سعيد بودبوز
الحضارة المصرية الأمازيغية (2)
من خلال الجزء الأول من هذا البحث توقفنا عند الاسم الهيروغليفي" حاتيوعا" الذي قلنا أنه كان يطلق على أمازيغ التحنو كما كان يطلق على الأمراء المصريين القدامى أيضا، وقلنا بأن ذلك قد يكون له علاقة بحكم أمازيغ التحنو لمصر ما قبل الأسرات. والآن سنواصل الحديث عن أمازيغ التحنو وعن طبيعة تواجدهم في أرض النيل من خلال ما تعكسه النقوش والآثار والرسوم الفرعونية التي تركت هناك بكثرة. فبعد أن خلص إلى أن اسم "حاتيوعا" كان يطلق على أمازيغ التحنو مستشهدا بما جاء به "جاردنر" [1] يقول محمد بيومي مهران: "وبذا فإن "تحنو" اسم منطقة جغرافية وليس اسما لقوم، هذا وقد ذكرت بلاد تحنو كذلك على أثر من عهد الملك منحوتب (نب حتب رع) من الأسرة الحادية عشرة، إلى جانب قومي النوبيين والأسيويين، كما جاء ذكرهم في قصة "سنوهى" بأنهم الذين يسكنون بلاد تحنو" [2] حتى وإن كان اسم التحنو يطلق على منطقة جغرافية فلا مانع من أن يطلق، بعد ذلك أو قبله، على سكان هذه المنطقة، فهذا شيء طبيعي. ويرى أحمد فخري أن كلمة تحنو قد استعملت منذ الأسرة الثانية عشرة للسكان كذلك، وذلك حين فقدت كلمة "تحنو" معناها الأصلي. [3] وعلى كل حال فمن الواضح أن اسم "التحنو"، في اللغة المصرية القديمة، كان يطلق على أمازيغ الشرق (ليبيا) أو جزء من هؤلاء على الأقل، وبالتحديد الذين يفترض أنهم هاجروا إلى أرض النيل منذ القدم. وأما موقع أرض تحنو، فكانت تقع-دون شك-إلى الغرب من مصر، ذلك لأنها تذكر دائما عندما تذكر أسماء البلاد التي تقع غربي مصر، كما أنها تذكر بموقعها الغربي عند الحديث عن جيران مصر، هذا إلى أن نقوش "ساحورع" قد ذكرت لنا بلاد تحنو T Jehnu-Thny بأنها غربي مصر [4] ومن المعلوم أن المقصود بكونها غربي مصر لا يعني خلف الحدود الحالية، على سيبل المثال، بل إن امتداد أرض "التحنو" كان يشمل أراضي اعتبرت فيما بعد بأنها مصرية كما سنرى لاحقا. ما دام الاسم كان يطلق على منطقة جغرافية (حتى وإن لم يكن من المستبعد أن يطلق على سكان هذه المنطقة كما أشرت أعلاه) فمن الجدير أن نتابع التنقيب عن هذه المنطقة، كما جاءت عند المؤرخين وكما كانت عند الفراعنة، لكي نقترب أكثر من فهم علاقة الأمازيغ بأرض النيل. يقول محمد بيومي مهران عن أرض التحنو "ويحددها لنا "هولشر" بطريقة أكثر دقة، فيرى أن هذا الاسم كان يطلق غالبا على المكان الذي يستخرج منه النطرون الذي كان يستعمل في مصر لتحضير طلاء أشكال الخزف والزجاج، ولكن هذه البقعة ليس فيها من الخيرات، ما يصلح لسكنى عدد كبير من الناس، وكذلك يلاحظ أن تصوير الأشجار ضمن الغنائم –كما في لوحتي العقرب ونعرمر- يوحي إلينا بأن أرض تحنو لا تشمل بلادا صحراوية فحسب، بل تشمل كذلك بقاعا خصبة في غربي وادي النيل، ومن هنا يتجه الإنسان إلى التفكير في واحة قد تكون واحة الفيوم"[5] إذا سلمنا بهذا التفسير فهو يعني أن الأمازيغ (التحنو) كانوا يعيشون داخل الأراضي التي أصبح جزء منها فيما بعد مصريا. يعني أنهم كانوا من المكونات الأساسية للشعب المصري القديم. ويذكر هولشر-أن "بسنج" قد أكد ذلك إذ شاهد في نقش من عهد منحوتب وفيه يعلق أحد رؤساء صور سمك في حزامه، ومن هنا استنتج أن الفيوم هي موطنه، كما أن الإله "سبك" (التمساح) منذ القدم كان يقدس في الفيوم، كما أننا نرى "سبك" في نص يرجع إلى عهد طهراقا يمثل بلاد تحنو، (كما كان الإله "ددون"يمثل النوبة، و"سبد" يمثل بلاد آسيا، و"حور" يمثل مصر، كما أننا نشاهد سبك يمثل عدة مرات بوصفه سيد بلاد "باش" وهي –طبقا لنصوص ساحورع- جزء من بلاد تحنو كما ذكرته نصوص الأهرام [6]
