل أن تخرج حواء من ضلعه حسب الأسطورة، وأذكر القارئ بأنني دائما أتحدث عن الأسطورة من خلال منظور سيكولوجي وليس أنثروبولوجي ولا ديني. إذن كان آدم خنثى في زمن العدمية، أي قبل الأسطورة التي أسست لظهور الجنس. وفقط لكي نوضح مسألة "اللجوء" السيكولوجي من حالة "جنس" إلى حالة "خنوثة"، أو العكس كما تسرد أسطورة آدم، فإن ممارسة الجنس في حد ذاتها ليست في العمق سوى إفراغ للحب، ومجاهدته، ومحاولة التخلص منه، فالرجل مثلا يعتقد في حالات وعيه البسيطة بأنه يتزوّج لأنه يحب امرأة معينة، لكنه-ربما- هناك من يتزوج من امرأة لكي يستهلك ذلك الحب ويهلكه في النهاية، ويتخلص منه، ولعل الجنس كممارسة-أو بعض أنماطه لدى بعض الناس-أفضل ملجأ للعاشق الذي يريد التخلص من الحب. ولعل هذا شأن الجنس كمبدأ بيوسيكولوجي لدى المثليين؛ فلعلهم يمثّلون نزعة التخلص من المرأة والعودة إلى حالة آدم ماقبل خروج حواء من ضلعه.

لقد أراد العقل البشري أن يفترض بأن الكون كان كتلة واحدة ثم انفجر (قوة انفصال). وأن الذكر والأنثى كانا شخصا واحدا ثم انفصلا (أسطورة آدم وحواء). وأن الإله والإنسان كانا كائنا واحدا (وحدة الأقانيم) ثم انفصلا. وأن الحيوانات تنحدر من كائن واحد (قوة انفصال). ولكن إلى أين تسير قوة الانفصال هذه؟.. إنها تدور وتعود إلى حالة الاتصال. فلا تستغرب أن تجد الإنسان ينحدر إلى مستوى البهيمة. ولا تستغرب أن تسمع الصوفي يصلي لنفسه ويقول (سبحاني سبحاني ما أعظم شأني)، ولا تتعجب من اصطدام الكواكب وحتى النجوم ذات يوم أسود. فهذه الحركة الكونية (المنحرفة) تعبر عنها العدمية في التفكير والمثلية في الإحساس.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

البحث والحفظ بين الذات والموضوع


هناك نوعان من العقول بإيجاز؛ واحد ينطلق من المقدمة، ويصل إلى النتيجة. فهو ينطلق من الجهل إلى العلم. أما الثاني فهو، على العكس، ينطلق من النتيجة، ويصل إلى المقدمة. فهو ينطلق من العلم إلى الجهل. وفي حين يتميز الانطلاق من المقدمة إلى النتيجة بالبحث عن الحقيقة، يتميز الانطلاق من النتيجة إلى المقدمة بالدفاع عن تلك الحقيقة. ونلاحظ أن عملية "البحث" تؤدي إلى إنتاج ما يفترض البحث عنه (الحقيقية)، في حين أن عملية "الدفاع" عن الحقيقة لا تؤدي إلى أي إنتاج إضافي، لأن صاحبها ببساطة مشغول بـ "الدفاع". ولكي نوضح هذه النقطة أكثر، لنفرض أن شخصا يحرس (يدافع عن) قطيع من الغنم، والثاني يبحث عن المزيد من الأغنام، فلا شك أن الأول لن يضيف شيئا إلى قطيعه، بينما الثاني يمكنه أن يضيف، لأنه "يبحث". 

لنلاحظ أن عملية الدفاع، لها علاقة بالسكون، وهذا الأخير له علاقة بالحفظ، فلذلك نجد عادة أن المتخلفين عقليا تكون عندهم ذاكرة قوية (يحفظون كثيرا)، وهذا حال العرب. أما عملية "البحث"، فنلاحظ بأن لها علاقة بالحركة، وهذه الأخيرة لها علاقة بالفهم والتفكير، فلا يمكن للعقل المتوقف أن يفهم أو يفكر. لأن مهمته الوحيدة هي أن "يحفظ" و"يدافع" عن المحفوظ. فالعقل الحافظ واقف في نهاية المحفوظ، ومستعد للنزول إلى البداية (المقدمة) كلما "شعر" بأنها في خطر فكري معين. أما العقل الباحث، فهو واقف في بداية المعقول، ومستعد للصعود إلى النهاية (النتيجة) كلما "لاحظ" أنها في متناول منطقي معين. وهنا نلاحظ بأن كلمتي "شعر" و"لاحظ" لم تأتيتا اعتباطا في هذه الورقة، بل إنهما تعبران بدقة عما يحرك العقل الباحث والعقل الحافظ (أو المحافظ). فإذا كانت حركة العقل الباحث (من المقدمة إلى النتيجة) تتمثل في الاستجابة لـ "للملاحظة"، وهي فعل عقلي (منطقي)، فإن حركة العقل الحافظ (من النتيجة إلى المقدمة) تتمثل في استجابته لـ "الشعور"، وهو فعل وجداني (عاطفي).
إن العقل الباحث، حتى وإن كان يملك حقيقة وجدانية ذاتية، لا يخلط بينها وبين الحقيقة العلمية الموضوعية، أما العقل الحافظ، فهو لا يملك إلا حقيقة وجدانية ذاتية، نذر نفسه للدفاع عنها. إذن، فنحن أمام اختلاف إبيستيمولوجي بين العقلين. ففي حين يؤدي العقل الباحث وظيفة البحث، فيما هو معقول، عن الحقيقة الموضوعية، يؤدي العقل الحافظ وظيفة الدفاع، فيما هو محفوظ، عن الحقيقة الذاتية. ولهذا، فكلما ابتعد العقل الباحث عن الذات، اقترب من الموضوع. وكلما اقترب العقل المدافع من الذات، ابتعد عن الموضوع. وبالتالي، فإن الابتعاد عن الذات، أثناء البحث عن الموضوع، يمنح العقل الباحث قدرة كبيرة على الاكتشاف. وعلى العكس من ذلك، فأن الابتعاد عن الموضوع، أثناء الدفاع عن الذات، يورِّث العقل الحافظ عجزا عن الاكتشاف. وهذا بالضبط ما يعاني منه العقل العربي التقليدي.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

 

 

التاريخ وفقه اللغة


مهما تعمق المؤرخ في دراسة التاريخ، سيبقى ضعيفاً إذا لم يكن له دراية بفقه اللغة على الأقل. لن أتحدث عن هذه المسألة بشكل مطول، ولكني فقط سأكتفي بأمثلة بسيطة، وهي أن الحروف (الأصوات) تتغير مع مرور الزمن، وهناك أصوات تتحول إلى أصوات أخرى محددة، والعكس صحيح، أظنني سبق أن ذكرت على هذه الصفحة شيئا من ذلك، فالحرف K يتحول إلى حرف H والعكس صحيح. وكذلك يتحول الحرفان إلى حرفين مركبين وهما

