· سعيد بودبوز
قد يقضي القارئ العربي سنواتٍ طوالاً، أو قد يقضي نحبَه،
دون أن يُدرك بأنّه ليس قارئاً حقيقياً، وإنما هو قارئ ممثّل. وكذلك المؤلّف قد
يموت، ليس على طريقة المؤلّف الذي نعاه جاك دريدا، بل موتاً حقيقياً دون أن يدرك
بأنّه عاش ممثّلاً طوال مساره الثقافي. ولكن لماذا؟.
عندما تقرأ عشرات الكتب في منهج نقدي مثلاً، دون أن تفهم
شيئاً، غالباً ستتهم نفسك بالجهل أو البلادة الشديدة. لأنه لا يُعقل أن تقرأ مثلاً
أربعين كتاباً في شرح منهج نقدي نشوءً وارتقاءً، تنظيراً وتطبيقاً، دون أن تفهم
شيئاً !. وبما أنّ هذا غير معقول، كما أنّ اتهام المؤلّف
ذاتَه بأنه أصلاً لم يفهم موضوعَه ليُفهمك إياه، أيضاً غير معقول، فسرعان ما تضطرّ
للتطبيع مع الجنون خفيةً عن العقل، وسيبقى هذا التطبيع سرّياً إلى أن يصبح جزءً من
طبيعتك. وهكذا ستخلع نفسَك وترتدي دور القارئ الحقيقي في مسرحية حقيقية. وستقنع
نفسك بأنّك قد فهمتَ كل ما قرأتَه، وأنّه لم تكن هناك أية مشكلة، وأنّ أولائك
المؤّلفين كلهم حقيقيون أصلاء وليسوا مجرد ممثلين، وأنّ ما استقرّ في ذهنك من بطون
كتبهم هو المنهج النقدي المعني بالذات.
إذن، فقد فهمتَ المنهجَ وحان الوقت لتطبّقه على نصّ أدبي،
بمعنى؛ حان الوقت لتصبح مؤلّفاً. وبما أنّ التحليل هو المحكّ، هو المعيار الصارم
الذي يقرّر ما إذا كنتَ قد فهمتَ المنهج أم لا، فسوف لن تقترب منه، وسوف تظلّ تدور
في المقدمات، إلى أن تجعلها أوسعَ من صبر القارئ وأطول من شهر رمضان.
ستركب أعلى ما في خيالك، لتحلّق تحليقاً بأسلوبك الشاعري
أو الصوفي بين غيوم النظريات التي لم تفهمها طبعاً لا أنت ولا المؤلّف الذي شرحها
لك. ستظل تدور وتشطح بين وحول التنظيرات دون أن تتورّط في ذكر أمثلة. وعندما تقتل
القارئَ (وليس الموضوعَ) بحثاً، لن تجد شيئاً ولن يجدك أحد !.
عندما تُكثر من الإرهاق والاستغراق والإغراق في الأوراق،
لا بأس أن تختم بفصل ساخر بعنوان "تطبيق المنهج على قصة أو قصيدة كذا".
ثم لا بأس أن تقتله تمهيداً هو الآخر، وتجعل له مقدمة (فرعية) ومدخلاً ستلفّ فيه
وتدور إلى أن تخرج من مؤخرة الكتاب سالماً، وبهذا تنضمّ إلى قافلة المؤلفين
الممثلين الذين لا يدْرون أنهم يدُورون في حلقات مفرغة، وقد تجد بينهم من يعرفون،
لكنهم لا يعترفون، بأنهم مجرد ممثلين في مسرحية جادة لا تحتاج إلى خشبة.