 CH التي تقابل السين المعجمة (الشين) وKH التي تقابل الحاء المعجمة (الخاء). مثلا: الأمازيغ يقولون "نكني" ومنهم من يؤخر النون إلى بعد الياء فيقولون "نكين" أو "نشين". وهنا نلاحظ تقارباً مع اللغة السامية؛ ففي اللغة العربية نقول "نحنُ" وهي "نحنو". في العبرية "نخنو" على ما أظن. إذا كتبناها باللاتينية سيظهر لنا التقارب الناجم عن التحول الصوتي كما يلي:
Nekhnu=Nehnu=Nekni=Nechen
وطبعاً اعتقد أن الجميع يعرف علاقة حرف "هاء" بحرف "حاء"، وهذا يعني أننا حين نقرأ وثيقة تاريخية قديمة كتبت باللغة العربية، يجب أن ننتبه إلى أن حرف "هاء" يمكن أن يتحول إلى حرف "شين" والعكس صحيح، أما الشيء الذي لا أظن الكثير منا يعرفه، فهو أن حرف "الهاء" يمكن أن يتحول إلى حرف "السين" والعكس صحيح! كما نجد في كلمتي "الهند" و"السند"، فما الهند إلا السند نفسها. أما الشيء الأكثر خطورة، فهو أن "سام" الذي يُدعى "هام" في بعض الدراسات، قد يكون "حام" نفسه!! إن نقطة القوة التي أجدها في الباحث القبطي (الفرعوني) سيد محمود القمني، والشيء الذي جعل بحوثه شاقة ومستعصية على انتقادات "الخوانجية"، هو أنه ليس مؤرخاً فحسب، وليس متخصصا في علم الاجتماع الديني فحسب، بل ضليع في فقه اللغة أيضاً، وهو بخلاف الفرعوني (القبطي) الويس عوض مثلا ، فهذا الأخير ضليع في فغقه اللغة، لكنه ضعيف في مجال التاريخ، يظهر ذلك واضحاً في كتابه "مقدمة في فقه اللغة"...

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

الموسيقى بين الفعل والانفعال

 


كما اتفق نيتشه مع شوبنهاور في كون الأخلاق والأديان ظاهرة ارتكاسية (عبارة عن ردّة فعل)، كذلك ميّز بين الموسيقى "الفعلية" والموسيفى "الانفعالية"، وكان يرى أن هذه الأخيرة شأنها شأن الأديان إنما تريد أن تشوّش على الأولى من أجل ألا تنمو القدرات الخلاقة للإنسان (شبيهة بالإخصاء/الرهبنة/الختان/ تحريم الجنس...). التمييز بين النوعين بسيط؛ فمثلا يمكن اعتبار الطرب العربي كأم كلثوم و عبد الحليم، ارتكاسياً، لأنّ هذا النوع من الموسيقى -وإن كنا نحبّه- إنما هو عقيم في الواقع، ويدعو إلى الركود والخضوع والاستسلام، شأنه شأن الأديان واللغة وكثرة الفضائل. الموسيقى الفعلية هي التي تثير فيك النهوض حدّ الرعب، مثل موسيقى فاغنر أو بيتهوفن، أو تلك المعتمدة في النوادي الرياضية كرفع الأثقال والكونغ فو وغيره. تلك هي الموسيقى التي تربط الاتصال بين الإنسان والطبيعة، وتفعّل فيه غرائز التقدم، تعيد إلى ذهنه لحظة الثورة على الخلقة الحيوانية والنهوض بالخلقة البشرية، فرغم إعجابي الكبير بطرب عبد الحليم، إلا أنني واثق من أنه لو ظهر ونحن مازلنا في عصور الغابة لجلسنا أرضا وأجّلنا الانتقال إلى المدينة
تتيمّز الموسيقى الفعلية بأنّها تستنهض في النفس شخصا راشدا (قائما ومستعدا للانطلاق)، في حين تتميز الموسيقى الارتكاسية بأنها تستنهض في النفس طفلا منتحبا.. عاجزاً (يحبو). الأوّلى تمسح دموعه وتحرّضه على مواجهة الكون، أما الثانية فهي تسيل دموعه وتحيي في أعماقه أيام الاعتماد على الأمّ والأب... حين كان يجبرهما بالبكاء وحده على تحقيق مطالبه الطفولية (لاحظ أن البكاء لغة مقنعة، وذلك لأنه مرتبط بالموسيقى التي هي أصل اللغة). ولكن المشكلة أن هذا التراجع اللاشعوري على مستوى الفرد إلى أيام الطفولة، ما هو إلا جزء من التراجع النوعي (النوع البشري) نحو عصور المشي على أربعة أقدام (تخلّف مطلق)..عصور ما قبل البدائية، وهذا يعني تضييع وقت الطبيعة وعرقلة تقدمّها من خلال الطبعة الإنسانية الراهنة نحو الأعلى، نحو الارتقاء في الخلقة وليس في الأخلاق..نحو طبعة حديثة قد تكون مؤهّلة لمواجهة ومواكبة التطوّر الكوني.
لو تأمّلنا بعمق، نجد أن الموسيقى في الأصل انبثقت من ألحان "البكاء" لدى الطفل، وألحان"التهدئة" لدى الأمّ..الأولى عبارة عن نبرات تثير البكاء، والثانية عبارة عن نبرات مضادة تعمل على تبديد هذا البكاء وإحلال الهدوء والاطمئنان محلّه. عندما يبكي الطفل قربك، لاحظ صوت أمه وهي تدلله وتهدئ من روعه.. إن الأم في هذه الحالة، تصدر صوتاً ينتمي إلى ما يسميه نيتشه بالموسيقى "الفعلية" الخلاقة، بينما ينتمي صوت البكاء لدى الطفل إلى الموسيقى الارتكاسية (ردة فعل)، فالأم- دون أن تشعر- تستحضر تلقائيا تلك الألحان التي تسكت الطفل وتطمئنه، وقد يسهل أن تلاحظ بأن الموسيقى الغربية برمّتها تميل إلى صوت "الأم" السابق ذكره، وأن الموسيقى العربية (خاصة الكلاسيكية) تميل إلى صوت بكاء الطفل. وهناك أمر آخر، وهو أنّ الأمّ نفسها قد تصدر إيماءات ونبرات مازحة لكنها مخيفة بالنسبة إلى الطفل، وهذه النبرات تنتمي إلى موسيقى الرّعب، وهي تفعل ذلك من أجل أن تنشط انتباه طفلها، فتتسع عينيه فجأة ثم تبتسم له وتطمئنه من جديد. هذه هي الروح الخلاقة التي أحياها بيتهوفن وفاغنر بشكل أثار إعجاب نيتشه. فعندما تستمع إلى موسيقى فاغنر ستجف دموعك وتشل ضحكتك حالا حتى وإن كنت متعطّشا للبكاء أو للضحك.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

الناقد العجوزالموضوع الكبير

 

ليس من الضروري أن تكون أنت ناقدا عجوزا، لكن الواقع أنك مشبع بذوق الناقد العجوز وخلفيته النقدية وعقيدته الأدبية في العالم العربي إلا من رحم ربك. أصبح واضحا أن هيمنة الناقد العجوز في هذا العالم العربي تؤدي إلى تكريس "الموضوع الكبير" والرواية التاريخية (يعني: الرواية العجوز)، فبغض النظر عن البنية الفنية الشكلية التي من خلالها تتطوّر الرواية الأدبية، تجد النقد العجوز يحتفي بالرواية ذات المضمون التاريخي العجوز لمجرد أنها-حسب عقيدته المتخلفة-تتحدث عن قضايا كبيرة، وطبعا معياره في "تكبير الموضوع" هو أنه يهم أكبر عدد من أفراد القطيع، وبهذا تظل الرواية مجرد سبية في قصر التاريخ يسخرها كما يشاء لمآربه الفضفاضة. لا يهم الناقد العجوز أن تكون الرواية مكتوبة بفنية عالية من حيث شكلها، وإنما يهمه فقط الرسالة المباشرة التي تؤديها حسب اعتقاده.

ليت الناقد العجوز يستفيد من رواية نوبل، ويتأمل كيف أن معظم مواضيعها تتحدث عن الواقع المعاصر وعن أشخاص عاديين، أي ليس من الضروري أن تعود إلى زمن الملحمة لتتقصى أخبار الأبطال والملوك الحقيقيين والأسطوريين. إن من يشكّ في أن النقد العربي عجوز ومريض ورديء، فهو بعيد جدا عن فهم المشهد الثقافي العربي. لك الله أيتها الرواية، فأنت تريدين موضوعا روائيا، والناقد العجوز يفرض عليك موضوعا تاريخيا أو سياسيا. أنت تريدين أسلوبا روائيا، والناقد العجوز يفرض عليك أساليب أخرى، يمكن أن تكون فلسفية أو سيكولوجية أو غير ذلك، المهم ألا يكون أسلوبا روائيا محضا.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

عن الفرق بين الهمجية والوحشية

 

عادة ما يتمّ الخلط بين الاثنين، لكن الأنثروبولوجيا تفرّق بينهما، وكذلك التاريخ، فالوحشية سادت قبل الهمجية، كما أنها أشدّ ارتباطاً بالغابة من الهمجية المرتبطة نفاقاً بالمدنية. في بداية التاريخ كان الإنسان متوحّشاً في كل مكان، ولا شيء غير الوحشية، وبعد أن قطع أشواطاً طويلة في التقدم والتحضّر وقع في نكسة بسبب الأديان، فأصبح فاسقاً بالمعنى الحضاري، أي صار في منزلة بين منزلتين؛ لا هو متوحّش عن بينة، ولا هو متحضّر عن بينة، حيث أصبح يرتكب مجازر بشعة وهو قادر على استقباحها عكس ما كان يحدث في زمن الوحشية، وهذه هي الهمجية؛ فالهمجي هو ذلك الذي يمارس الوحشية ويدافع عنها بمبادئ حضارية، بحيث يحاول أن يجعل الحضارة في خدمة الوحشية، عكس المتوحش الذي كان يحاول بإخلاص طبيعي (وليس ثقافياً) أن يصبح أفضل مما كان. فبعدما ظهرت العقيدة الإبراهيمية مباشرة بدأت البشرية تعاني، حيث بدأ أتباع إبراهيم (أو براهما) الآريون يرتكبون وحشياتهم في حق الشعوب المستضعفة باسم الرب هذه المرة، فكان من جملة أعمالهم الهمجية/البربرية (وليس الوحشية) أنهم دمّروا جزر آيجة وكانوا سببا في نشوء ما يسمى "شعوب البحر" الذين أصبحوا فيما بعد يُطلق عليهم "الفيليستينيون"، ثم أخيرا ً أُطلق عليهم "الفلسطينيون"، وهم كما قلت سابقا شعب متحضّر جداً، وليسوا عرباً كما يعتقد معظم العرب، سواء في فلسطين أو في غيرها. وعلى فكرة: فلو لم يلتقِ العرب بالشعوب المتقدمة كالكنعانيين والآراميين والأقباط والأكراد والفلسطينيين والأمازيغ لظلوا (أي العرب) في مرتبة الوحشية وليس حتى الهمجية، وهذه شهادة ابن خلدون الذي صرّح بأن "العرب يعانون من وحشية مستحكمة، وأنهم لا يدخلون أرضا إلا وأسرع إليها الخراب". 

الملحوظ أن أقدار كل من الفليستينيين واليهود تتشابه إلى حد مدهش، فمن قدر الفسلطينيين أن يتشرّدوا في أصقاع الأرض تماما مثل اليهود. فكما تعرّض اليهود لما يسمى "الدياسبورا" على يد الملك الاشوري، والأسر البابلي، والتدمير المصري الذي الحقه الفرعون الأمازيغي شيشنق بمملكة سليمان اليهودية وهلم جراً وذبحاً وأسراً وحرقاً إلى هتلر، كذلك كان الفلسطينيون طوال التاريخ القديم والحديث يتعرّضون للتشتيت والقتل والتهجير، ولما كان الهمج الآريون (أتباع براهما الذين خرّبوا الهند وزرعوا فيها أول عقيدة أبراهيمية وهي الهندوسية التي سوف تنبثق عنها النصرانية والمانوية والإسلام) يشردون الفلسطينيين بسخاء، كان الفلسطينيون دائماً يعتدون (مضطرين) على الدول الأخرى وعلى رأسها مصر، حيث هاجموها مراراً كما تفعل حماس اليوم، وقد كانت لهم يد طويلة في مساعدة الأمازيغ الذين استولوا على مصر وحكموها لما يناهز قرنين ونصف. الفلسطينيون لا يختلفون تقريبا عن اليهود حتى في الدسائس، فهم أيضا كثيرا ما سببوا حروبا أهلية في الدول التي لجؤوا إليها، كما فعل ياسر عرفات في لبنان وكما تفعل حماس اليوم في مصر، ولا يتسع الوقت لنتحدث عن علاقة الدسائس بالهزائم العسكرية، أي أن الشعب عندما ينهزم في العلن يضطر إلى تطوير قوة مكر خفية تمكّنه من نخر الدول الأجنبية بصمت.
والخلاصة أن الوحشية ذات أصل حيواني، أما الهمجية فذات أصل ديني في الظاهر وسياسي في الباطن.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

الوعي الفينومينولوجي

 