فالمطلوب هو أن تؤلّف كتاباً، وليس أن تأتي بموضوع جديد
ومفيد. إذا توفّرت فيك الشروط المسوّغة للتمثيل، كالألقاب الأكاديمية مثلاً (أ.د) فقد
لا يتردّد الناشر الممثّل في نشر أعمالك، لأنّه يعرف أنّ هناك تطبيعاً واسعاً
وعميقاً بين المثقّف الممثل والجنون خفية عن العقل. حتى المشرف (الممثل) على
الرسائل الأكاديمية التي يتقدّم بها طلّاب ممثلون، لا تهمّه الأصالة إطلاقاً. كل
ما يهمه هو تحسين شروط التمثيل، فهو لا ينظر إلى الموضوع، وإنما ينظر إلى الشكل،
ويجب أن يتأكّد من توفّر أسلوب ألف ليلة وليلة في الرسالة الأكاديمية من قبيل؛
(الباب الأول، الفصل الأول، المبحث الأوّل، المطلب الأوّل). بل إنّ جرعة التمثيل
في الكتاب الأكاديمي يجب أن تكون زائدة وقوية إلى درجة الموت الأكاديمي للباحث، إذ
لا يُسمح له البتة بأي رأي شخصي. كل ما يُطلبُ منه هو أن يستعرض أراء الآخرين
السابقين، ويا حبّذا لو كانوا أمواتاً، لأنّ الموت هو الشرط الحاسم في استكمال التميُّز
ونيل الاعتراف، ومعروف أنّ الكثير من المتميّزين لا يُلتفتُ إليهم ما
داموا أحياءً، ولا يتمُّ تكريمُهم إلا بالدفن وبعد الدفن. وهذا ليس حكراً على
الثقافة العربية، بل ضارب الجذور حتى في مخيال بعض المجتمعات الغربية، وإن لم يعد
سائداً في تلك المجتمعات بالشكل الذي كان والشكل الذي صار في المجتمعات العربية. لقد عاشَ
دوستويفسكي طوالَ حياته وحيداً منبوذاً في هوامش روسيا. وحين مات، كرّمه الروس
بالدفن، وكتبوا على قبره من الإنجيل: "الحقّ الحقّ أقول لكم إن
لم تقع حبة الحنطة في الأرض ونمت فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمرٍ
كثير".
وهذا يعني أنّ التكريمَ يُصرف للموت وليس للميّت. من
هنا يطلّ علينا التطبيع المضمر في اللاشعور مع الجنون، ولهذا اختفت الأصالة وحلّ
محلّها التمثيل الذي صار معتمداً، على نطاق واسع، في التأليف والقراءة والنشر
والتحكيم والتقييم والتقويم.
وإنّ هذا التكريم المضمر للموت، والذي يتمثّل في
التكريم المُظهر للمتميّز الميت، ليس إلا امتداداً لموت القارئ لحظة تطبيعه مع
الجنون كضحية لموت المؤلّف الذي قدّم له كتباً تمثيلية، أي أنّ المؤلف نفسه لم
يفهم موضوعه، وإنما فقط يحاول أن يمثّل فاهماً حقيقياً.
حتى الترجمة، عندما يتصدّى لها المترجم الممثّل،
فإنّه لا يكاد يدخل في الموضوع حتى يرهق القارئ بمقدمة شاقة وعرة كأنها مقدمة ابن
خلدون، وبهذا يستنزف تركيز القارئ ورغبته في إتمام قراءة الكتاب، مع أنّ المنطق
يقتضي أن يقتصر المترجم على ترجمة المحتوى، لا ترجمة صاحب المحتوى وسرد حياته
بالطول والعرض. وإذا تعلّق الأمر بالمحقّق الممثّل، فقد لا يدع القارئ يصل إلى موضوع
المخطوط قبل أن يُغرقه في الثرثرة، بحيث يعيد، أحياناً، محتوى المخطوط كله بصيغته
الخاصة، فيضطر القارئ إلى قراءة الموضوع اجتراراً لاجترار المحقّق. ونفس التمثيل
يقوم به ناقد الوجبات النقدية السريعة، الذي حين يجري قراءة نقدية لرواية مثلاً،
فإنّ كل ما يفعله هو قلب صيغة الماضي إلى المضارع، مثلاً، إذا قال السارد:
"حضرت ليلى، وتشاجر زيد وعمرو بسببها، فتركتهما معاً، وعادت من حيث
أتت". فإنّ كل ما يقوم به ناقد الوجبات السريعة (الممثل طبعاً) هو التالي:
"وهكذا تحضر ليلى، ويتشاجر زيد وعمرو بسببها،
فتتركهما معاً وتعود من حيث أتت". فماذا يستفيد قارئ حقيقي من هذا الهراء؟. لو
كان للمكتبة العربية أن تنهض، لنفضت عن نفسها ملايينَ من أوراق التخريف، كما تفعل
الأشجار في فصل الخريف.
***