حتى لو سلمنا بأن للطبيعة عمقاً غير مدرَك، فإن تحكُّمه في المستوى المدرَك للطبيعة ينحصر في حيز القوة دون الفعل (بالمدلول الفلسفي). خذ مثلاً الفنان الكوميدي، هل يولد كوميدياً أم أن شيئا ما يحدث له في حياته فيميل به إلى الفن الكوميدي؟. بيد أنه لا يصبح كوميدياً انطلاقا من دوافع جوهرية، بل من دوافع مظهرية، وذلك يبدأ منذ نظراته الأولى ربما إلى المرآة حيث يلاحظ بأن له ملامح تميل إلى الإضحاك، أو يحدث أن يضحكه صوته أو كلماته، أو حركاته، وهذا كله يعني أن المظهر هو المتحكم بالفعل في الجوهر وليس العكس. لقد جرت عادة الفكر التقليدي (المثالي) على أن للجوهر فضلاً فعليا على المظهر، وذلك تبعا لمسلسل التعليل (علاقة العلة بالمعلول) التي كانوا دائماً يحذفون فيها حقائق دون أن يشعروا، مخلطين بين القوة والفعل، وكمثال على ذلك الفكر الديني، حيث يقول لك رجل الدين بأن الله هو الذي ينزل الأمطار، والله هو الذي يخلق الانسان..الخ دون أن ينتبه إلى ذلك الانزال وهذا الخلق إنما يتم بالقوة وليس بالفعل، وإذا حاولت أن تكون واقعيا أكثر وتُعمل المنطق الفلسفي بحيث تقول بأن الأمطار تسقط بسبب الغيوم التي هي عبارة عن بخار المياه...الخ، اتهموك بالكفر بدل أن يبحثوا معك عن أرضية منطقية فلسفية مشتركة، يعترف فيها الجميع بفضل الظاهر على الباطن احتكاماً إلى الواقع المعجَّل وتغليبه الضروري على المنطق المؤجل. هب أنني أريد أن أشتري تلك السيارة المركونة أمام منزلك، وسألتك: "لمن هذه السيارة؟"، وهب أنك أجبتني جوابا مثاليا بقولك: "إنها لله"، فهل تعتقد أنني سأشتريها منك إذا لم نتوصل إلى حل واقعي بحيث تقول لي مثلا: "السيارة لي بفضل الله"؟. أعتقد أن هذا يوضح لنا بمنتهى البساطة حاجتنا إلى إعمال التسلسل الفعلي للعلل سواء كنا مؤمنين أو ملحدين. إن مثال الفنان الكوميدي المذكور أعلاه في الواقع ينطبق على ظواهر عملاقة وأخرى مجهرية على حد سواء، فكل شخص-ببساطة-يتحدد سلوكه بناءً على شكله الخارجي، ولذلك يقال عن الكرامة مثلاً "ماء الوجه"، بل ولذلك أيضا يتفاعل الوجه مع الأحداث. فلو كنتَ رجلاً ملتحياً فإن تعاملك مع المجتمع سوف تتحكم فيه مواقفك القائمة على أخذ "اللحية" بعين الاعتبار بشكل قد تشعر به وقد لا تشعر، وإذا حلقت تلك اللحية، فسوف يتغير سلوكك ولو بنسبة ضئيلة تكاد تبدو غير ملحوظة بالنسبة إليك. وكذلك إذا ارتديت قناعاً، تتصرف دون أن تشعر كما يليق بصاحب وجه مخفي، وقس عليه في تعاملك مع الناس عبر شبكة الانترنت والفرق بينه وبين تعاملك المباشر معهم، وهذا بالضبط ما يحدث على مستوى الطبيعة، حيث قد يكون للجوهر فضلاً بالقوة على المظهر إلى حين ثم تنقلب المعادلة، هذا لو سلمنا أصلا بوجود الجوهر، وإلا فإن للمظهر كل الفضل على ما نبتكره من الجواهر.

وبناء على ذلك، فحتى وإن سلمنا بوجود الجوهر وانفصاله عن المظهر، نرى أن الله لم يخلق الفنان الكوميدي بالفعل، وإنما خلقه بالقوة فقط. وعلى مستوى أعمق من ذلك قليلا، يمكن أن نستدل بانتفاء الخلق الفعلي الإلهي للفنان- بالمقارنة مع خلق الانسان-على انتفاء خلقه للإنسان أيضا بالمقارنة مع الحيوان! أي إذا جاء يوم وثبت للجميع بأن الانسان ينحدر من الحيوان، كما ذهب داروين، فهذا يعني أن الله خلق الانسان بالقوة فقط وخلق الحيوان بالفعل، بيد أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار الأصل الفيزيائي للحيوان (أي تجاوزنا الطور البيولوجي) ظهر لنا بأن الله لم يخلق حتى الحيوان بالفعل، وإنما خلقه بالقوة فقط، وهلم جرا حتى تنتهي إلى واقع يقول لك بأن الله لم يخلق بالفعل إلا ذرة الهيدروجين. وإذا تبين لك بأن هناك تفاعلا كيميائيا سابقا للهيدروجين، فأنت إذن مضطر منطقيا للافتراض بأن الله لم يخلق شيئا بالفعل، وإنما هو خالق بالقوة فقط، مع الإشارة- مرة أخرى- ألى أنني أتحدث عن ثنائية "القوة والفعل" بمفهومها الفلسفي. خلاصة هذه الورقة: أن المظهر هو الخالق الفعلي للجوهر.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

الكلمات والأفراد في النص والمجتمع

 


سبق وتحدثنا عن مقارنة كلاود ليفي ستراوس بين اللغة والمجتمع، من حيث أن العلاقات بين الكلمات داخل النص تحاكي الأفراد داخل المجتمع، وأضيف الآن مسألة هامة يلاحظها معظم الناس وينتقدونها غالبا دون تحليلها وتعليلها. لنفرض أنك واحد من ثلاثة إخوة في العائلة. ولنفرض بأنك أصغرهم. ففي هذه الحالة، قد لا تكون علاقتك جيدة مع أخيك الأكبر، فلا داعي لتقلق، لأن الأمر طبيعي، ولكن بمجرد أن يغيب الأخ الوسط تتحسن علاقتك بأخيك الأكبر!. هذا مجرد مثال، ففي عمق المسألة يمكننا أن نستنتج بأن كل تجمع بشري (أسرة/عائلة/جماعة) لابد أن تبلور شخصيتها الجماعية، وهذه الشخصية تحاكي تلقائيا الشخصية الفردية. فمثلا: يمكن أن تلاحظ بأن أحد إخوتك عاطفي جدا، في حين أن الثاني عقلاني، والثالث يميل إلى اللهو والاستهتار والفوضى...الخ، وقد يكون مستحيلا أن تجد علاجا للمستهتر العابث بكل شيء، لكن إذا اختفى مثلا أخوك الذي يتميز بالعقلانية، فغالبا ما يتحسن المستهتر! لأن الروح الجماعية تعمل على إعادة تشكيل شخصيتها (لاحظ: كلمة "حرب" لو حذفنا منها الحرف الوسط ستصبح "حب")، ولابد لهذه الشخصية الجماعية أن تحتوي على فرد يمثل العاطفة، والثاني يمثل العقل، والثالث يمثل الفوضى. ومن النادر جدا (شذوذ سوسيولوجي/أنثروبولوجي ربما) أن تجد جميع أفراد العائلة متشابهين في شخصياتهم. فإذن، عليك ألا تلوم أخاك أو أختك كثيرا إذا لاحظت بأن أحدهم يميل إلى الفوضى، لأن تلك الفوضى نفسها لها دور باطني في تقويم باقي الأفراد الذين يمثلون النظام أو العقلانية في منزلك. إذا لاحظت بأنك شخص حكيم في عائلتك، فلا تتعب نفسك في جعل الجميع يفكر بالعقل والحكمة مثلك، لأن روح الشخصية الجماعية تأبى ذلك، ولهذا ينمو ويتربى الطفل بشكل سليم إذا كان له والدان؛ فالأم هي التي تغرس فيه العاطفة (السماح بالتجاوز=الفوضى ...الخ) والأب هو الذي يغرس فيه ملكة العقل (العقاب على التجاوز=النظام/الانضباط....الخ). وهكذا يفكر بروح ذكورية ويتخيل بروح أنثوية إن جاز التعبير. فكما يخرج الطفل من بطن أمه، كذلك يخرج العقل من سديم الخيال، وعلى العموم فإن الفوضى سابقة للنظام. ولامعنى إطلاقا للنظام إلا بوجود بعض الفوضى، فتريث قليلا قبل أن تحكم على أخيك أو أحد من أفراد عائلتك بأنه لا يفيد إلا في إثارة المشاكل، فكثيرا ما يكون لما يثيره من مشاكل دور هام في قدرتك أنت على التفكير السليم.

(من تدوينات أرشيف الفيسبوك)


سعيد بودبوز

انقراض الذاكرة

 

في عصور ما قبل التدوين، كانت ذاكرة الإنسان قوية جداً. كانوا يحفظون ملاحم كبيرة عن ظهر القلب، حتى قيل أن الملحمة الهندية "الرامايانا" كان يكفي بعض الهنود أن يسمعوها مرة واحدة ليحفظوها. ولهذا أيضاً اضطر الإنسان القديم إلى المزج بين الحكاية والشعر، لأن الحكاية المنثورة يصعب حفظها، ولكن بفضل النظم الشعري يسهل حفظها. لقد كانت الذاكرة قوية لأنّ الإنسان كان يعتمد عليها كثيراً، فكلّ ما يتم إعماله تطوّره الطبيعة، وكل ما يتمّ إهماله تتخلى عنه الطبيعة فيتضاءل شيئاً فشيئاً حتى يختفي. هذا حال العقل أيضاً بالنسبة للمجتمعات المتدينة بشكل مفرط. كلما تقدّمت وسائل التدوين الصناعية تتراجع الذاكرة الطبيعية، ويبدو أنه لا مفر من انقراضها وسيصبح الإنسان عبداً للآلة عكس ما يظن البعض من أنّ الآلة ستصبح عبداً للإنسان. قد يأتي عصر يمكن لأي شخص أن يصنع "روبوت" خاصاً به، يفوّض إليه جميع مسؤولياته، فينوب عنه الروبوت في كل شيء، حتى عن تذكّر أسماء ووجوه أصدقائه وأفراد عائلته، لكن الإنسان في المقابل سوف يتطوّر حسّه العلمي وقدرته على الإدراك والتحليل. وبالتالي فإنّ كثرة النسيان في عصرنا، وكثرة الشعور بفقدان الذاكرة، ليس حالة مرضية بالضرورة، بل هو أمر طبيعي، فلا يمكن أن تصبح عضلاتك مفتولة إذا لم تكن تمارس تمارين رياضية، لأنّ كل عضو من أعضاء جسمك يقوى ويتطوّر بحسب استعمالك إياه. إذا عوّدت جسمك على رفع الأثقال من المؤكد أن جسمك سيقوى ويتطوّر في هذا الاتجاه، ولكن لو كنت تستعمل آلة في رفع الأثقال فلن يقوى جسمك ولن يتطوّر، بل سيتراجع بالتدريج، وهذا بالضبط ما ينطبق على الذاكرة. ولا عجب أن يصبح للإنسان رأس كبير وجسم صغير إذا كان يعتمد على ذكائه بشكل أكبر بكثير من الاعتماد على جسمه، لكن الأمر يحتاج لمرور مئات أو ربما آلاف السنين. إذا كنت بين حين وآخر تشتري حاسوباً مزوّداً بذاكرة أكبر من السابق، فلا تنسَ أن ذاكرتك تتخلّف كلما تقدمت ذاكرة حاسوبك. لا أقول بانك ستعجز عن حفظ قصيدتك التي لا تتجاوز 20 بيتاً، فهذا مؤكد، ولكني أقول بأنك قد تعجز حتى عن حفظ عنوانها، والسبب يعود ببساطة إلى اعتمادك المتزايد على قوّة ذاكرة حاسوبك.

 (من تدوينات أرشيف الفيسبوك)

سعيد بودبوز

حقيقة الخرافة

 من الحتميات الرهيبة التي تقود إليها الفلسفة الأنطولوجية النتشوية، أنّ الخرافة حقيقة لابدّ منها لوجود المنطق.

ربما لهذا بدا نيتشه مستعدّاً لمواجهة نفسه في نهاية أفول الأصنام التي طاردها إلى أن ألقى بها فيما وراء الخير والشر.

كان نيتشه كائناً دائرياً لابدّ له من الاصطدام بنفسه. كتاباته مسكونة بأرواح الألفاظ الشريرة.

قد لا تصحو هذه الأرواح لقراءتك الأولى، ولكن إذا قرأتَ نيتشه وأنت تمشي-كما أوصى-أو تدور حول نفسك مثل حيّ بن يقظان، فقد تشعر بأنّ الموت نفسه ليس إلا "أنت الآخر".. إنه ذلك الأنتَ الذي يجب أن ينهيك مؤقّتاً في الوقت المناسب، كما توجّب عليك أن تنهيه يوم وُلدت.

الخرافة هي الحقيقة التي يجب عليك أن تنكرها مادمتَ إنساناً عادياً أو فيلسوفاً أخلاقياً. 

لأنها وُجدت من أجل أن تنهي فيك المنطق، كما أن المنطق وُجد (فقط) من أجل أن ينهي الخرافة.

ألا تلاحظ أن أهمّ وظيفة للإله، تتجلى في مصارعة إبليس، والعكس صحيح؟.

هناك حرب على شاشة الكون، وهناك حبّ وراء كواليسه.

لايمكن لعاقل حرّ، أن ينفي بأنّ هناك حبّاً ما بين الإله وإبليس. فليست الحرب الظاهرة إلا حرباً ضد ذلك الحب نفسه.

لولا أن الفلسفة الأنطولوجية تسمح للخرافة بالتحقُّق من باب تبرير وجود المنطق، لربما رفض نيتشه العقيدة الفينومينولوجية المسماة "العود الأبدي".

لو أنّ الإنسان فهم هذه الأمور العميقة جداً، والتي بمقتضاها تدور عجلات الشرّ في باطن الطبيعة من أجل إنتاج الخير على سطح هذه الطبيعة، سيتفهّم دور الاختلاف في تقوية الائتلاف بشكل غير مباشر.

يظنّ رجل الدين بأن دينه لن يزول بزوال الإلحاد، وهذا خطأ أنطولوجي فادح، فلولا حقيقة الإلحاد ماكان هناك دين.

ولولا إبليس ماكان هناك داع ولا مبرّر ولا مجال لظهور العقيدة التي تقول بوجود إله. إذن، هاهو إبليس يتراءى لنا واقفا في باب الله الموصد كشاوش ميتافيزيقي يتمتّع بكفأة عالية.

نعم، إبليس مجرّد شاوش للإله في باطن الواقع، لكنه يجب أن يبدو عدوّاً للإله في ظاهر الواقع.

يجب أن يبدو عدوّاً له كي يُدخل عليه في الوقت غير المناسب من يبدو الإله غير راغب في رؤيتهم، لكن دخولهم الفوضوي عليه في طابقه العلوي (السماء) هو السبيل الوحيد لتسريب أخبار الله إلى أهل الأرض.

وهل ثمة من يستطيع أن يزعم بأنّ الأديان جاءت في وضح النهار وليست مسرّبة؟. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يصرّ الإله على الاختباء؟.

لا أتحدّث عن الاختباء الفيزيائي فحسب، بل أتحدّث عن الاختفاء الألوهي والربوبي أيضا، فكيف يتحرّك شرطي لنصرة مظلوم يتعرض للاعتداء من طرف اللصوص، ولا يبدي الإله أية ردة فعل تجاه ملايير المظلومين الذين قُتلوا واغتُصبت نساؤهم وبيعت أطفالهم ظلما وطغيانا؟. 

هذا هو الاختباء المبين الذي يجسّد التواطؤ الميتافيزي مع إبليس ضد الكائنات الفيزيقية. 

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز


ديونيزوس والوعي الأنطولوجي

 

إذا عرف التاريخ أنبياءً لم يدركوا بأنهم جاؤوا من أعماق الشرّ وإليه عائدون، خلافاً لما توهّموه، أو حاولوا أن يوهموا به غيرهم، فما يميّز نيتشه عنهم وعن الفلاسفة التقليديين أنه أدرك بأنه ليس سوى تجلي لروح ديونيزوس..ذلك الإله الغامض الذي تسبقه بسمته إلى الظهور من أعماق الظلمات. لهذا لم تستطع الإيديولوجيات أن تؤثر على نيتشه، والمؤكد أنه لم يكن من المصلحين وقد صرح بذلك في مستهل كتابه "هذا هو الانسان"، كما لمح إلى نفس الأمر في كتابه "مولد التراجيديا" حيث عبّر عن تضايقه من ميول الإغريق إلى عبادة أبولو على حساب ديونيزوس الذي بدأ نجمه في الأفول منذ ظهور سقراط الملعون بالنسبة إلى نيتشه، حيث لاحظ أن الإغريق بدؤوا يميلون إلى "المنطق" على حساب "الغريزة" بالموازاة مع ميلهم إلى أبولو

لقد فسد سقراط كل شيء في نظر نيتشه منذ تعمق في الخلط بين الخطأ والرذيلة، وبين الصواب والحقّ. واعتبر نيتشه ذلك بداية للتعفن الحضاري لدى الإغريق وعبر عن أسفه قائلا بأن الإغريق عرفوا متى يبدؤن التفلسف لكنهم لم يعرفوا كيف يتوقفون في الوقت المناسب. وهذه المسألة تشكل ركنا صلبا في فلسفة نيتشه، فهي تنسحب مثلا حتى على حبه لمن يلقون بأيديهم إلى التهلكة، حيث يعلل حبه لهم بأنهم إنما ينتحرون من أجل أن يريحوا الطبيعة منهم ماداموا عبارة عن طحالب أو جراثيم أو فائضين عن اللزوم. فأن تكون ديونيزي ببساطة يعني أن تحبّ منتصف الليل لأنه هو الوحيد الذي يمنح معنى لمنتصف النهار. وأن تحب القبيح لأنه الوحيد الذي يعلمك كيف تستمتع بالجميل. وأن تحب الشرير لأنه الوحيد الذي يمنحك القدرة على التنعّم بالخير
وهذا ما لاتطيقه الفلسفة الأيديولوجية والبراغماتية والأديان. فلك أن تحب الأديان كما تشأ لكن لا تنسى بأنها تعاني فقرا مدقعا في الوعي الأنطولوجي، ولذلك لا تستطيع أن تقدم الإجابة على أيّ سؤال حرّ. فعندما يبشرنا رجل الدين بالجنة مثلا، فهو يبشرنا بوجود الشر فيها دون أن يشعر، وإذا تذاكى وتمادى وحاول أن يطهّرها من الشر، يتحوّل إلى مهرّج غير موفّق، وإلا فكيف تستمتع بطعام الجنة دون أن تكون جائعا؟.. لقد تعذبت أنا شخصيا لأنني كثيرا ما كنت مع أناس يأكلون وتوجب عليّ أن آكل معهم دون أن أشعر بالجوع، حتى لا أتعرّض لتأويلات أنا في غنى عنها..تعذّبت فعلا ولي أصدقاء يعرفون ذلك..فتصوّر كيف يتعذب من يأكل في الجنة بلا توقّف، ويمارس الجنس بلا توقّف، ويشرب أنهارا من الخمر واللبن والقهوة والشاي و....بلا توقّف...إنه في الواقع زميل روحي لأهل النار. هل تعلم عزيزي القارئ بأن الموت جوعا لا يختلف البتة عن الموت أكلا بالقوة؟..هل تتصور مدى العذاب الذي ينتظر شخصا محكوما عليه بأن يأكل حتى الموت؟!..قد تعلم أنت لكن هيهات أن يعلم رجال الدين
وإذا قال قائل معاند (وما أكثر دونكيشوهات الأديان) بأن أهل الجنة لا يتعذبون بسبب كثرة الأكل والجنس وغير ذلك من الأعمال البهائمية لأن لهم شهية لا تنتهي، أقول إن تلك الشهية نفسها ليست من الناحية الأنطولوجية إلا تعبيرا عن الحاجة/العوز/الجوع/الفقر. فبسبب انعدام الوعي الأنطولوجي لدى رجال الدين فلا عجب أن ينشروا تعابير من قبيل "أثلجت صدري" أو "اللهم طهرنا بالثلج" أو غير ذلك من العبارات التي تلقي بهم في النار من حيث لا يشعرون، ذلك لأن عذاب النار لا يختلف عن عذاب الثلج. فبربك لو أثلجنا صدرك هل تعرف ماذا يحدث لرئتيك؟ سيتحول الهواء فيهما إلى ماء وتموت.
عندما تعي تماما هذه الأشياء، سيتبيّن لك بأن النزعة الديونيزية لدى نيتشه هي الأقرب إلى فهم طبيعة الوجود، فكما قلت سابقا أن فريدريك نيتشه لم يكن فيلسوفا أخلاقيا، وإنما كان فيلسوفا أنطولوجيا، ومن الخطأ الفادح أن يحاكمه الأخلاقيون كما لو كان أخلاقيا مثل كانط. نيتشه وشوبنهاور من طينة مختلفة تماما. إنهما يحاولان أن يتحدثا بلغة الطبيعة كما هي...الطبيعة التي لا ترحم ولا تعطف، لهذا يصدم القارئ عندما يقرأ نصا لنيتشه أو شوبنهاور..يصدم كما يطرب عندما يقرأ لرجل الدين كتابا عن حوريات الجنان اللواتي لم يطأهن قبله (لا أدري قبل من) رجل ولا شيطان، وهن يتضاحكن على ضفاف أنهار البيرة والويسكي ويتراشقن بقوارير ذهبية فارغة.
وأخيرا: لاحظ أن خمر الجنة لا يسكر حسب رجال الدين، وهذا كفيل بإفراغه من معناه، أي لا فرق بين نهر الخمر في الجنة ونهر الفرات أو نهر أبي رقراق.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

رعب الفكر الأنطولوجي:

 


هو الفكر الذي يجب أن نعرف الحقيقة من خلاله كي نحاربها ونحن مقتنعون بأننا منافقون، ومقتنعون بأن النّفاق ضروري من أجل بقاء الإخلاص، وأن المواربة ضرورية من أجل انتعاش الصراحة. الفكر الأنطولوجي مرعب، لا يقترب منه الفلاسفة البراغماتيين، ولا من له علاقة بالسياة، ومن له رغبة في الإصلاح. الفكر الأنطولوجي سرداب مظلم. يستحيل على أمثال هيجل أو ماركس من غلمان روتشيلد أن يمتحوا من بئر الفلسفة الأنطولوجية التي هي متروكة لوحوش الفلسفة الضارية كشوبنهاور ونيتشه، خاصة نيتشه؛ المتوحّش الطيّب، والهمجي المخلص
مع نيتشه، لابدّ أن تدرك بأن عبادة إبليس التي يقوم بها بعض البشر (ومنهم بعض الحكّام) في بطن الأرض، لابد منها لاستمرار عبادة الله على ظهر الأرض. لابدّ أن تقبل بأنّ هناك عداوةً دينية خالدة بين العبادتين، لكنها صداقة أنطولوجية حميمة. ربما حالوت بعض الأساطير أن تقولها برمزية موغلة في الغموض.. آدم على سبيل المثال؛ منه خرجت حواء (علاقة حب). أي أن الشيء يخرج منه نقيضه، وهذا معترف به لدى الماركسية في إطار "المادية الجدلية". لكن ماذا عن هابيل وقابيل (علاقة حرب)؟.
الأخلاق تحذّرنا من الغوص لأنها تخشى علينا من الغرق. ولكن ماذا يوجد فيما وراء الظاهرة؟. الحقيقة أنّه لا يوجد حبّ دون حرب. فالحرب (العذاب) سبق خروج حواد من ضلع آدم. والحرب (المخاض) نفسه سبق خروج قابيل وهابيل من بطن حواء.
الأخوة حب، ولكن قتل قابيل لهابيل حرب. هنا تبدو الساعة الأنطولوجية واضحة لأنها متسارعة، أي أن الحرب ثم الحب ثم الحرب...الخ. وسبب هذا الوضوح هو ضيق المجال، فلو اتسع المجال، لأصبح بإمكاننا أن نتحدث عن فترة طويلة من الحب أو الحرب. مثلا؛ لو كان هناك شخص آخر أمام قابيل غير آخيه هابيل، لقتله بدل أن يقتل أخاه، لأن القتل (الحرب) لابد منه. انفرض أن هابيل قتل شخصاً في قبيلة أخرى بعيدة، في هذه الحالة سيستمر الحب بين الأخوين في قبيلتهما لفترة تبدو طويلة. لا تظن بأن قابيل كان حراً في جريمته (حسب الأسطورة)، فحتى وإن لم يقتل ذلك الشخص الذي افترضناه بديلاً لأخيه، كان أمامه خيار واحد وهو يتحالف مع قبيلة ذلك الشخص ضد بلد آخر بعيد جدا. عند ذلك، سيستغرق الغزو فترة زمنية طويلة تساوي اتساع مجال (السلم/الحب).
بعد ذلك سوف يأتي الغزو المضاد من ذلك البلد البعيد، وستكون الضربة أقوى بكثير من مقتل هابيل. إذن، كان هابيل قرباناً لتفادي ما هو أسوأ.
نستنتج من هذا؛ أنه لا يمكن لبعض البشرية أن تتقدّم إلا بقدر ما يتخلّف بعضها الآخر. إن شئت أن تفهم الأسباب الأنطولوجية للحضارة الأمريكية حالياً، فعليك أن تتوجّه إلى قبائل الأمازون، أو إلى قاليدونيا الجديدة لتعرف أين وصل الهنود الحمر في تخلفهم وأين وصل البولينيز الذين هم أشدّ تخلفاً. الأنثروبولجيا تقول بأن الهنود الحمر يعيشون حاليا في العصر الحجري الحديث (أي ما بعد اكتشاف الزراعة). والبولينيز يعيشون العصر الحجري القديم (أي ما قبل اكتشاف الزراعة). 
إن هذه الشعوب البدائية بمثابة معيار، ومنطلق أو محور به تهتدي البشرية المتقدمة نحو وجهتها الصحيحة. الأمر شبيه بالقوس، فكلما سحبت السهم إلى الخلف أكثر كلما تقدم عبر مسافة أطول عندما تطلقه.

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز

عن الشكلانية العربية

عندما تتعرّض أمّة لحشد هائل من الكوارث والمأآسي، فإنّها تتبخّر و"تتصاعد". ثم تنضب وتتحوّل إلى "غلاف". والغلاف "شكل". من هنا نفهم الشكلانية العربية، فبكل بساطة، العروبة لم تعد مضموناً ولا جوهراً، وإنما صارت شكلاً ومظهراً، وإذا قلنا بأنها "اسم" بلا مسمّى، فلا نعني أنّها تطلق على أغلبية غير عربية فحسب، وإنما نعني كذلك أنها تتعلّق بالاسم ولا تهتم بالمسمّى. تتعلّق بالصورة ولا يهمّها الموضوع، تتعلّق بالمادة ولا تهمّها الكينونة. 

إنّ "التصاعد" الناجم عن الاحتراق الحضاري والتبخّر الثقافي قد يظهر في التعلّق المفرط بالدين، أو ما يُعتقد أنه دين، وهذا إنما يرمز إلى الفرار من الأرض المحروقة ومحاولة اللجوء الديني إلى السماء. فالتعلّق المفرط بالشكل، قد يدلّ أيضاً على موت المضمون، ولهذا نجد العرب (والمسلمين طبعا) أكثر الشعوب تعلّقاً بالموت، سواء من حيث تعظيم الموتى أو من حيث استعدادهم للموت في سبيل قضية (الشكل). فأيّة قضية يمكن كسبها إذا خسر الإنسان حياته؟. 

إن استعداده لخسارة حياته مقابل قضية لا تعنيه أو ما يسمى بالوطن أو الدين أو غيره، إنما هو مستمدّ من التعلّق المرضي بالشكل، وهذا الأخير كما أشرنا يحدث نتيجة تجريد الأمة من مضمونها عن طريق إحراقها الحضاري وتبخيرها الثقافي. أما على المستوى السيكولوجي، فإن "التصاعد" المذكور يأخذ شكل "جنون العظمة"، وطبعا ليس في هذا العالم شعب مصاب بجنون العظمة أكثر من العرب. إن المصاب بهذا المرض، لا يمكن إقناعه بشيء على الإطلاق، إلا ما توارثه أجداده قبل مرحلة "الحرق والتبخير". لأن ساعته قد قامت منذ تلك الحقبة، وبالتالي فهو ليس مجرّد منحطّ حضارياً، بل أيضاً محنّط سيكولوجياً.

أما تلك العقدة التي أسميها "مرض المؤامرة"، فمن الناحية التاريخية هي مرتبطة بجنون العظمة، حيث يتصوّر الإنسان المنحط والمحنطّ بأنه يملك ثروات هائلة من العلم والفكر والدين والأخلاق والأمجاد، وبالتالي فإن العالم كلّه يتحيّن أية فرصة للإنقضاض عليه وتجريده من تلك الثروات. 

ومن الناحية السيكولوجية، فإنّ هذا الإنسان، يدرك بعقله الباطن أنّ تلك الثروات في الواقع هي السرطان الذي فتك بالذات وخرّب الأمة من الداخل، وبالتالي؛ فعندما يتهمك بالتآمر عليه، فإن لسان حاله يتهمك بتركه وحده يواجه تلك الأمراض المستعصية عن العلاج، ولهذا أيضاً تجده يؤيد الحكم بالإعدام على المرتدّ مثلا عن الإسلام، ففي العمق السيكولوجي لا يمكن بتاتاً أن يقبل الإنسان بإعدام آخر لمجرّد أنه ترك خيراً أو (رحمة للعالمين) واختار لنفسه الفقر الروحي.. لفهم هذه المسألة جيدا؛ تصوّر أن تكتشف كنزاً مع مجموعة من أصدقائك، ثم تقول لهم "هنيئا لكم بهذا الكنز، فسأترككم وحدكم تنعمون به"..هل ثمة عاقل يصدّق بأن أولائك الأصدقاء سيعدمونك؟ بالعكس؛ قد يغمررونك بالشكر والإعجاب. ولكن تصوّر لو دخلت مع أصدقائك منزلا مهجوراً وأحاطت بكم الأفاعي، ثم وجدت أنت فرصة للهرب، وتركتهم وحدهم يواجهون مصيرهم...فمن هنا تستطيع أن تحلّل نفسية "الردة" في الإسلام، وما يترتب عليها من أمراض المؤامرة.

وأيضا عندما تصبح "المؤامرة" وهمية، فهذا يعني أن المريض بها يتمسك بـ "الاسم" ولا يهتم بالمسمى، وهنا تجتمع الخيوط الرابطة بين تعفّن الذات (التدمير من الداخل) وتعفين المحيط والتسبب في الكوارث والمآسي، وبالتالي الاحتراق الحضاري والتبخّر الثقافي، والتحوّل إلى "غلاف". وأخيرا؛ لكي تفهم جيدا معنى الغلاف هنا؛ انظر إلى أي شخص هام عبر المواقع الاجتماعية، أو أية منظمة أو أي شيء ستجد أغلب المحيطين به عرب، فهم يتحدثون عن جميع الأمم بقليل من الخير وكثير من الشر، ولا تكاد تجد احدا يتحدث عنهم.

قلتُ بأن العروبة صارت شكلاً (غلافاً...الخ)، لأنّ الشروط الفيزيائية التي تحاكيها القوانين الأنثروبولوجية قد توفّرت فيها، أي أنّ هذه الأمة تعرّضت للاحتراق الحضاري ونجم عنه التبخّر الثقافي، وأضيف الآن مثالاً حياً على ذلك، وهو أنّ عدد العرب المحتفلين بعيد ميلاد يسوع ربما يفوق عدد المسيحيين الغربيين أنفسهم. وفي نفس الوقت، لن تجد أمة تعادي المسيحيين أكثر من الأمة العربية الإسلامية. استعمل مخيّلتك البصرية وقارن بين هذه الظاهرة و"الغلاف" لأيّ شيء. 

فالمسيحية تتحوّل هنا إلى "موضوع" والعروبة (الإسلام) تظلّ "شكلا". 

حتى فوز ترامب، لن تجد أمة ناقشته واهتمت به أكثر من العرب، بما في ذلك الأمريكيون أنفسهم، وأذكر أنني قرأت دراسة منذ سنوات تقول بأن أكثر من 50 بالمئة من الشعب الأمريكي لا يعرفون من هو رئيس الكونغريس!. ولكنك ربما تجد أكثر من 50 بالمائة من العرب يعرفون من هو. وكذلك في المجتمعات الغربية لن تسمع كلمة "حرية" و"ديمقراطية" و"حقوق الانسان" بالكثافة التي تسمعها في العالم العربي الإسلامي، واعلم أن الدستور الأمريكي ليس فيه إشارة واحدة إلى الديمقراطية، في حين-كما صرّح أحد المعارضين المغاربة من أمريكا- تجد الدستور المغربي ضاجّاً بهذا المصطلح، لماذا؟ لأن حمولات هذه المصطلحات في الغرب صارت موضوعاً للممارسة، بينما ظلت في عالم العرب والمسلمين مجرد شكل.

الدستور المغربي مليء بالديمقراطيات، ولكن الشارع المغربي مليئ بالعبودية والقمع والتجويع والتجهيل والنصب والسلب والنهب السري والعلني من طرف المسؤلين. 

الشكل دائماً يرتبط بالتخلف، بينما يتعلق المضمون بالتقدم. ففي الشعر أو الرواية أو القصة تجد المضمون يجدد نفسه من نص إلى آخر، أما الشكل فلا يتغير إلا بعد قرن أو قرنين أو أكثر، ولكي تفهم ذلك جيدا قارن المدة الفاصلة بين "الملحمة" و"الرواية" شكلاً، ثم قارن المدة الفاصلة بين أي رواية وأخرى على مستوى المضمون. وستجد أنه لا مجال للمقارنة، فالشكل يظل غلافاً للمحتوى الذي تتعاقب فيه المضامين وتتطوّر، لأنّ توليده أساساً عسير، وهو ما أسميه في المجال الأنثروبولوجي بـ "الاحتراق الحضاري والتبخّر الثقافي". هذه العملية لا تتحرك إلا بحروب طاحنة، وعندما تجري أنهار من الدماء، سوف تتصاعد طبقة من هذه الدماء، وتيبس ثم تتحجّر، وبذلك تحدث عملية "الاندمال"، وتبقى الدماء الحية تجري بهدوء وسلاسة تحت تلك الطبقة، أي في الشرايين. إن الطبقة السفلى هنا تمثّل المضمون (الموضوع) أما الطبقة العليا المتحجرة فهي تمثل الشكل، ولذلك ربطتُ سابقا بين هذا "التصاعد" أثناء التبخر، والتعلّق المفرط بالسماء (الدين).

(من أرشيف تدويناتي على الفيسبوك)

سعيد بودبوز